|
|
ÇáÎÑíØÉ | ||
ذكريات سفر من
المغرب الى غانا
على طرق
افريقيا
كريستان
دو بري
CHRISTIAN DE BRIE
بالنسبة الى المسافر على الطرق الكبرى التي تخترق فرنسا واسبانيا في اتجاه "الجزيرة" في كنف عربته الوثيرة المنسابة على الطرق الاسفلتية المستقيمة اللامتناهية، فهو يشعر فعلاً أنه في أوروبا. المواصلات المتتالية نفسها، ورسم العبور باليورو واستراحات الطرق ومحطات الوقود المجهزة بشكل متشابه بآلاف البضائع التي لا فائدة منها والغارقة في موسيقى صافية. يبدو الأمر كأنه رحلة وهمية، مثل ألعاب الفيديو.
وبعد اجتياز مضيق جبل طارق يبدو الجيب الاسباني "سويتا" على بعد بضعة قلوس من جزيرة برسيل(ليلى) المتنازع عليها بشدة هذه الأيام، يبدو مكتباً بالياً ومتهدماً من أيام الاستعمار، يؤمه العديد من "البيبي لو موكو”(على اسم بطل فيلم من بطولة جان غابان تدور احداثه في قصبة الجزائر العاصمة) المنهكين. بعض البيض الصغار والمتقاعدين الصغار والتجارات الصغيرة. إنها منطقة حرة للفقراء، مسرب الدخول الى الجنوب الذي يبدأ ببيع السجائر بالحبة والبنزين بالقناني. وفي مداخل المدن، الأكياس البلاستيكية والأوراق الذابلة في كل المواسم تتطاير في الهواء فيتلاعب بها دوائر دوائر لتحط للحظات في الحقول والأراضي الشاسعة متعلقة بأغصان الأشجار قبل أن تحملها نسمة هواء في دورة تعرج جديدة.
في أحد احياء الرباط السكنية وفي الطابق ماتحت الأرضي، المرتب والمنعزل، من مبنى القنصلية الموريتانية، ضابط مكلف منح تأشيرات الدخول، شاب أنيق يبدو ذا شأن. يفتح المكتب أمام الجمهور صباحاً من الساعة الثامنة الى العاشرة، وكانت الساعة العاشرة الا ربعاً بحسب ساعتنا وساعة الحائط المعلقة وراء الموظف. لكنه بسلطته الاستنسابية يقرر أن الساعة حلت وان المكتب أقفل، ويدعونا بوجه ناشف الى العودة في الغد. وفيما الخادم الأسود يقدم اليه الشاي على صينية نهض الرجل ليرد على الهاتف بكثير من التهذيب لكن بلا أي احترام لمن حوله.
نسقنا فيما بيننا الخطة التي سنتبعها. فنحن إذ غادرنا "شاشوون" في "الريف" مع الفجر ووصلنا الى القنصلية مرهقين سيئي الهندام وبشيء من الوقاحة، كان يكفي أن نرتب ثيابنا وان نسوق الحديث في اتجاه موضوع آخر كي نحصل في لحظات على ما منع عنا. فالموظف لم يكن يريد قطعة النقد التي دست في الباسبور ، بل على الأرجح أراد التذكير بأن ممثل الدولة ذات السيادة، ولو كانت الأفقر في العالم، يمكنه أيضاً أن يلجأ الى الطرق الاعتباطية التي كثيراً ما يعامل بها مواطنوه المهاجرون في الدول الغربية.
وقد استفدنا من هذا الدرس لدى عبورنا الكثير من النقاط التي تزرع خطوط العبور في افريقيا، من الدرك الى الجمارك الى الشرطة، قبل كل منطقة حدودية وبعدها، لدى دخول المدن ومغادرتها وعند تقاطعات الطرق الرئيسية ومعابر الجسور وفي عبارات الانهر وعند اجتياز احد المتنزهات أو في أي ناحية، لا يهمّ أين. وهذه الطقوس هي نفسها في كل مكان، تخفيف السرعة، توقف، انتظار وحوارات طويلة مملة متواصلة حتى نسيان ما جئنا من اجله، وثائق قديمة جواز السفر وتأشيرة الدخول وبطاقة التلقيح وبطاقة العبور وبطاقة امحى حبرها، التأمين على الحياة ورخصة القيادة الدولية وملء نموذجين أو ثلاثة من بطاقة ما) قبل أن يأتي الخلاص مع الختم النهائي.
وتختلف أشكال الاستقبال، لكنها في الغالب تجري بالترحاب والفضول. ومن الدرج طلب بعض الهدايا الصغيرة ، أما البقشيش فنادراً ما يطلب لكن يجري التحايل على الأمر عبر التلاعب بالرسوم المختلقة الى حد ما. ويبقى السلب المنظم نادراً لكن يمارس بتقنية متقنة. فمثلاً في روسو، المدينة الحدودية في موريتانا على ضفاف نهرالسنغال لا يمكن الحصول على اي ختم من الأختام بدون تدخل الوسطاء من مخلّصي المعاملات النافدين الذين يتولون بنجاح جميع الاجراءات مقابل بدل يتم التفاوض عليه بصعوبة، وهو بدل ترتفع قيمته كلما اقترب موعد اغلاق المكاتب وإقلاع آخر العبارات، فيما تتعالى حدة المحادثات المملة وتتسارع الحركة وتشتد الزحمة وسط الصراخ والتعنيفات والضحك والتدافع تحت الانظار المشمئزة لسكان المنطقة النهرية. ومع ذلك فإن كل شيء يتم بدون عداوة وينتهي بدون حقد شرط الدخول في لعبة التدابير الصغيرة والاعتراف رسمياً بسيادة الدولة خصوصاً عندما تكون هذه الدولة في منتهى الضعف، فيما عملاؤها العاملون في مكاتب مرتجلة، متسلحين بالأختام وحسب، يبقون في الغالب أشهراً من دون أن يقبضوا معاشاتهم.
وعند أسفل "بيت البجع" في تلماسما بالقرب من وارزازات في المغرب، تجد رجل القرية الساذج، عجوز أدرد، سيماؤه تدل على حالة قلق غامضة، في جلابيته الوسخة ومشيته المهتزة، يحاول لفت انتباه المارة الذين يلفتهم محتوى كيس خيش يحمله بيده. وبدون وجل، تتوقف فتاتان رائعتان في عودتهما من المدرسة حاملتين محفظتيهما على ظهرهما لتنظرا بحشرية الى محتوى الكيس المفتوح نصف فتحة، تتناقشان طويلاً وهما تضحكان ثم تبتعدان تاركتين الرجل العجوز منشرحاً والبسمة على ثغره. وأخيراً يعامله احدهم معاملة الند مركزاً على كنزه الموهوم. لا بد انه تصرف أطفال!
إنه موعد زيارة ملك المغرب لمناطق الجنوب، تضاعفت حواجز المراقبة على الطرق. في مدينة العيون في الصحراء الغربية اكتسحت الشوارع المزدانة بالأعلام حشود بألوان زاهية في حالة من الغليان في انتظار محمد السادس. فبات من المستحيل اجتياز المدينة قبل ساعات. فأشاروا الينا بطريق واسعة تسمح لنا بالالتفاف حول المدينة وصولاً الى الطريق العام وراء المطار. فكان علينا تمضية ساعتين من التجوال الجحيمي تحت شمس محرقة سابحة في سحابة من رمال وغبار أصفر يحملها الهواء على شكل زوابع. مررنا أولاً وسط منازل قذرة متهدمة قبل أن ينجز بناؤها وكتل من الأعتاب الرمادية المنتثرة في أراضٍ واسعة مهجورة، ثم في منطقة شاسعة مكسوة بالحصى والخردة والقمامة، وتوزعت فيها هنا وهناك جيفة حمار او جمل. ثم منطقة انتشرت فيها اكواخ خشبية أو من الصفيح المتموج تعلو بعضها هوائيات التلفزيون وحيث يعيش شعب بائس ينهب ويستعيد ما يصلح وسط الكواسر والكلاب المتشردة بعيونها الصفراء والماعز الهزيل الذي يرعى الفضلات، وكأنها دائرة حيوانية لمعالجة النفايات المنزلية. وما وراء ذلك وعلى مساحة مئات الهكتارات غابة هائلة من الأكياس البلاستيكية معلقة على الشجيرات الجافة حيث تهنا في مسيرنا ونحن نغرق في الغبار. إنه فعلاً مدخل الجحيم، نتاج خفي من نتاجات الحداثة بالقرب من المدرج الذي هبط عليه جان مرموز وسانت اكزوبيري وطيارو شركة "آيروبوستال"، رواد العولمة في العشرينات والثلاثينات، في هذه المنطقة التي شكلت إطار الديكور لقصتي "أرض البشر" و"الأمير الصغير” Terre des hommes و Petit prince…
وفي الطرف الأقصى من الصحراء المغربية على بعد 300 كيلومتر جنوباً، داخل أرض معزولة، تفصل بين المغرب وموريتانيا، مزروعة بالألغام بطول 60 كيلومتراً يجب اجتيازها في قافلة بمواكبة سيارة عسكرية، ومع ذلك لا يندر أن تقع بعض الحوادث. ولدى وصولنا اليها كانت ألغيت منذ بضعة أسابيع عملية المواكبة وبات العبور يتم على مسؤولية كل فرد بنفسه. وإذ أخذنا علماً بالخطر وجمعنا بعض السيارات شرعنا في المهمة، ليلاً، في عملية اجتياز تطلبت سبع ساعات، كانت الطريق المعبدة مليئة بالحفر حتى ليتعذر سلوكها، وبدون أن نبتعد عنها كان علينا أن نخاطر بالسير على اطرافها حيث نغرز باستمرار في الرمال.
وقد تركنا رفاق سفرنا الذين تنقصهم الخبرة نسير في الطليعة. ومن بينهم في سيارة صغيرة كاهن ألماني مع زوجته المشرفة على وضع طفل وأبناؤه الثلاثة الذين تراوح اعمارهم ما بين السنتين والثماني سنوات. لم يكن مع الكاهن لا علبة معدات ولا عدة إصلاح أو إسعافات أولية، اللهم سوى كتاب التوراة وقد وضعه على الواجهة الداخلية للسيارة، وكان يغرز في الرمل اكثر مما يفترض به، وعند كل توقف كان الأولاد يخرجون من الباب الخلفي للسيارة ويتفرقون تحت أنظارنا المراقبة بقلق، فيما كان علينا أن ننفّس الاطارات ونحفر ونضع الألواح المعدنية تحتها وندفع ثم نسحب الألواح المطمورة في الرمل وننفخ الاطارات من جديد. لكن إزاء البالغين المتوترين المنهكي القوى كانت، بين مرة وأخرى، رؤية الأمراء الثلاثة ببيجاماتهم سعداء مبتهجين غير مبالين تحت السماء المنجمة الرائعة تزرع فينا الأمل بالخلاص.
وفيما نحن متوقفون في عمق الصحراء على بعد مئات الكيلومترات من أي تجمع سكني، عبرت، في مكان قريب منا، شاحنة صغيرة باللون الوردي الفاتح وعلى ظهرها مركب صغير. وعلى جنبها كتابات باللون الأصفر: ”محل الخطايا اللطيفة” (او بيشه مينيون) صناعة حلوى وشوكولا ومثلجات - مدينة بلوا". وإذا السراب يتحول حقيقة... وفي النهاية رأينا الشاحنة مجدداً في أحد مخيمات نواكشوط، وهي لمسافرين هولنديين مرحين لم يحضروا الى هنا لتسليم بضاعة الى زبون ناءٍ، بل أرادوا الاحتفاظ بالسيارة التي اشتروها مستعملة على حالها.
والصحراء تخبئ للمنضوين الجدد مفاجآت أخرى، فالطقس فيها هو بالأحرى اكثر برودة، ليس ليلاً فقط بل نهاراً أيضاً وحتى في فصل الربيع في هذا الجزء القريب من البحر في الصحراء الموريتانية. والمفارقة الأخرى أن الصحراء ليست دائماً صحراء. فالصحراء الغربية المغربية تجتازها طريق معبدة بطول 1500 كيلومتر تنتشر على طرفيها محطات الوقود والتجمعات السكنية، من الازنيت الى غرغارة حيث إضافة الى الطبيعة الصخرية أو الشوكية، فقط اللوحات الارشادية اللافتة الى مرور القطعان المزينة بجمل، تذكر بالبعد جداً عن منطقة الشاروليه.
اما الصحراء الرملية في موريتانيا حيث لا طرق مشقوقة، فمليئة بهياكل السيارات، التي بحسب ما يقال، بمجرد ان تترك في لحظة معينة، تفرغ من كل ادواتها في ساعات. وإذا تحققت المشاريع فإنها ستعبّد قريباً هي أيضاً، وفي انتظار ذلك يجب ان نسير بسرعة كبيرة مضطرين الى اعتماد مرشد غالي الاجر على طريق لا معالم فيه. إنه نوع من رسم المرور كما في الاوتوسترادات الكبرى، بدون أن يكون هناك طريق كبرى، بل وديان نادرة ومجار مائية لا ماء فيها.
أما الـ500 كيلومتر من الصحراء الفاصلة ما بين نوادهيبو ونواكشوط فهي نعيم بالنسبة الى غيرها. فعند مغادرة المدينة الكبرى في الشمال، يجري الالتفاف حول خليج "ليفريي"Lévriers ابتعاداً عن الساحل الأطلسي نحو الشرق على مسافة عشرات الكيلومترات قبل الانعطاف كلياً نحو الجنوب على شاطئ أرغوان Arguin الصخري. وسرعان ما يطالعنا مشهد ساحر. كثبان شاسعة من الرمل الأمغر البرتقالي تنحدر نحو الأزرق اللماع فوق صفحة البحر الراكدة. وعلى امتداد النظر تمتد، متشابكة في ما بينها، الملاّحات الملتمعة المفروشة بالأعشاب، والجزر الصغيرة بما فيها من مستنقعات واشجار المنغروف المليئة بطيور النحام والبجع الأبيض ومالك الحزين الرمادي وطير الملاعقي والنورس والغاق وخطاف البحر وزُمَّج الماء...
وعلى مساحة 12000 كيلومتر مربع على طرفي الخط العشرين الموازي لخط الاستواء يمتد الحوض الوطني على شاطئ أرغوان الصخري مشكلاً الحاضنة السمكية الضخمة حيث الطيور المهاجرة من افريقيا وأوروبا وحتى من سيبيريا. وما بعد ذلك تطول عملية الاجتياز ما بين الكثبان والبحر .وفي حالة الجزر القصوى وعلى شاطئ رملي ضيق طوله 200 كيلومتر كان علينا أن نمر بسرعة كبيرة جارين وراءنا ضباب من الرذاذ ومثيرين أمامنا سحابة من الطيور ذات اللون الأبيض اللامع. وهناك بعض قرى للصيادين تؤوي المتحدرين من سلالة المرابطين القديمة، وهم المحاربون الباسلون والمسلمون المتصوفة الذين بعد أن اكتسحوا البرابرة احتلوا المغرب ثم اسبانيا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر. اما في عصر اقرب الينا، وبالضبط في 2 تموز/يوليو عام 1816، فتحطمت فرقاطة فرنسية على صخور شاطئ أرغوان. فلم ينجُ من ركابها الـ147 الا ثلاثون جرفتهم المياه طويلاً على طوف مرتجل قبل أن ينتهي الأمر الى افتراس بعضهم البعض. وكانت الفرقاطة تحمل اسم "ميدوس"...
ومن المغرب الى غانا، يعرض لك على الدروب والطرق المشهد الحي للحياة اليومية الافريقية. بالأواني المتعددة والأصوات الطبيعية. ففي بلدان لا تملك شبكة خطوط حديدية وحيث يعجز الكثيرون عن استقلال الطائرات وحيث الأنهر قليلة ونادراً ما تصلح للملاحة، يجري كل شيء عبر بعض محاور الطرق التي تصل ما بين المدن والمناطق.، فالمشهد مضمون ومتجدد باستمرار. فمن الفجر وحتى غياب الشمس، وحتى بعد ذلك بوقت طويل الكل يسافر عليها ببطء مع الكثير من التوقف غير المرغوب دائماً، وفي مجموعة متكاملة من السيارات المستعملة.
شاحنات قديمة الطراز تتمايل وهي تزحف منحرفة على دواليب حفيت إطاراتها تنفث وراءها دخان الوقود أو تثير سحابات من الغبار، وقد حملت أكثر من طاقتها وعلى ارتفاع أعلى بكثير من الحد المسموح بجميع انواع البضائع ويمكن أن تنقلب في أي لحظة عند أي منعطف أو اهتزاز، ويعتليها في الغالب ركاب هم انفسهم يرتبكون ببالاتهم وأكياسهم ودراجاتهم وحتى بالماعز الذي يجب ان يرفع الى أعلى. ونقل مشترك من مختلف الاشكال من باصات المدن الى تاكسيات الادغال مروراً بكل ما يمكن أن يشكل "خيمة"، الشاحنات والشاحنات الصغيرة وسيارات ”البيك آب” المجهزة للمسافرين بصفائح معدنية مثقوبة على الجوانب على شكل مربعات او دوائر للتهوئة، وبمقاعد بسيطة في داخلها وبأبواب ودرجات في الخلف وعلى الجوانب حيث يتعلق الذين لم يتمكنوا من دخول العربة، وعلى سطحها حمالة الأمتعة تضيق بالأغراض، وعلى الجوانب حافة لتعليق الدجاج وديوك الحبش. والمشترك في ما بينها كلها هو أنها تراكم من المسافرين والحمولات أكثر بكثير مما تتحمل، ومظهرها الشبيه بالسيارات العتيقة من زمن لويس فيليب.
وتختلط بها سائرة على مهل العربات تجرها الحمير أو الأيادي، والدراجات، العادية منها والنارية، وعليها رجال ونساء وأطفال يجهدون للحفاظ على توازنهم، أو قفف الدواجن أو سلال الخضر ولفات الأقمشة والطاولات والافران وماكينات الخياطة... في صحبة قطعان البقر والماعز والجمال التي تحيق بالدرب او بالطريق وتجتازها بشكل مفاجئ لتقف عليها لحظة ما. وفي كل مكان ومن الصباح الى المساء اناس يمشون ويمشون ويمشون على غير عجل وعلى بعد كيلومترات من أول قرية. وهم من كل الأعمار جماعات صغيرة يتحدثون، يمسكون أيدي بعضهم البعض او يتكاتفون، وفي الغالب يحملون أغراضاً ثقيلة وخصوصاً النساء اللواتي يقمن بدور النقل الأكثر رواجاً فيحملن على رؤوسهن في وعاء بلاستيكي ملون الماء أو الخشب او الفحم او الحبوب أو الفاكهة او الخضر او الأقمشة أو الخردوات ...
وفي القرى التي يتم الوصول اليها تتوافر الفرصة لتوقف طويل، وعلى حافة الطرق تصطف عشرات الحوانيت الصغيرة، للخردوات والسمانة والحلاقة و المجوهرات والميكانيكيين الحدادين ومقاهي الانترنت.وحولها الباعة المتجولون يبيعون المانغا والموز والأناناس والليمون والبابايي والسندويش والفطائر والمشاوي والسمك المجفف وصحون الطعام الجاهز والدخان وبطاقات تعبئة التلفونات... والكل معروض بطريقة فنية في فتنة من الألوان والروائح والحيوية التي تمتد حتى ساعات متأخرة ليلاً حين على ضوء النار المجمرة تحتسى القهوة المذوبة او الكريما بالبودرة، وهو خليط يعدّ في طاسة بلاستيكية ويقدم بحركة مسرحية مثل خادم البار في الفنادق الكبيرة. وفي الصباح، ومن نقطة الى أخرى تتوقف مجموعات صغيرة لتجلس تحت ظل شجرة وسط أكداس من الحزم التي لم تربط جيداً والأكياس الغريبة في انتظار لا نهاية له لكن من دون فقدان الصبر، ينتظرون توقفاً محتملاً لباص جانح قد لا يتوقف أو لتاكسي جماعي محمّل فوق طاقته. "متى سيمر؟ طبعاً اليوم، نعم ولكن في أي ساعة، ليس لديّ علم بالوعد لكن لديّ متسع من الوقت." فهنا ليس الوقت سلعة مسعرة. فبعد ساعات على غياب الشمس لا يأتي هبوط الظلام بأي برودة ويبقى هواء المساء حاراً في سينوالي القرية الصغيرة من الساحل في الشمال الغربي لمالي ما بين كايس ونيورو بالقرب من الصحراء الموريتانية، في قلب ما شكل اول مملكة في غانا التي ازدهرت خلال ما يقارب الألف عام بالاتجار عبر الصحراء بالذهب والملح والعبيد. وفي ضيافة عائلة رعاة من "البويل"، جلسنا متربعين نحتسي الشاي الساخن تحت سقيفة من اغصان الشجر في فناء الدار ذي الأرض المطينة ما بين بلاط الاجر، على أنغام غناء الصرصار الملحاح. كنا قد نقلنا بالسيارة معنا حفيداً لهم، شاب يتعلم مهنة الحدادة، استوقفنا عند الغسق وعرف كيف يرشدنا في الظلام الى الطريق الصحيحة من قرية الى قرية. كنا قد امضينا نهارا مهولاً، ونحن نسير ساعات على دروب محفرة وطرق من الصفيح المتموج تقطعها الوديان وسحابات الغبار في طبيعة تتضاءل أشجارها تسود فيها أشجار الباوباب الخبيثة بجذوعها المتضخمة وأغصانها التي تبدو مقطوعة مثل الجذل. كانت الحرارة الخارجية قد تجاوزت الـ45 درجة وحرارة مشروباتنا المنعشة تجاوزت حرارة ماء الاستحمام الساخن جداً.
استعدنا الهدوء وبقينا صامتين في العتمة تلتمع أعيننا فقط أمام الجمر في الموقد الذي تهتم به امرأة جميلة وأنيقة تراقب قدر الأرز بلحم عنق خروف. بالقرب منها فتاة صغيرة علقت بضفائر شعرها حبات مثل اللؤلؤ بلون فستانها الخفيف وهي تحدق فينا. وقد تميزت بتلك الحركة الظريفة والمؤثرة لدى الفتيات الافريقيات، تضع يدها وراء ظهرها حتى لتبدو كغصن رفيع معلق، فيما اليد الأخرى تدلت على طول جسمها حيث بطنها يبرز قليلاً الى الأمام. وما من غرض حولنا لا فائدة منه، إنها البساطة المطمئنة، بعض الحصائر والأرائك وثلاثة أكواب من الشاي تملأ باستمرار وتوزع بحسب الطقوس القائمة مع إعطاء حق الصدارة بشكل مضبوط لرب العائلة، وطشت مزخرف حيث يغرف كل واحد بأصابعه القليل من الأرز واللحم.
والى أفراد العائلة انضم الجيران الذين جاؤوا لرؤية "التوباب" (الاجانب) والمشاركة في الثرثرة. من بينهم واحد فقط يتكلم الفرنسية قليلاً فكان عليه أن يترجم وامتدت السهرة. الأكبر سناً بينهم، الذي لم يستطع للمرة الاولى في حياته أن يرافق قطيعه الى مراتعه الموسمية، لم يكن يقتنع لماذا أتيت من هذه الأماكن البعيدة. فشعب "البويل" هم من كبار الرحالة لكن لا سفر من دون دواعٍ، وهو لم يتمكن من فهم طبيعة رحلاتي، وقد ظل مشككاً فيها. والحديث بما فيه من رفق ومجاملة وإثارة وبهجة تقطعه فترات صمت تأملية، كشف لنا شيئاً فشيئاً متعة الالتقاء معاً، فيما بدأ الليل في النهاية يحمل الينا برودته المنعشة.
وأبناء “البويل” يتكلمون في ما بينهم وبرقة زائدة لغة فاتنة شنّفت آذاننا. إنها فعلاً لحظة سعادة، من تلك اللحظات التي يمكن المشاركة فيها في لقاءات الصدفة، وهي لحظات هاربة لأن التعاسة لا تكون أبداً بعيدة. فبعد ان نامت الفتاة الصغيرة علمنا أنها الصديقة الفضلى لإحدى بنات العائلة التي قضت قبل أسابيع بمرض الملاريا، وهو من الأمراض الأولى المعدية في العالم يقتل سنوياً مئات الآلاف من الفتية. ومنذ زمن طويل لم تعد مصانع الأدوية الكبرى توليه اهتمامها، باسم حسن إدارة الشركات. فأسواق أطفال افريقيا الفقراء ليست مربحة الى درجة لتوظيف الأرباح في المقابل في استثمارات صناديق التعويضات لمتقاعدي الشمال، العجزة والأغنياء، الذين يخدمونهم. والجشع المتفلت نفسه يحكم بالموت على ضحايا السيدا الذي يجتاح القارة بدون أي علاج آخر سوى الحملات الاعلامية المستمرة.
فعلى أطراف الطرق في مالي التي نظمت مؤخراً بطولة افريقيا في كرة القدم، ترى لوحات كبيرة فيها ثلاثة لاعبين يقيمون السد قدام حارس مرماهم وقد شبكوا أيديهم عند أسفل بطنهم، وعلى ذلك تعليق مكتوب: “ليست هذه الطريقة الفضلى للوقاية، استعمل الواقي”. وفي فندق صغير في بوب-ديو-لاسو في بوركينا نجد هذا الاعلان المحيّر: "نرجو نزلاءنا الاحباء أن يودعوا ما معهم من واقٍ في مكتب الاستقبال قبل مغادرة المؤسسة"
وفي زقاق في أحد الأحياء الشعبية من لومي في توغو، وفي مكان غير بعيد من السوق، كتلة متراصة من الصغار والبالغين تتمتع ببرودة المساء وهي تشاهد التلفزيون الموضوع وسط الجادة. وفد بدا الاستغراب والحنو على وجوه الجميع. ففي برنامج على القناة الفرنكوفونية عرض لشريط وثائقي حول المشاكل المؤلمة والعلاجات المكلفة للمراهقين السويسريين المصابين بمرض السمنة. إنه فعلاً استخفاف واستهزاء، فقد مرت ثلاثة عقود على معاهدة لورني الأولى التي حاولت أن تقيم بين الشمال والجنوب علاقات أقل ظلماً، وقد علقت المساعدات لتوغو منذ سنوات مما اغرق البلاد في حالة الانهيار الاقتصادي. هكذا يعاقب الشعب بتهمة أنه فرض عليه نظام ديكتاتوري أقيم وتوفر له الدعم على مدى ثلاثين عاماً.
الحياة صعبة في لومي، كما في معظم المدن والقرى التي مررنا بها. فالفقر يبقى قدر العدد الأكبر، بدليل انهيار الخدمات العامة وانقطاع المياه والكهرباء. ويحتاج الأمر خيالاً غنياً وبراعة في تدبر الأمور يومياً لتأمين وجبة واحدة على الأقل مع متوسط دخل يبلغ أقل من دولار. فاذا كان مستوى كلفة المعيشة أقل بمرتين أو ثلاث من فرنسا، فإن الحد الدنى أو معاش موظف كادر هو أدنى بعشرين مرة. وقلة هم الذين يستفيدون من معاش كهذا، وأقل هم الذين يقبضونه بانتظام.
ومع ذلك وبالرغم من كل ما تلقاه فإن افرقيا هي الحياة، هي المعطاء، الحيوية، المجنحة الخيال، المتباهية العجيبة. فعندما تكون غالبية السكان في ما دون العشرين من العمر فإن الشباب هو الذي ينتصر ويطبع العلاقات الاجتماعية بقوته الحيوية التي يمكن تلمسها في كل مكان وتمنحها هذه الضيافة الطبيعية وكأنها مزيج من الحماسة وعدم الاكتراث. اما العجزة وهم الأقل فإنهم لا يدومون طويلاً على هذه الحال. وعند العودة الى فرنسا وفي صمت الرفاهية فإن ما يؤلمنا هو هواجس الأمن والعداء للغرباء في أوساط شعب يشيخ الذين يخافون من أبنائها.
وإذا كانت افريقيا هي الحياة، فالحياة هي الموسيقى وهي في آن واحد من ممارسات طقسية وحاجة جسدية، الموسيقى والرقص متلازمان وموجودان في كل مكان، في الشوارع والساحات الصغيرة والأسواق والحدائق و"الأدغال"، وفي كل مكان. الاطفال يتعلمونهما على ظهور أمهاتهم حتى قبل ان يتعلموا