| |
||
صناعة تأكل لحوم البشر
ادواردو
غاليانو *
Edouardo GALEANO
في حزيران الماضي خرّ احد لاعبي الكاميرون، مارك- فيفيان فويه، صريعا فوق ارض ملعب مدينة ليون لكرة القدم.
لم يكن ضحية ركلة مجرمة. لم يلمسه احد. مات فويه من الارهاق. قضى عليه ايقاع كأس الاتحاد الاوروبي، مباراة تلو مباراة.
لكن اي تقرير طبي يذكّر بأن فويه سقط ضحية هجوم من كرة القدم المحترفة كون هذا الداء غير وارد في اي من السجلات الصحية. لكن الحقيقة هي ان اجمل الالعاب واكثرها شعبية، فرحة الارجل التي تمارسها والعيون التي تتابعها، تعمل على المستوى الصناعي كآلة لتقطيع اللحم الآدمي.
+++
في العام الماضي جرت بطولتان للعالم بكرة القدم، واحدة للرياضيين من لحم ودم والاخرى، متزامنة معها، للاعبين الآليين. تنافست المنتخبات الآلية للفوز بالـ "روبوكاب 20002" في مدينة فوكوواكا اليابانية قبالة الشواطئ الكورية.
تجري مباريات اللاعبين الآليين في مدينة مختلفة كل عام. ويطمح المنظمون بعد فترة من الزمن لمواجهة فريق حقيقي من لحم ودم. في النهاية، كما يقولون، ألم يتفوق الحاسوب على بطل الشطرنج غاري كاسباروف؟ يتخيلون من دون صعوبة ان في امكان الابطال الآليين تحقيق انجاز مماثل في ملعب لكرة القدم.
هؤلاء اللاعبون المبرمجون على أيدي المهندسين يتميزون بالصلابة في الدفاع والسرعة والتهديف في الهجوم. لا يتعبون ولا يتذمرون. لم يخر يوما رجل آلي صريعا فوق ارض ملعب. وهم لا يتباطأون بالكرة بل ينفذون حرفيا اوامر المدير الفني ولا يتوهمون ولو مرة واحدة ان اللاعبين يلعبون.
+++
ما هو الحلم الذي يراود باستمرار ارباب العمل والتكنوقراط والبيروقراطيين والمنظّرين في صناعة كرة القدم؟ في هذا الحلم الذي يقترب من الحقيقة، يقلد اللاعبون الرجال الآليين.
من علامات هذا الزمن الحزين ان القرن الحادي والعشرين يكرس الرداءة باسم الفاعلية ويضحي بالحرية على مذبح النجاح. منذ بضع سنوات، لاحظ كورنليوس كاستورياديس: "لا نفوز لان لنا قيمة بل نكتسب قيمة لاننا نفوز". لم يكن يتحدث عن كرة القدم، لكن الامر سيان.
ممنوع اضاعة الوقت وممنوعة الخسارة. لم يعد اللعب لعبا طالما تحول الى عمل خاضع لقواعد المردودية. فكل يوم يمر يبرهن ان كرة القدم للمحترفين كما غيرها تخضع لادارة "اتحاد اعداء الجمال" وهو منظمة نافذة غير موجودة لكنها تدير كل شيء.
المفروض ايفاء الحكم انياسيو سلفاتييرا حقه وتطويبه لانه اظهر الايمان الحقيقي. فمنذ سبع سنوات عمد الى طرد شيطان الفانتازيا في مدينة ترينيداد البوليفية عندما اقصى من ارض الملعب اللاعب ابل فاكا سوسيدو شاهرا في وجهه البطاقة الحمراء "كي يتعلم كيف يأخذ كرة القدم على محمل الجد". وكان فاكا سوسيدو احرز هدفا لا يغتفر بعدما تلاعب بالفريق الخصم بفضل مغالاة في التمويه والتسلل والتمريرات من رجل الى رجل والتزحلق وضربات الرأس ليبلغ ذروة العربدة بأن ادار ظهره للمرمى وارسل كرة زاحفة استقرت في زاويته.
+++
الطاعة والسرعة والقوة والتخفيف من العبقريات: هذا هو القالب الذي تفرضه العولمة.
تصنيع لكرة قدم ابرد من الثلاجة، واكثر قسوة من آلة الهرس.
تبعا للارقام التي تنشرها مجلة "فرانس فوتبول"، تراجع للنصف العمر المفيد للاعبي كرة القدم من المحترفين خلال العقدين المنصرمين. من 12 الى 6 سنوات. فعمال كرة القدم اكثر تنافسية لكن عمرهم يتناقص. من اجل الاستجابة لايقاع العمل لا يجد بعضهم مفرا من اللجؤ الى المساعدة الكيميائية والحقن والحبوب التي تسرع الاجهاد. للمخدرات الف اسم واسم لكنها تنبع جميعها من الحاجة الملحة للفوز.
+++
قبل 2500 عام على سيب بلاتر [2] ، كان الابطال يشاركون في المباريات عراة ومن دون اي وشم دعائي على اجسادهم. وكان اليونانيون المنقسمون الى عدة مدن ـ دول لكل منها قوانينها وجيشها الخاص، يلتقون لمناسبة الالعاب الاولمبية. من خلال ممارسة الرياضة كان هؤلاء الشعوب المتفرقون يقولون: "نحن يونان"، كأنهم كانوا يتلون باجسادهم اشعار الالياذة التي اسست لوعيهم القومي.
في وقت لاحق وطوال حقبة لا بأس بها من القرن العشرين، كانت كرة القدم الرياضة التي تعبّر بأفضل وجه وتؤكد بأوضح الصور الهوية الوطنية. فأساليب اللعب المختلفة تكشف مختلف طرق الحياة وتمجدها. لكن تنوع العالم يتهاوى اليوم امام التوحد الالزامي. فكرة القدم الالزامية التي حولها التلفزيون الى مشهدية جماهيرية باهظة الثمن، تفرض نموذجا موحدا. تمحى الفرديات لتتحول احيانا كما مع بعض الوجوه الى اقنعة متشابهة بفضل عدد كبير من عمليات الجراحة التجميلية.
يدعي البعض ان هذا الضجر مصدره التقدم لكن المؤرخ ارنولد توينبي كان قد اطلع على العديد من حقبات الماضي عندما استنتج قائلا: "ان الميزة الثابتة للحضارات الذاهبة نحو الانحطاط هي نزعتها الى التنميط والتوحيد".
+++
تعمل كرة القدم للمحترفين وفق النموذج الديكتاتوري فاللاعبون ممنوعون من التفوه بكلمة واحدة في مملكة اسياد الكرة المستبدين الذين من اعالي قصرهم في الاتحاد الدولي يتحكمون وينهون. فالسلطة المطلقة تجد تبريرها في العادة، فالامور هكذا لانها يجب ان تكون هكذا...
لكن هل سارت الامور دائما على هذا المنوال؟ يجدر التذكير اليوم بتجربة برازيلية حصلت قبل عشرين عاما في عهد الديكتاتورية العسكرية عندما نجح اللاعبون في السيطرة على رئاسة نادي كورنثيا، احد اقوى الاندية البرازيلية ومارسوا السلطة فيه بين 1982 و1983. حدث غريب وغير مسبوق. اللاعبون يقررون في كل المسائل في ما بينهم وبالاكثرية. وكانوا يناقشون ديموقراطيا ويصوّتون لاعتماد وسائل العمل ونظام اللعب والادارة المالية وسائر الامور. وعلى قمصانهم كتبوا: ديموقراطية كورنثيا Democracia Corinthiana .
بعد عامين استرجع المسؤولون المبعدون زمام القيادة واوقفوا التجربة. لكن طالما عاشت الديموقراطية تحت حكم اللاعبين، قدّم فريق كورنثيا اجرأ الالعاب في كرة القدم والاكثر اثارة في البرازيل فاجتذب الجماهير الى المدرجات وفاز بالبطولة لدورتين متتاليتين.
هذه المآثر وهذا الاتقان مردها الى المخدر. مخدر ليس في متناول كرة القدم للمحترفين: انها هذه العصارة العجيبة التي لا تشترى بالمال والتي تسمّى "الحماسة" ومعناها في لغة اليونانيين الاقدمين: "ان تكون مسكونا بالآلهة".
+++
كما هو معروف، فازت البرازيل العام الماضي بكأس العالم في طوكيو ضد المانيا.
في الوقت عينه وبعيدا عن اليابان كانت تجري مباراة نهائية اخرى لم يعرها احد اهتماما.
فوق قمم الهملايا كانت تجري مواجهة بين اسوأ فريقين في العالم، فريق مملكة بوتان ضد فريق جزيرة مونسرّا في الكاريبي.
كانت تنتظر الفائز في المباراة كأس فضية كبيرة.
اللاعبون المغمورون جميعهم من دون نجوم في صفوفهم تسلوا كثيرا حيث التسلية القصوى كانت واجبهم الوحيد. وعند نهاية المباراة انفتحت الكأس الملصوقة لصقا الى نصفين وتقاسمها الفريقان.
ربحت بوتان وخسرت مونسرا لكن هذا التفصيل لم يكن له اي اهمية تذكر.
[1] كاتب وصحافي اورغواياني، من مؤلفاته ثلاثية
Mémoire du Feu, Plon, Paris, 1988, et de Football, ombre et lumière, Climats, Paris, 1998
[2] رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
|
http://www.mondiploar.com/ |