طبع المقال
تحميل المقال

المرتزقة الفرنسيين، "فسحة رمادية" بين العام والخاص

بربارة فينيو وفرانسوا دومينغيز
BARBARA VIGNAUX et FRANÇOIS DOMINGUEZ

إن العلاقة بين الأجهزة السرية والمرتزقة "هي نفسها كما بين والد نبيل ولقيط". هذا التعبير هو لدجاك [1] أحد أركان عالم المرتزقة الباريسي، ثلاثيني واثق من نفسه. منذ عشرة أعوام بدأ والده التخفيف من الاضطلاع بدور الأب، لأن ابنه الطبيعي أصبح اكثر شغباً وهو الحريص على صورته يزعم في المجتمع الراقي أنه قطع علاقاته البنوية، دون أن يكون مقنعاً في ذلك. باختصار على مبدأ " أحبك، اما أنا فلا" بحسب التعبير الساخر من إيف، المرتزق الآخر.

دجاك وإيف هما مقاتلان محنكان شاركا في ساحات القتال في البوسنة وزائير والكونغو وساحل العاج. وجيل الشباب الثلاثيني، الموصوف على التوالي بأنه أكثر مثالية وأكثر اهتماماً، شارك للمرة الأولى في القتال في برمانيا الى جانب أقلية الكارن المسيحية، ثم في البوسنة الى جانب الكروات. أما في باريس فان هؤلاء الفرنسيين، ومعهم بعض الأجانب، فيبلغ عددهم ما بين 80 و100 يمارسون بانتظام عملهم كمرتزقة. يضاف اليهم عدد متغير ممن يدعون من ذاتهم انهم مرتزقة، ذاك ان "المولعين بالكذب هم صورة متكررة في مهنتنا" بحسب ستيفان أحد الوجوه الأخرى في هذا الوسط. وكما عند من سبقهم، فان ما يسيطر عند هؤلاء الرجال هو حب المغامرة والحياة الجماعية، ترفدها أحياناً بعض القناعات السياسية.

والأكثر تمثيلاً في هذا الوسط هو اليمين المتطرف بكل أشكاله، حيث  الجبهة الوطنية واحدة من مكوناته وحسب، الى جانب منظمة "الغرب" أو الملكيين. وعلى هذا الأساس يقول دجاك موضحاً: "وبالنتيجة نحن لا نتطرق الى المواضيع التي تثير الغضب". لكن هناك بعض الاستثناءات التي تثبت القاعدة، فـ"جيروم" لم يتلق أي إعداد عسكري خارج خدمته الوطنية، لكنه في المقابل ناضل لمدة سنتين في صفوف الشبيبة الشيوعية الثورية.

ولا تبدو الناحية المادية عاملاً حاسماً أكثر من غيره. طبعاً إن بدل الاتعاب مغرٍ، ما بين 4500 و7500 يورو. غير أن جاك يوضح الأمر: "يبدو السعر أفضل في فرنسا حيث يطلب الينا إدارة نزاع اجتماعي، دون مجازفة تذكر، بدلاً من المشاركة في نزاعات مسلحة في الخارج". وما بين مهمتين يقوم المرتزقة أيضاً بعمل الحراسة، في الخارج أو داخل فرنسا، لصالح شركات أمنية، وهي من الأعمال المدنية المدفوعة جيداً أحياناً. ويوجد مثلاً في هذا الوسط ومن بين الذين حققوا ثروة أكبر، بعض قدامى الدرك من الذين خدموا في الاليزيه، وهم متحدرون من الجيل السابق، مثل السيد بول باريل. وبفضل دفتر عناوين معدّ جيداً هم تحولوا الى افريقيا لممارسة أعمال مربحة تراوح بين تجارة المنتجات الأكثر استهلاكاً وتسليم الاسلحة وتجنيد المقاتلين.

وعبارة "عالم المرتزقة" مستهجنة. يرى شارل، أحد المراقبين المميزين لهذا الوسط أنه لا يلطف من حالة التنافر فيه سوى بعض "اوجه الشبه"، مثل شبكات الصداقة والعلاقات حول شخصيات كثيراً ما تثير الجدل مثل "ماركيز" أو "سانشيز" أو "غاريبالدي". فروبرت دونار، المعروف ببوب دونار والملقب بالـ"عجوز" وهو المرتزق الفرنسي الأكثر شهرة بين الجمهور، وقد لعب دوراً نافذاً في فرض التماسك في هذا الوسط في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لم يأتِ من يخلفه [2] . واليوم قلة من الوجوه المعروفة في عالم المرتزقة الفرنسي يتحلى بالصفات الضرورية للعب دور "المعلم" هذا، مثل الاعداد العسكري والخبرة في القتال والقدرة على تدريب الرجال وحس التنظيم والعلاقات المدروسة.

وفي الحقيقة أن الضباط في عالم المرتزقة هذا هم اليوم اقل مما كانوا عليه قبل اربعين عاماً عند انتهاء حرب الجزائر. ولذلك يعتقد إيف "أن ما من مرتزقة فرنسي قادرعلى قيادة سرية". فبشكل عام إن الفرنسي بمستواه التقني مؤهل لقيادة فصيلة وحسب. والعمليات التي تنفذ خارج فرنسا هي بالتالي بسيطة مع هدف محدد تماماً والمثل الأبرز على ذلك هو تنظيم حرس جمهوري. ويبدو أن إقرار قانون حظر عمل المرتزقة [3] في3 نيسان/أبريل الماضي قد عزز هذه النزعة، فكبار الضباط، بتمسكهم بتطبيق القانون يترددون في تجاوز الحد للانطلاق في عمل خاص بات يعتبر جرماً.

إن إعداد وتطويع المجموعات يشكل الشق الأول من عمل المرتزقة الفرنسيين المتمتعين بـ"مهارة قد يحسدهم عليها الكثير من الجنود في الجيش النظامي" بحسب ما يعتبر أحد المراقبين. أما الاختصاصات فانها تشكل الشق الثاني مثل سلاح الاشارة والمعلومات وقيادة الهليكوبتر واستخدام المدافع وإعداد العمليات الخاصة... وحول هذا يوضح فرانسوا كزافيي سيدوس، صاحب كتاب عن تاريخ المرتزقة [4] ورفيق سلاح سابق للسيد بوب دونار أنه "منذ ما بين 30 و40 عاماً كانت الجيوش الغربية والمرتزقة تقوم بتدريب الجيوش الافريقية. اما اليوم فان المقاتل الأساسي يجري إعداده بالاجمال ليقوم بالاستعراض ويطلق الرصاص". و"أوراق القوة" لدى الفرنسيين هي أنهم يعرفون جيداً افريقيا الناطقة بالفرنسية ومهارة "فنية" في مقابل الكفاءة "الصناعية" لدى الانكلوساكسون [5] في رأي جيروم.

يشدد جيروم على أن الفرنسيين عندما يأتون من جيوش ذات تجهيزات اقل جودة مما لدى الأميركيين وذات لوجستية مركبة كيفما كان، فانهم عامة قد يتدبرون امرهم بشكل أفضل لأنهم "يعرفون كيف يرتجلون". والحال أن انسحاب القوات الفرنسية من افريقيا منذ اكثر من عشر سنوات أوجد حركة طلب جديدة على الخدمات العسكرية. ويستخلص جان فيليب دانيال أن هذا يفضي الى "خصخصة المساعدات العسكرية التقنية [6] ". ويوضح هذا الباحث الملتزم يسارياً أن هذا يعتبر "سوق انحطاط لمفهوم الدولة".

إن تحدّر المرتزقة الفرنسيين من الوسط العسكري هو في أساس علاقاتهم الغامضة بالاجهزة الخاصة وبأجهزة المخابرات في الدولة الفرنسية. ومنابتهم الأساسية هي في أفواج المظليين وقوات البحرية (الاستعمارية سابقاً) والفرقة الأجنبية. وهؤلاء الرجال، سواء أكانوا في العشرين أم الخامسة والعشرين ام الثلاثين من العمر يتركون مؤسسة يرون أنها بيروقراطية جداً ليتحملوا مسؤوليات في إطار مجموعات عملانية ذات صيغة أكثر اختصاراً. وحول هذه النقطة تجمع جميع الشهادات من قريب أو بعيد على ما يعترف به جيروم في قوله: "لو بقيت في الجيش لكنت مجرد رقيب".

وهكذا نجد أن الكثير من الرجال، من الاحتياطيين أو من المرتزقة "الفعليين"، يقعون في "منطقة رمادية" بين العام والخاص، ويؤكد كولونيل لعب دور عميل سابق للـ"مديرية العامة للأمن الخارجي" (DGSE) أنه "في هذا النوع من الأعمال لا يمكن التوقف أبداً". فالبعض ممن حافظوا على صلات بزملائهم السابقين يلعبون على ضبابية موقعهم السابق. وبحسب بعض واضعي مشروع القانون في وزارة الدفاع أنه لهذه الأسباب تم اعتماد قانون 3 نيسان/أبريل: "لا يمكن التأكيد أبداً على أن شخصاً ما لا ينتمي الى المخابرات السرية للبلاد(...). أضف أن المرتزقة يسعون الى الحفاظ على علاقاتهم الشخصية بأناس من المديرية العامة للأمن الخارجي أو في الخلية الافريقية التابعة للاليزيه، مما يوحي بوضعهم الشرعي في نظر "زبائنهم". وهذا ما يشوه صورة فرنسا." وهذا ما ينطبق على الجنرال جانو لاكاز الرئيس السابق لهيئة الأركان في الجيش. فلأنه كان عضواً في دائرة التوثيق الخارجي وفي التجسس المضاد (Sdec) التي حلت مكانها المديرية العامة للأمن الخارجي في العام 1982 فان السيد لاكاز يعرف جيداً السيد بوب دونار. والحال كما يوضح جان فيليب دانيال أنه لو نظر الى الأمر من افريقيا "فان جانو لاكاز يعني فرنسا".

وإن اعتماد مبدأ الاحتراف في قطع الجيش الفرنسي قد يعزز هذه النزعة، أي اختيار طريق المرتزقة بسبب تناقص مراكز المسؤولية أكثر فأكثر والخدمة الأكثر قصراً وضيقاً، وندرة المعارك.

وبالنسبة الى "الدولة" فان الاستعانة بالجنود "الخاصين"، وهي العبارة المستخدمة غالباً مكان كلمة "المرتزقة" المعتبرة تحقيرية، يمثل منفعتين رئيسيتين. فهي تعفيها من أي رقابة ديموقراطية بدون المخاطرة بإثارة الرأي العام. يقول أحدهم أن المرتزقة الذين على الهينة "يستخدمون ويرمون، لا يتركون أي أثر". وبطابع جدي لاذع يهمس ضابط متقاعد من المديرية العامة للأمن الخارجي: "يفضَّل فقدان عنصر من المرتزقة بدلاً من فقدان ناخب"، فيما يضيف آخر ما يزال ناشطاً في هذا المجال: "أضف أنه لن يكون على الجيش ان يدفع بدل تعويضه". فلو أنه تم إرسال مرتزقة يعملون على طريقة "راينبو وارير"( Rainbow Warrior) لسهّل ذلك الى حد كبير إدارة الأزمة السياسية.

وانعدام العلاقة العضوية بين "القراصنة" يسمح للدولة أن تتبع "نهجاً سياسياً بالتوكيل". وفي الواقع أن جميع رؤساء الجمهورية الخامسة قد سمحوا بذلك إن لم يكونوا هم بأنفسهم دعوا الى هذا النوع من عمليات المرتزقة، الجنرال ديغول ثم جورج بومبيدو، من كاتانغا الى بيافرا، ثم السيد فاليري جيسكار ديستان من جزر القمر الى بنين، ثم فرنسوا ميتران من تشاد الى الغابون. وفي عهد السيد جاك شيراك تم السماح بالعديد من العمليات: في زائير (1997) والكونغو برازافيل (1997-98،2000)، وساحل العاج (2000، 2002). كما أن الاحتجاجات الصادرة عن بعض المسؤولين السياسيين عن حسن نية "لا تخدع أحداً" بحسب ما صرح أحد كوادر المديرية العامة للأمن الخارجي.

وعملية المرتزقة، بوظيفتها كرابط في سياسة الحكومة، تندرج احياناً في إطار ترسيمة مسهلة جيداً لخصها هذا العميل السابق على الشكل التالي: "المشاركة العسكرية، المرتزقة، والقوات النظامية". ومن جهة أخرى فان هذه الترسيمة تنطبق على الوضع الذي شهدته ساحل العاج غداة انقلاب 19 أيلول/سبتمبر عام 2002. فبعد ان طلب وزير الخارجية الفرنسي السيد دومينيك دو فيلبان الى السيد لوران غباغبو رئيس ساحل العاج، أن يصرف المرتزقة العاملين لحسابه، انتشرت القوات الفرنسية لفرض احترام وقف اطلاق النار. فقد كان من الصعب على فرنسا أن تتدخل علناً لمساعدة نظام ضعيف النزعة الفرنسية لم يكن محرجاً أبداً في موضوع احترام حقوق الانسان، كما تبين من تشكيل "سرايا الموت". لكن بالعكس أمكنها الحلول مكان مرتزقة قاموا بتصفيات ألقي عليها الضوء مسبقاً كما يفترض في وسائل الاعلام.

كما أن إنزال المرتزقة قد يشكل أيضاً دلالة سياسية على الدعم حتى في حده الأدنى كما كانت الحال في زائير في أواخر العام 1996-أوائل 1997. فقد كلفت مجموعة من ثلاثين فرنسياً بناء جيش جوزف موبوتو المهزوم على يد قوات لوران ديزيري كابيلا الذي تلقى التجهيزات من رواندا وأوغندا. وقد تمت العملية في ظروف مؤلمة حيث القوى العسكرية قليلة ومنهكة والخمول في صفوف القوات الزائيرية وصراع بين المرتزقة الفرنسيين والصرب والتنافس بين الأجهزة الفرنسية... ومع أن غاية المهمة كانت مساعدة نظام محكوم بالسقوط في المدى القصير إلا أن هذا المبادرة جاءت كدلالة أخيرة على التعاطف الفرنسي.

إن التواطؤ الإيجابي بين "الخواص" والدولة يبدو أيضاً في كون "الضربات" المنجزة على يد الخواص ليست موضوع بحث على صعيد الدولة. هكذا نجد أن عملية بوب دونار العجوز في جزر القمر في أيلول/سبتمبر عام 1995 قد أدت الى الاطاحة بالرئيس سعيد محمد جوهر الاستبدادي الخارج على السيطرة. ولم يعد الرئيس المخلوع الى السلطة بعد تدخل القوات الفرنسية في الشهر التالي...

كما ان استخدام المرتزقة يسمح بنتيجة الحال بإقامة " عوازل دخانية" مفيدة. وهذا ما يوضحه ستيفان قائلاً: "يمكن الى حد بعيد المراهنة على أن حوالى عشرة من العناصر المخيمة المغطاة أجسامهم بالأوشام من الرأس حتى القدمين والحليقي الرأس والمتظاهرين بأنهم سواح في مكان غير مناسب، قد ينتهي بهم الأمر الى لفت الانتباه". وبالتالي تكون الغاية على الأرجح تحويل انتباه الرأي العام عن مكان آخر أكثر اهمية بكثير. وحتى اليوم ما يزال مجهولاً إذا ما كان هذا هو الهدف من الضجة التي رافقت إرسال القوة الى مدغشقر في 18 حزيران/يونيو عام 2002 [7] . فهل كان الأمر بكل بساطة يتعلق بعملية سميت "الأقدام المنكلة"( Pieds Nickelés )، بحسب الراوي، كما عرف وسيعرف على الأرجح وسط المرتزقة؟ أم أنها تمت بناء على أوامر من رئيس مدغشقر السابق ديدييه راتسيراكا كما يمكن الاعتقاد بناء على الكثير من المؤشرات؟

والمشكلة بالنسبة الى الأجهزة هي مسألة انضباط، فالمرتزقة الجيد هو المنضبط" بحسب ما يلخص أحد الضباط المتقاعدين من المديرية العامة للأمن الخارجي. وهناك داخل وزارة الدفاع دائرة تابعة لمديرية الحماية والأمن الدفاعيين، أي الأمن العسكري سابقاً، مكلفة بالتحديد متابعة نشاط المرتزقة. إلا انه يبدو أن الأمور تفشل قليلاً بحسب ما يروي متقاعد آخر من وزارة الدفاع، إذ يقول: "في زمن حرب تشاد كان هناك مرتزقة معروفون بكفاءتهم المهنية، وكنا نثق فيهم. أما اليوم فان البعض لا يمكن السيطرة عليهم". ونسمع المأخذ نفسه إنما بطريقة أخرى من جانب المرتزقة أنفسهم، فيوضح جاك ان: "هناك الكثير من المخبولين في السوق، لا ينفذون الا مهمة أو اثنتين ثم يروون كل شيء للجميع. والدولة تصاب بالذعر من العناصر غير المنضبطة."

وهناك عوامل عدة تفسر هذه الظاهرة منها تدمير وتوسيع عالم المرتزقة والصعوبة المتزايدة لأسباب سياسية واخلاقية في الاستعانة بهم إنما أيضاً تعدد مراكز القرار في جانب الدولة إضافة الى التنازع بين الأجهزة المتنافسة.

ذاك أن الولاء للدولة، او لأحد الأجهزة، ليس في النهاية الا مسألة شخصية. فبعض المرتزقة على غرار هذا الاحتياطي في قوة "الصدم 11" (الذراع العسكرية للمديرية العامة للأمن الخارجي) المتحرر افتراضاً من كل ارتباط إداري "لا يستطيعون القيام بأي عمل دون إبلاغ جهازهم الأصلي" (وغالباُ المديرية العامة للأمن الخارجي). غير ان آخرين، بحسب ستيفان، "لا يتورعون عن القيام بأي عمل". وهذا الاستنتاج صحيح جداً لدرجة أن إيف، احد المنظمين في هذا الوسط، يعتبر أنه "عندما يتعدى العدد العشرة، فان سرية العملية لا تبقى مضمونة". ثم انه إضافة الى العلاوة المؤقتة فان الحفاظ على العلاقة بالجهاز الأمني تساعد في تفادي الارتماء جزافاً في العمليات. ويوضح ستيفان انه بالنسبة الى بعض "الضربات" الدقيقة "لا يتم أي شيء بدون المخبرين السريين.

ثم يجب معرفة من الذي يقوم بعمل الرقابة، هل هي المديرية العامة للأمن الخارجي ام مديرية مراقبة أراضي الدولة  (DST)، ام وزارة الخارجية، هل هو رئيس الوزراء ام رئيس الجمهورية؟ إن تعدد مراكز القرار السياسي هذه قد بلغ اوجه خلال زمن المساكنة، تلك المرحلة "المتعبة الى أقصى حد" بحسب احد كبار الضباط السابقين في المديرية العامة للأمن الخارجي. ففي اوائل العام 2000 وبمبادرة من احد مستشاري الاليزيه ارسلت بعثة من ست رجال الى الجنرال روبي غويي، الرئيس العابر لساحل العاج، من اجل تفكيك شبكات المعارضة وإعادة بناء الحرس الجمهوري. وبعد ستة أشهر ألغيت العملية... بناء على طلب من ماتينيون. ما يعني ان زمن سيطرة جاك فوكار على كامل ملف السياسة الافريقية قد ولى بعيداً.

والى هذه الاعتراضات داخل الحكومة تضاف المبادرات الفردية من رجالات السياسة التي تجند مثلاً شبكات السيد شارل باسكوا أو الكولونيل موريس روبير، المدير السابق للشؤون الافريقية في جهاز المخابرات والسفير السابق لفرنسا في الغابون. ويعترف احد الضباط السابقين في المديرية العامة للأمن الخارجي أنه "اضطر على الأقل مرة الى الغاء عملية غبية اعدها أحد السياسيين" دون أن يقول المزيد. وفي الواقع أن العمليات التي تنظم بدون اطلاع احد الأجهزة المعنية ((DPSD, DGSE, DSTهي عمليات استثنائية. ويعتبر فرانسوا-كزافيي سيدوس أن "السلطة تراقب دائماً، حتى عندما يكون الضوء برتقالياً".

إذن امام رجالات السياسة عندما يبلغون بالأمر أمكانيات التدخل دائماً. فأحد أصحاب الصلة بالأجهزة يعترف ان هناك عملية واحدة لم يستطع الاطلاع عليها، هي عملية جزر القمر في كانون الأول/دسمبر عام 2001. ويفسر ذلك بأن الرجال المجندين لها لم يكونوا من حركة المرتزقة.

في اسوأ الأحوال يمكن للأجهزة أن توقف عملية او أن تمنعها. فالحالة الأولى تنطبق على القوة التي ارسلت الى مدغشقر في حزيران/يونيو عام 2002، فيما الثانية وقعت منذ عامين حيث هدد أحد عملاء المديرية العامة للأمن الخارجي بالسجن منظم عملية تجنيد حوالى مائة رجل لارسالهم الى جمهورية الكونغو الديموقراطية (زائير سابقاً). ولم تنجز أبداً هذه المهمة التي كانت الغاية منها الاطاحة بالرئيس كابيلا.

إذن إن المرتزقة، حتى وإن حصرت مهماتهم في أدوار صغيرة يبقون بنتيجة الحال أدوات بيد السياسة الخارجية للجمهورية. وفي فرنسا، كما في اي مكان آخر هناك عدد معين من الوكالات المتخصصة التي تشكل منطلقاً فعلياً للحصول على هذا النوع من العمل. والأكثر شهرة من هذه الوكالات الأمنية الخاصة أو شركات منع حدوث الأزمات او إدارتها تدافع عن نفسها بانها على علاقة ما، أياً كان نوعها، مع هذا النوع من الأعمال، غير أن الحدود تبقى مبهمة مع الشركات العسكرية الخاصة. ويبوح احد المتحاورين مع مجلة متخصصة [8] ، لم يذكر أسمه انه "يجب ألا نختبئ وراء أصابعنا، فالجميع "يقوم بالعمل الأخضر" [ في إشارة الى اعتماد القوة وتلميحاً الى لون بدلة القتال] وذلك بموافقة السلطات في الدول التي يتم التدخل فيها". وعلى كل ليس هذا بشيء امام كبريات الشركات الأنكلو-ساكسونية، مثل "ساند لاين انترناشيونال ودين كوربورايشن وديفانس سيستم ليمتد ووميليتيري بروفيشيونال ريزورش أنكوربورايتد ووواكنهات وغيرها، المستعدة لنشر تشكيلات بالغة التطور في العتاد والرجال في وقت قياسي.

اعلنت فرنسا انها اختارت طريق التحظير، لكن الشكوك ما تزال قائمة، فإذا كانت منعت المشاركة في الأعمال القتالية الا أنها لم تسوِّ لا مسألة تنظيم العمليات ولا التدريبات ولا الاختصاصات، وهي تشكل القسم الأهم من عمل المرتزقة الفرنسيين. وهذا ما يفسر ربما ضبابية الحديث الذي ادلت به امام مجلس الشيوخ وزيرة الدفاع السيدة ميشال أليوت ماري عند تقديم المشروع في 3 نيسان/أبريل عام 2003 حيث قالت: "من الأنسب المعاقبة على تجاوز الحد في أعمال المرتزقة عبر تطويق ممارساتهم". لكن لأية غاية؟ أمن اجل منع الاستعانة بالجنود الخاصين من الآن وصاعداً؟ ام لإعادة تشكيل مرتزقة أكثر انضباطاً؟



[1]  الأسماء الأولى جرى تغييرها.

[2] السيد دونار، الذي كان من سلاح المشاة في البحرية خلال حرب الهند الصينية، عمل في المغرب من العام 1952 الى العام 1957 في الشرطة الشريفية، ثم عمل لحساب الأجهزة الخاصة الفرنسية في الجزائر، ثم ورد اسمه في اليمن والكونغو ونيجيريا (بيافرا) وفي انغولا وفي بنين ثم ابتداءاً من العام 1975 في جزر القمر حيث شهد العز والانهزام قبل أن يختفي عن الساحة في ايار/مايو عام 1999 بعد ان حكم ببراءته في فرنسا في دعوى اغتيال الرئيس السابق لجزر القمر أحمد عبدالله.

[3] هذا القانون الذي اقترحه وزير الدفاع السابق آلان ريشار أقر بالاجماع في المجلس التشريعي الحالي. وهو ينص على العقوبة بالغرامة والسجن (من خمس الى سبع سنوات) على "المشاركة المباشرة في الأعمال العدوانية" للمرتزقة (وعلى تنظيم هذه الأعمال). ويبدو تطبيقها صعباً بسبب طابعها الالزامي.

[4] راجع:

François-Xavier Sidos, Les soldats libres, la grande aventure des mercenaires, L'Æncre, 2002.

  [5] اقرأ:

Lire Philippe Chapleau, François Misser, Mercenaires SA, Desclée de Brouwer, Paris, 1998.

وراجع أيضاً:

Pierre Consea, “ Modernes mercenaires de la sécurité ”, Le Monde diplomatique, avril 2003.

[6] اقرأ:

Jean-Philippe Daniel, La politique militaire de la France au Sud du Sahara, du discours de la Baule à l'opération Hadès : du désengagement à la privatisation ? Mémoire de DEA de relations internationales, Université de Panthéon-Sorbonne, 2000.

[7] اثنا عشر من المرتزقة الذين جندتهم شركة أمنية صغيرة هي "أكتيف بروتكشن انترناشيونال سرفيس، كانوا آتين من باريس الى مدغشقر على متن طائرة من نوع "فالكون900" تم اعتراضهم لدى توقفهم في دار السلام (تنزانيا) بتدخل من وزارة الخارجية الفرنسية. وذلك إبان أزمة نشبت وقتها بين الرئيس المنتخب مارك رافالومانانا والرئيس المنتهية ولايته ديدييه راتسيراكا.

[8] اقرأ:

Pascal Le Pautremat, “ Les nouveaux acteurs de la sûreté des entreprises ”, Raids, Paris, n° 199, décembre 2002.

وحول هذا الموضوع اقرأ أيضاً ملف:

“ Mercenaires.  Des chiens de guerre  aux sociétés étatiques ”, Raids, n° 196, septembre 2002.

 

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم