داخل مختبرات الكذب في فنزويلا
موريس
لوموان
MAURICE LEMOINE
"أصبح بين أيدينا سلاح رئيسي، إنها وسائل الاعلام، وبما أن الفرصة سانحة يهمني ان أهنئكم." لم يكن الليل قد انتصف في كاراكاس، في 11 نيسان/ابريل من العام 2002، والذي انتهى بعد ساعات بإطاحة رئيس فنزويلا هوغو شافيز، حين كان اللواء البحري فيكتور راميريز بيريز يهنئ الصحافية إيبييز باتيكو مباشرة على شاشة قناة "فينيفيجن". وقبل عشرين دقيقة، وفي مقدمة لقائها مع كبار الضباط الانقلابيين الجالسين في مواجهتها، لم تتمالك هذه الصحافية من أن تعترف، في جو من التآمر الشديد، بأنها كانت تقيم منذ زمن بعيد روابط مميزة معهم. وفي التوقيت نفسه تقريباً كانت إحدى نجمات الصحافة أيضاً، باتريسيا باليو، تعلن، حين سئلت في اتصال مباشر معها من مدريد، من قناة تي.في.أو. TVE الاسبانية، وقد بدت في شكل مستغرب وكأنها مطلعة على ما ستؤول اليه هذه "الاحداث المفاجئة: "أعتقد أن الرئيس العتيد سيكون السيد بيدرو كارمونا". وفي الوقت نفسه، كان رئيس الدولة الفعلي، السيد هوغو شافيز، المعتصم بالقصر الرئاسي، لا يزال يرفض أن يقدم استقالته.
فمنذ وصول هذا الرئيس الى السلطة في العام 1998، حلت القنوات التلفزيونية الخاصة الخمس الرئيسة في البلاد: فينيفيجن، راديو كاراكاس تليفيجن، غلوبوفيجن، تيليفن، و سي.أم.تي. وتسع من كبريات الصحف الوطنية: يونيفرسال، ال ناسيونال، تال كوال، الإمبولسو النويفو باييس، الموندو الخ_ محلّ الاحزاب السياسية التقليدية التي اضمحل دورها مع الانتصارات الانتخابية التي حققها الرئيس. ولأنها تحصنت باحتكارها الاعلام، فقد دعمت جميع الفاعليات المعارضة، ولم تنقل الا نادراً التصريحات الحكومية ولم تتحدث قط عن الغالبية الواسعة التي أثبتت نفسها أساساً عبر الانتخابات. وعلى الدوام اعتبرت الاحياء الشعبية "خطوطاً حمراء" تسكنها "طبقات خطيرة"، و"جهلة" و"جانحون"، وقد تجاهلت، بازدراء، الزعماء الشعبيين والمنظمات، ربما لأنها لم تجد انهم يصلحون كثيراً للتصوير.
وكانت التحقيقات والمقابلات والتقارير والتعليقات تذهب دائما في الاتجاه نفسه ووراء الهدف نفسه وهو خلع الشرعية عن السلطة القائمة وضرب التأييد الشعبي للرئيس. "إن هذه الحكومة الثورية هي من الناحية الجمالية قاذورة". هذا ما ورد، بكل أناقة لفظية (في 22 آذار/مارس 2001) في صحيفة "تال كوال" المسائية التي يشارك مديرها تيودورو بتكوف في هذه المعارضة الحانقة (مقاتل سابق في الميليشيات الماركسية، وقد أصبح مهووساً بالنيوليبيرالية وهو وزير سابق للخصخصة في عهد الرئيس اليميني رافاييل كالديرا). ليس أن الحكومة المقصودة غير قابلة للانتقاد، فهي ترتكب الأخطاء وهناك الكثير من القضايا التي تلوث سمعة بعض الموظفين الذين يدورون في فلكها من مدنيين وعسكريين. لكن بغض النظر عن أنها انتخبت ديموقراطياً ولا تزال تحظى بتأييد غالبية الشعب، فإن في سجلها، سواء على الصعيد الوطني ام الدولي، عدداً كبير من النجاحات [1] .
انعدام ثقة، اتهامات باطلة وتجريح بكرامة الأشخاص المرتبطين بالحكومة أو من مؤيديها... لا توفر أي وسيلة من أجل تشويه صورة الرئيس. والدليل على ذلك هو الفضيحة التي وقعت في كاراكاس في أوائل آذار/مارس حين نشرت مقابلة مزيفة مع إينياسيو رامونيه. ففي حديث يبدو أن من أجراه هو المدعو إيميليانو باياريس غوزمان، باحث مكسيكي في جامعة برينستون (في الولايات المتحدة) مجهول كلياً، انتقد مدير "لو موند ديبلوماتيك" بقوة رئيس الدولة الفنزويلي: "إن الرئيس شافيز ينقصه العنصر الفكري المحترم، وهذا ما يسبب انحراف مركبه على الدوام. فعندما ربح الانتخابات بدا لي أن شيئاً ما مهماً سوف يتحقق فعلاً، لكن (...) النزعة الشعبوية غلبت عليه كما يحدث غالباً في هذه الحالات. اطلعت على أشرطة فيديو يغنّي فيها البوليرو سانتياغيروس شارحاً فيها برنامجه الاقتصادي، كما لو أن عنده برنامجاً. وأنا اعتقد أن هذه الوقائع، سواء أكانت حدثت أم هي ممكنة الحدوث، لا تسمح لي باعطاء رأيي في هذه الشخصية".
وإذ نشرت المقابلة فوراً بواسطة الانترنت بدون اي رقابة، من على شبكة "فنزويلا انالاتيكا"، سارعت صحيفة "إل ناسيونال" الى تلقفها على صفحتها الأولى بدون أن تتحقق لدى صاحب المقابلة المزعوم، مؤكدة أن ما يهمه هو أن ينشر خبراً يصوّر عزلة رئيس البلاد المتزايدة على الصعيد الدولي. وعندما نفى إينياسيو رامونيه أنه صرح بهذا الكلام المنسوب اليه، هاجمت "إل ناسيونال" بشدة المضلل المكسيكي [2] وبمزيد من المكر لم تقدم حتى اعتذاراً اليه، أي الى مدير صحيفة "لوموند ديبلوماتيك".
وتتكاثر "المعلومات" في تدفق مستمر من دون أن تخلو من عبثية أو سوريالية، فنسمع ان "مصادر في دوائر الاستخبارات كشفت أن اتفاقات عقدت مع عناصر من "حزب الله" في مارغاريتا (الجزيرة الفنزويلية)، وهم يأتمرون من السفارة الايرانية. ويمكن التذكّر بأنه كان هناك أثناء حملة الرئيس شافيز رجل يدعى مقداد وكان كريماً جداً مع الرئيس الحالي، وهذا يستحق الشكر، وأن إيران ستجعل من فنزويلا قاعدة لعملياتها مقابل تدريب بعض الفنزويليين في المنظمات الايرانية الخاصة بالدفاع عن الثورة الاسلامية. فها هو الارهاب بين ظهرانينا" [3] .
وفي 21 آذار/مارس صدرت صحيفة "إل ناسيونال" تحت عنوان: "لقد ارتضى هوغو شافيز ان يكون رئيساً لشبكة من الجانحين". وفي اليوم التالي تحدثت صحيفة "تال كوال" عن "التقيوء المقرف الذي أثاره الكلام الغضوب الذي اعتبر انه يخيف البلاد بواسطته". فالرئيس "البوليفاري"، الذي يشتم ويقارن بفوجيموري أو بعيدي أمين دادا أو موسوليني او هتلر، وينعت بالفاشي أو الديكتاتور أو الطاغية، يتعرض لهجومات لو وقعت في أي بلد آخر لاستدعت تقديم شكوى شرعية ضد التعرض لرئيس الدولة. وفي آذار/مارس الفائت، صرحت وزيرة التجارة أدينا باستيداس بشيء من الغضب: "هناك تهجمات مستمرة وغير محترمة، يتهمونني بأنني أموّل زرع القنابل في الشوارع، ولا أستطيع الدفاع عن نفسي، فاذا ما هاجمناهم سيشكون أمرهم الى الولايات المتحدة!".
أما السيد شافيز فلا يعدم وسيلة الكلام، فهو يرد على هذا القصف الاعلامي بكلام غير مألوف أحياناً وخصوصاً في برنامجه الأسبوعي "آلو بريزيدانتي" (آلو، فخامة الرئيس) على شاشة المحطة التلفزيونية الوحيدة التي تملكها الدولة. لكن بمعزل عن هذه الحدة الكلامية، وفي نظام ليس من الديكتاتورية في شيء، لا تجري أي ملاحقات في شأن هذه المهاترات من أجل السيطرة على الاعلام. فمنذ وصوله الى السلطة لم يُسجن صحافي واحد ولم تُغلق أي وسيلة اعلامية على يد الحكومة التي تتهم مع ذلك "بضرب حرية الاعلام" و"بمهاجمة القائمين بالاتصالات الاجتماعية".
في 7 كانون الثاني/يناير عام 2002، احتل نحو مئة من مناصري الرئيس مقر صحيفة "إل ناسيونال" لمدة ساعات وهم يطلقون شعارات معادية هاتفين :"قولوا الحقيقة!" وخردقوا واجهة المبنى بالرصاص. بعدها استنتج السيد كارلوس كوريا، المنسق العام لمنظمة الدفاع عن حقوق الانسان "بروفيا" [4] قائلاً: "يلاحظ عملياً تزايد حوادث التعرض للصحافيين ونوعٌ من تجريم هؤلاء. وقد تعرض بعضهم شخصياً للاعتداء. فحتى وإن لم يسقط قتلى يبقى الأمر خطيراً. غير أن مالكي وسائل الاعلام اتخذوا مواقف سياسية ضد شافيز، وما يحصل- ولا نعرف من البادئ، الدجاجة أم البيضة- هو مواجهة لا يمكن في خضمها البحث عقلانياً في مشكلات البلاد. لكن أن يقال الآن انه ليس هناك حرية تعبير في فنزويلا فهذا أمر مبالغ فيه".
ويقول الراهب اليسوعي فرنسيسكو جوزي فيرتويوزو بشيء من الأسى: "تقرأ الأخبار وتشاهد نشرة أنباء التلفزيون فينتابك شعور بأن البلاد تعيش مواجهات صاخبة. وهذا بالطبع يزيد من أجواء التوتر". وبما ان الحرب قائمة، ولأن الغالبية الشعبية تعتبر نفسها الضحية المعنية فإنها تصمد، وهي لم تعد تتحمل بعض الصحافيين الذين يعتقدون أنفسهم فوق الشيطان والله، ولا هذا التعامل في مجال الاعلام الاحادي الجانب والمناقض للديموقراطية.
وتتضاعف الاحداث، وقد اتخذت شكل المواجهة حين عمدت وكالة الأنباء الرسمية "فانبرس" الى نعت ثلاث شخصيات من الوسط الاعلامي بـ"تجار الصحافة". وفي 19 آذار/مارس قرر الصحافيون الثلاثة المتهمون، إيبييزي باتشيكو(مديرة "آزي إس لا نوتيسيا"، والعضوة في مجموعة "إل ناسيونال")، وباتريسيا بوليو ومقدّم البرامج التلفزيونية جوزي دومينغو بلانكو (غلوبوفيجن)، التصعيد الى اقصى درجة في موضوع هذه الاتهامات، فبعدما استنكروا هذا "الاضطهاد" الذي تعرضوا له تحت أضواء الكاميرات والفلاشات لجميع وسائل الاعلام التي دعيت الى السفارة الأميركية، سافروا الى واشنطن حيث استقبلوا استقبال الابطال! هذا المقال الموقع من المدعو ج. فالفردي [5] ، والذي استنكره علناً الرئيس شافيز ودانه وزير الدفاع جوزي فيسانتي رانغل، ادى الى معاقبة مدير وكالة "فامبرس"، السيد أوسكار نافاس، واستقالته. لكن هذا لم يمنع من قيام حملة شعواء في فنزويلا وفي الخارج ضد الحكومة متهمةً إياها بمحاولة "إسكات وسائل الاعلام".
ففي مواجهة انصار السلطة او في ما يتعلق بها، كانت وسائل الاعلام بارعة في في استخدام استراتيجيا التنبؤ المتحققة من ذاتها. فهي إذ رفعت الصوت منددة بالتعرض للحرية ــ في حين أن هذه الحرية لم تكن مهددة بشيء ــ معتمدةً الكذب والتزوير، نجحت في إثارة ردات الفعل دافعة أحياناً ضحاياها الى الوقوع في الخطأ، وهذا الخطأ يقدَّم في ما بعد على أنه سبب (وليس النتيجة) علاقاتها الصعبة بالسلطة وبشريحة واسعة من الشعب.
كيف لا يدان الاعتداء على الفرق التلفزيونية أو على الصحافيين من جانب مناصري الرئيس شافيز؟ لكن كيف يمكن هؤلاء أن يتقبلوا وصفهم على مدى السنوات واعمدة الصحف بـ"طالبان" و"الفوضويين" و"المجرمين"؟ وكيف لا يكون استياء من أن يُنعت بعض المحترفين بـ"تجار الصحافة"، حتى وإن كانوا عدائيين الى حدّ لا يوصف ويتماهون كلياً مع الأوليغارشية؟ لكن لماذا العجب من هذا الانحراف في حين ان هؤلاء المحترفين انفسهم ضاعفوا الاتهامات الباطلة والفارغة في حق الرئيس وقد قدموه بانتظام على أنه متواطئ مع "تجار المخدرات الميليشيويين" الكولومبيين؟
فوسائل الاعلام الكبرى، ووراءها المحرّكون الرئيسيون من كبار رجال السلطة ونجومها، تنقل أخبار العاملين الأُخَر على عدم الاستقرار، من منظمة أرباب العمل برئاسة السيد بيدرو كارمونا (فيديكاماراس)، الى اتحاد العمال الفنزويليون برئاسة السيد كارلوس أورتيغا، الى العسكريين المنشقين الى التكنوقراط من شركة البترول الوطنية الى بعض الموظفين الاميركيين السريين [6] . وإذ اتحدت تحت لواء كتلة الصحافة الفنزويلية، فإن وسائل الاعلام خلعت قناعها كلياً، منتقلةً من دور المراقب الى دور المبادر، حين شاركت في الاضراب العام الأول في 10 كانون الأول/ديسمبر عام 2001.
فإضافة الى "الآراء الحرة" المكتوبة، من مثل "لقد آن الأوان لتغيير الحكومة، بل لاسقاطها" [7] ، تأتي المناورات المشبوهة على الشاشات الصغيرة وفي الاذاعات. ففي 5 نيسان/أبريل كان اثنان من العرابين يعلقان على طريقتهما على اضراب لبعض محطات البنزين مرتبط بالنزاع مع شركة النفط الفنزويلية الوطنية: "هل فكرت في ملء خزان سيارتك؟ هولالالا، أسرع، فغداً لن يكون هناك اي نقطة بنزين في مختلف أرجاء البلاد!". وفي حضهما أصحاب السيارات على الاسراع الى المحطات المفتوحة، التي سرعان ما ضاقت بالسيارات، أثارا حالة من الفوضى المفتعلة في حين أن التزام الاضراب كان جزئياً جداً ولم يتوقف قط تزويد المحطات الوقود...
وفي 7 نيسان/ابريل، عندما أعلن السيدان اورتيغا وكارمونا إطلاق الاضراب العام، تكلم السيد ميغال أنريكي اوتيرو، مدير صحيفة "إل ناسيونال"، الجالس الى جانبهما، باسم وسائل الاعلام قائلاً: "نحن جميعاً معنيون بهذا النضال دفاعاً عن حق الاعلام"! وبعد يومين، قررت كتلة الصحافة الفنزويلية مساندة الاضراب، وذلك بعدما كانت قد استقبلت قبل قليل سفير الولايات المتحدة الجديد السيد شارلز شابيرو. وإثر ذلك راحت المحطات التلفزيونية تبث الأخبار على مدى الساعات ومباشرة من مقر شركة البترول الوطنية-شوياو الذي اتخذت منه المعارضة مركزاً لتجمع المتظاهرين المؤيدين لها.
وفي 10 نيسان/أبريل أطلقت صحيفة "إل ناسيونال" نداء : "لننزل الى الشارع!" (في مقالة افتتاحية غير موقعة). وقامت محطة غلوبوفيجن بنشر لوحات دعائية على شاشاتها "ما من خطوة الى الوراء!". وأيدت محطة أخرى: "فلنشارك جميعنا في المسيرة، لننزل كلنا الى الشارع يوم الخميس في الحادي عشر عند الساعة العاشرة صباحاً/ احمل معك علماً/ من اجل الحرية والديموقراطية/ فنزويلا لن تستسلم/ ولن يهزمنا أحد/". وقد باتت الدعوة الى إطاحة رئيس الدولة بديهية الى درجة أن الحكومة، في 9 و10 نيسان/أبريل، طبقت المادة 192 من قانون البث التلفزيوني، فصادرت اكثر من ثلاثين مرة (على مجمل التلفزيونات والإذاعات) البث، لمدد تراوح بين 15 و20 دقيقة، كي تتمكن من إيصال موقفها، لكن المحطات التفّت على هذا الإجراء وقسمت شاشاتها قسمين واستمرت في الدعوة الى التمرد.
في 11 نيسان/أبريل، جاءت التتمة المدوخة تكمل المعركة الاعلامية عبر المؤتمرات الصحافية للعسكريين والمدنيين مطالبةً باستقالة الرئيس. فمن على تلفزيون RC TV دعا السيد أورتيغا المعارضة الى السير الى قصر ميرافلورس (القصر الرئاسي)، وحوالى الساعة الرابعة بعد الظهر عندما انكشفت المؤامرة بكل أبعادها صدر الأمر عن السلطة بقطع الرموز الهرتزية للقنوات الخاصة. فغابت صور محطات غلوبوفيجن وسي.أم.تي. وتيليفن لدقائق معدودة عن الشاشات قبل أن تعاود بثها عبر الاقمار الصناعية أو الكوابل. وعلى الشاشات جميعاً تمّ بثّ مشهد مجتزأ، رُكّب تركيباً، يظهر فيه المعترضون على المتظاهرين وهم يطلقون النار على "حشود المتظاهرين السلميين" (وهم لم يكونوا في المكان الظاهر في المشهد!)، مما سيسمح بتحميل مسؤولية سقوط الضحايا في ذلك اليوم المشؤوم للدوائر البوليفارية، وهي منظمة اجتماعية من محازبي الرئيس.
في تلك الأثناء كان المتآمرون، ومنهم السيد كارمونا، مجتمعين في مباني ... فينيفيزون، وظلوا فيها حتى الساعة الثانية صباحاً يحضرون لـ"الخطوات التالية"، برفقة السيد رافاييل بوليو( صاحب صحيفة "إل نويفو باييس") والسيد غوستافو سيسنيروس، الرجل الاساسي في الانقلاب. وهذا الأخير، مليونير كبير من اصل كوبي، يملك محطة فينيفيجن ويدير أمبراطورية اعلامية على مستوى عالمي - أورغانيزيوني دييغو سيسنيروس- موجودة في 39 دولة عبر 70 شركة [8] ، وتربطه علاقة صداقة وثيقة بالسيد جورج بوش (الأب). وإذا كانا يلعبان الغولف معاً وإذا كان الرئيس الأميركي السابق قد امضى عطلة أسبوع في مزرعته في فنزويلا، فإن الرجلين يتمنيان بكل حماسة (مع آخرين) خصخصة شركة البترول الفنزويلية الوطنية [9] . ويقر السيد اوتو ريتش، الوزير الأميركي لشؤون العلاقات بين الدول الأميركية، بأنه "تكلم مرتين أو ثلاثاً" مع السيد سيسنيروس في تلك الليلة [10] .
وفي الرابعة صباحاً (في 12 نيسان/أبريل) وتفادياً لحمّام دم، سلّم الرئيس شافيز نفسه لينقل الى جزيرة أورشيلا البعيدة. وبدون ان تقدم نصاً موقعاً منه، وبدون تسجيل يسمح بتأكيد الخبر، راحت وسائل الاعلام، تعلن بصوت واحد "استقالته". فأعلن السيد كارمونا، كبير ارباب العمل، نفسه رئيساً، وحل جميع السلطات القائمة، الشرعية والديموقراطية. ومنذ العشية حتى الساعة العاشرة مساء، كانت وسيلة الاعلام الأولى التي توقفت عن البث ، بالاكراه والاجبار، منذ وصوله الى السلطة، هي محطة الدولة "فينيزولانا دوتيليفيزيون"، وهي الوسيلة الاعلامية الوحيدة التي تمتلكها الدولة [11] . ولم يستنكر احد هذا الاعتداء الأول على حرية التعبير عن الرأي.
وقد احتفلت وسائل الاعلام بهذا الانقلاب (لكنها امتنعت عن أي استخدام لهذه العبارة) بحماسة لم تخفِها. ولذلك أسباب. فمقدّم البرامج نابوليون برافو، ولدى استقباله على محطة "فينيفيجن" في الساعة السابعة الا ربعاً صباحاً، الأميرال كارلوس مولينا تامايو والسيد فيكتور مانويل غارسيا، مدير مؤسسة الاحصاء "سيكا"، راح يتبجح بأنه قدم منزله الشخصي، قبل ايام، لتسجيل النداء الى التمرد الذي وجهه الجنرال غونزاليس غزنزاليس. ومن جهته تحدث السيد غارسيا عن دوره في مركز عمليات العسكريين المتمردين، في فورت تيونا: "في لحظة معينة افتقدنا الاتصالات وعليّ أن أشكر وسائل الاعلام على تضامنها وعلى كل عون قدمته الينا من أجل تأمين هذه الاتصالات بالخارج ولإعطاء التوجيهات التي كان يمليها علينا الجنرال غونزاليس غونزاليس".
وصدرت "إل يونيفرسال" بعنوان يحتفي بالنصر: "إنها خطوة الى الأمام". ومع غيره تعهد الصحافي رافاييل بوليو الذي دوّن محضر الجلسة الأولى لـ"القيادة العليا " golpiste بأن يضع نص القانون التأسيسي للحكومة الجديدة (وبعد الظهر منح "الرئيس" ابنة هذا الأخير باتريسيا بوليو وظيفة مدير المكتب المركزي للاعلام). والقرار، الذي نص على إقامة ديكتاتورية، وصدّق عليه أرباب العمل والكنيسة وممثلون عن "مجتمع مدني" مزعوم، حظي أيضاً بمصادقة السيد ميغال أنجيل مارتينيز باسم وسائل الاعلام. وقد تلاه السيد دانيال روميرو، السكرتير الخاص للرئيس الاشتراكي الديموقراطي السابق كارلوس اندريس بيريز و... الذي يتقاضى راتبه من مجموعة سيسنيروس.
وفي نشوة الانتقام انهالت عملية القمع، ومن المشاهد الرهيبة توقيف وزير الداخلية السيد رامون رودريغز شاسان، أو النائب طارق وليم صعب، اللذين أذلاّ وضُربا على يد حشد ثائر نزل الى الشارع من الأحياء الراقية. وأطلقت محطة RCTV "عملية مطاردة للرجال" بنشرها قائمة بأسماء الشخصيات المطلوبين أكثر من غيرهم، وأعادت مباشرة بث أعمال التفتيش الأكثر وحشية بإيقاع لاهث على طريقة النشرات الأميركية. وبالعكس، فقد قُطع في شكل مفاجئ، المؤتمر الصحافي للنائب العام في الجمهورية، السيد إيساياس رودريغز، الذي كان ينقل مباشرة على جميع المحطات، وذلك عندما تحدث عن تجاوزات "الحكومة الموقتة" واستنكر "العملية الانقلابية".
في 13 نيسان/أبريل تدفقت أمواج مؤيدي السيد شافيز وتمكن الضباط الشرعيون من إعادة السيطرة على الوضع. الا أن الفنزويليين ما كانوا يتلقون الأنباء الا عبر محطة سي.أن.أن. بالاسبانية، والتي يتم التقاطها عبر الكوابل، ومواقع الانترنت التابعة لصحيفة "إل باييس" في مدريد ومن محطة بي.بي.سي. في لندن. وحوالى الثانية بعد الظهر، وبعدما أذاعت محطة "سي.أن.أن." خبر تمرد الكتيبة 42 من المظليين في ماراكاي، تعجبت كيف أن "وسائل الاعلام المحلية لا تذكر شيئاً". فعملياً حلّ قانون التكتم محل "حرية الاعلام" التي طالما نودي بها عالياً... فاحتلت الشاشات أفلام العنف ووصفات الطبخ ، والمسلسلات التلفزيونية، والرسوم المتحركة ومباريات البايسبول في البطولات الأميركية الكبرى. فقط محطة RCTV كانت تقطع برامجها لتبث الفقرة التي أعلن فيها الجنرال لوكاس رينكون "استقالة" الرئيس شافيز.
وما عدا آلاف الاتصالات على الانترنت والمخابرات التي مُرّرت عبر الهواتف المحمولة، لم يكن في الامكان خرق هذا التعتيم في وسائل الاعلام البديلة، فنبتت في الأحياء الشعبية مجالات واسعة في اوساط المواطنين للاتصال والاعلام من صحف وتلفزيونات وإذاعات شعبية. لكن بسبب تجربتها المتواضعة كانت هذه الوسائل الهدف الأول لعملية "التحول الديموقراطي". وقد شهد على ذلك تييري دوروني، مقدم برنامج "تيليتانبورس": "إن شافيز لم يطلب الينا أبداً أن ننقل خطاباته أو أن نقوم بالدعاية له، بينما لم يتردد الانقلابيون ثانية في توقيف مسؤولينا ومصادرة معداتنا للبث من اجل قطع كل امكان آخر أمام الشعب للاطلاع على الوضع الا من وسائل اعلام الانقلابيين". وفي كاراكاس، تعرضت إذاعة راديو بيرولا وكاريكاوو تي.في. وإذاعة كاتيا ليبري، وكاتيا تي.في. للمصادرة والوحشية والتوقيف الاعتباطي، وهذا أمر لم ينفه أحد.
وفي نهاية بعد الظهر، احتشدت الجموع أمام مبنى محطة (ثم امام فينيفيجن وغلوبوفيجن وتيليفن وسي.تي.أم.، كما أمام مداخل صحيفتي إل يونفرسال وإل ناسيونال) وقذفتها بالحجارة واجبرت الصحافيين على بث رسالة تطالب بعودة رئيس"هم". كان هجوماً لا يرد على وسائل الاعلام! وانتهت هذه المرحلة بالمشهد المثير للشفقة للصحافيين المترعبين الذين راحوا يطلقون صرخات الاستنجاد على الهواء وقد نسوا تصرف الانقلابيين: "نحن أيضاً جزء من الشعب، نحن أيضاً فنزويليون ونقوم بواجبنا، فليس من الممكن أن يعتبرنا مؤيدو الكولونيل شافيز (متناسين في المناسبة أنه رئيس الدولة) أعداء لهم".
وفي كل الأحوال، كان يجب الانتظار حتى الساعة العاشرة ليلاً وحتى معاودة البث عبر محطة الدولة "فينيزولانا دو تيليفيجن"، وقد أعادها الى الخدمة بعض المناضلين من وسائل الاعلام الشعبية بمساعدة عسكريين من الحرس الجمهوري، كي ينهار جدار الصمت ويطلع الفنزويليون على الواقع: أن الأوضاع تنقلب.
وفي اليوم التالي لم تصدر أي صحيفة، باستثناء "أولتيماس نوتيسياس"، لتعلن عودة الرئيس الشرعي. ولم تبث محطات التلفزة الخاصة أي نشرة أخبار، فقط غلوبوفيجن نقلت الأنباء التي كانت تنشرها وكالات الأنباء الدولية [12] .
ومع ان اعادة
الوضع الديموقراطي
الى طبيعته لم
يؤدّ الى أي إجراءات
قمعية في حق وسائل
الاعلام الكبرى،
فإنها تستمر
في تصوير نفسها
ضحية، وتفرد
حيزاً مهماً
لهيمنة "أبطال
الحركة الانقلابية"
وتتحدث عن "فراغ
في السلطة" وتطالب
باستقالة الرئيس
شافيز ناعتة
إياه بـ"المجرم"
مع اولئك الذين
لم يتخلوا عنه
(وفي نوع خاص النائب
العام في الجمهورية
السيد إيساياس
روديغز). "وسائل
إعلام الحقد"،
أما أعين الجميع
وفي معرفتهم،
اتخذت لنفسها
بكل بساطة دور
"إعلام الانقلاب".