طبع المقال
تحميل المقال

حول محكمة الجزاء الدوليـــة

كزافيه بوغاريل *
Xavier BOUGAREL

اثارت محاكمة السيد سلوبودان ميلوسيفيتش منذ بدايتها امام محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة مواجهة بين نظرتين متعارضتين الى هذه المحكمة.

فمن جهة، السيد ميلوسيفيتش نفسه وانصاره وقسم كبير من الرأي العام الصربي يعتبرون المحكمة منحازة وغير شرعية. وينظر الى رفض هذه المحكمة التحقيق في جرائم الحرب المفترضة التي ارتكبها حلف شمال الاطلسي في ربيع 1999 على انه البرهان بأن الغرض من انشائها هو تبرير تدخل القوى العظمى في البلقان والتستير على مسؤولية هذه القوى في الانفجار الدموي في يوغوسلافيا.

في الجهة المقابلة، في الغرب وفي المناطق التي عانت مباشرة من الجرائم الصربية، رحب المسؤولون السياسيون ووسائل الاعلام ببدء المحاكمة وجددوا في المناسبة تأييدهم اللفظي لهذه المحكمة التي تعتبر اداة مميزة لتحقيق العدالة والمصالحة. هكذا جاء في عنوان صحيفة "ليبيراسيون" يوم افتتاح المحاكمة: "ميلوسيفيتش في مواجهة التاريخ" [2] .

حول هذه النقطة يلف الغموض موقف ممثلي محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا انفسهم. يرفضون بالطبع ادعاء كتابة تاريخ النزاعات اليوغوسلافية خصوصا عندما يسمح لهم هذا الانكار بتفادي بعض المسائل المزعجة. لكن من الواضح ان سابقتي نورمبرغ والقدس (محاكمة ايخمان) تلازمهم كذلك فكرة اضطلاعهم بـ"مهمة تاريخية". ألم تعلن المدعية العامة كارلا دي بونتي في مرافعتها الاولى يوم 12 شباط/فبراير 2002ك "ان هذه المحاكمة سوف تصنع التاريخ وعلينا النظر الى مهمتنا على ضؤ التاريخ"؟

بيد ان الخطابات المتعارضة في الظاهر تتلاقى كما يحدث غالبا في العديد من النقاط. هكذا فإن انصار السيد ميلوسيفيتش يعترضون على ارتهان المحكمة الدولية للدول التي تمولها كما على حصرها في يوغوسلافيا مما يؤدي الى سياسة المكيالين التي ينطوي عليها هذا التحديد. وهم يلتقون في ذلك مع المدافعين الاكثر حماسة عن وجود محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا والذين لم انفكوا عن المطالبة بتأمين الامكانات لتوفير حرية عمل المحكمة ويدافعون عن فكرة محكمة جزاء دولية دائمة. في الحالتين يصار الى التركيز على الاخطاء التنفيذية للعدالة الجزائية الدولية مع بقاء مبدأ وجودها غير قابل للنقاش: فهي تشكل بالنسبة الى الطرفين وسيلة لا يعلو عليها للمصالحة بين الشعوب وتبيان الحقيقة التاريخية شرط ان تكون هذه العدالة "فعلا" مستقلة وشاملة.

نود هنا على العكس، التساؤل انطلاقا من نشاط محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا حول الاشكالية التي تثيرها العدالة الجزائية الدولية وخصوصا لجهة وظائفها المفترضة من تحقيق المصالحة وقول الحقيقة. ذلك انه يبدو لي ان القبول بمحدودية هذه العدالة الجزائية الدولية وما تثيره من تباين [3] كما المحافظة على نظرة نقدية واستخدام معتدل لها، هي الشروط التي تسمح لها بلعب دور ايجابي في التوصل الى حل للنزاعات وبلورة ذاكرات جماعية.

ليس المقصود اذاً في اي حال الاعتراض على ضرورة معاقبة الجرائم التي رافقت الحروب اليوغوسلافية او التشكيك في شرعية محكمة الجزاء الخاصة في هذا السياق. بل على العكس ان معاقبة مجرمي الحرب الرئيسيين هو الجانب الاقل اثارة للجدل في الوظائف التي نسبت الى محكمة الجزاء او نسبتها هي لنفسها: ليس الضحايا فقط في حاجة الى الاعتراف بمعاناتهم والتعويض عليهم لكن اعادة الحد الادنى من الامن والثقة في الحيز اليوغوسلافي تمر عبر ابعاد مجرمي الحرب والتأكيد الواضح لعدد من المبادىء. من وجهة النظر هذه تملك محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا وظيفة لا بديل منها ولا يغير في ذلك شيء أن هناك مجرمي حرب يعيشون مطمئني البال في اماكن اخرى من العالم.  

بيد ان التحليل الدقيق للمارسات القضائية لهذه المحكمة يدعو الى التريث في النظرة الى ابعاد عملها الحقيقية. ففي واقع الحال تأثرت هذه الممارسات جزئيا باللعبة السياسية وحساباتها المعقدة ولا ضرورة لرمي التهمة دائما على وكالة المخابرات المركزية الاميركية للبرهان على التأثير الحاسم لبعض الدول بدءا بالقوى العظمى في طبيعة الحال. ففي العام 1995 كان وراء عدم تجريم السيدين ميلوسيفيتش وفرانجو تودجمان بسبب ما ارتكباه خلال النزاع في البوسنة (1992 n 1995) الدور الذي لعباه على الارجح في الادارة الدولية لهذا النزاع.

في المقابل جاء الادعاء في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1995 على ثلاثة من الضباط المتورطين في احتلال مدينة فوكوفار (تشرين الثاني/نوفمبر 1991) ليمثل بالتأكيد تحذيرا موجها الى السيد ميلوسيفيتش في اللحظة التي كانت تفتتح فيها محادثات دايتون للسلام. كذلك وتبعا للصحافة البوسنية فإن الحكم المخفف نسبيا في شباط/فبراير 2001 على السيد داريو كورديتش، المسؤول الكرواتي السابق في البوسنة الوسطى، يرجع الى الرغبة في عدم اذكاء الأزمة التي كانت تعصف بالمؤسسات البوسنية [4] وتعزيز موقف الحكومة الكرواتية المترددة في تسليم العديد من الجنرالات المتورطين في عملية "العاصفة" (آب/اغسطس 1995) [5]

قد تعطي هذه التقلبات في الحياة القضائية الانطباع بأن اللعبة مزوّرة لأنها لا تبرهن ان محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا تأتمر بأمر القوى العظمى. فمن جهة ليست هذه الدول في حاجة الى ممارسة ضغوط مباشرة على المحكمة حيث يكفي لاجهزة مخابراتها ان تقدم الوثائق او تخفيها وان تعمد قواتها الى اعتقال المسؤولين او الى الحؤول دون هذا الاعتقال. ففي البوسنة والهرسك مثلا تواترت الادلة على ان القطاع الفرنسي يشكل ملجأ لبعض مجرمي الحرب من الصرب وانه بعد اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 ومن اجل ايجاد "توازن" مع موجة القمع ضد الاسلاميين، بادرت الولايات المتحدة الى مطاردة السيد رادوفان كاراديتش مجددا، وهو القائد الصربي السابق المتهم بعملية الابادة في سربرينيتشا (تموز/يوليو  1995).

من جهة اخرى يشارك الاطراف المحليون في شكل فاعل في هذه الالعاب المعقدة التي تؤثر على عمل محكمة الجزاء، فالتأخير الحاصل في التحقيقات حول الجرائم الكرواتية والبوسنية ناتج ايضا من رفض السلطات الصربية الاعتراف بشرعية المحكمة. ولا تنفك الدول المنبثقة من يوغوسلافيا السابقة تتفاوض وتضع الشروط من اجل المساهمة مع المحكمة كما يلجأ المتهمون انفسهم الى حجج سياسية في محاولة لانقاذ انفسهم. فبعد اختبائه في تموز/يوليو 2001 اثر توجيه المحكمة التهمة اليه، هدد الجنرال الكرواتي انطو غوتوفينا انه في حال اعتقاله سوف يكشف النقاب عن دور المخابرات الاميركية في عملية "العاصفة". وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1999، جاء الاعتقال الغريب في بلغراد لخمسة من الصرب المتورطين في مجزرة سربرينيتشا والذين جندتهم بعدذاك المخابرات الفرنسية للقتال في زائير، بمثابة اشارة الى السلطات الفرنسية لتذكيرها بأن القبض على بعض مجرمي الحرب ليس في الضرورة في مصلحتها.

اذا كان ما تقوم به محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا يأتي ايضا كنتيجة لحسابات ومناورات سياسية فليس لأن هذه المحكمة تمثل اداة طيعة في يد الدول الكبرى. فمثلها مثل اي هيئة قضائية على الارجح، تشكل عنصرا مؤسساتيا فاعلا داخل بعض موازين القوى التي عليها اخذها في الاعتبار بغية المحافظة على عملها وتوسيع دائرته. وضمن هذا السياق وليس لتبعية مفترضة يجب النظر الى رفضها التحقيق في جرائم حلف الناتو المحتملة. لكن هذا التداخل الذي لا مفر منه لا بل الضروري بين السياسي والقضائي يضع بعض الحدود ويثير تباينا عضويا في تقويم محكمة الجزاء الدولية لجرائم الحرب اليوغوسلافية. والدليل على ذلك ان هذه المحكمة وفي محاولتها لتأكيد اولوية المنطق القضائي، اتخذت قرارات مضرة بالمصالحة والذاكرة ومنها مثلان كافيان للبرهان.

في كانون الثاني/يناير 1996، غداة التوقيع على اتفاقيات دايتون، اعتقلت الشرطة البوسنية في ساراييفو الجنرال الصربي جورج دجوكيك، "الضائع" في القطاع البوسني في ظروف لم تتضح تماما. كان هذا الاعتقال مناقضا لاتفاقية السلام لكن مسؤولي محكمة الجزاء الدولية وجدوا فيه فرصة غير متوقعة لوضع اليد اخيرا على "سمكة كبيرة"، فقرروا تشريع الاعتقال باتهام الجنرال استدلاليا بسبب دوره المفترض في مجزرة سربرينيتشا وتأمين نقله الى لاهاي [6] . اذا كان القرار منطقياً من وجهة نظر المدعي العام فإنه كان اخرق على الصعيد السياسي ذلك ان الاعتقال جاء في وقت كانت تنتقل فيه الى السلطة البوسنية احياء من ساراييفو كانت لا تزال تحت السيطرة الصربية. وكان التحدي الرئيسي امام عملية الانتقال هذه إبقاء السكان الصرب في اماكن اقامتهم وتالياً الضمان الصارم لتطبيق قانون العفو الذي انتزعته المجموعة الدولية من السلطات البوسنية. فجاءت المحكمة من خلال مباركتها هذا الاعتقال غير الشرعي لتنزع بنفسها الصدقية عن قانون العفو وتقديم مساعدة غير مقصودة للقوميين الصرب الذين كانوا يدعون صرب ساراييفو الى الهجرة بحجة خطر الثأر البوسني.

بالرغم من اختلاف الظروف فإن اتهام السيد ميلوسيفيتش بالجرائم المرتكبة في اقليم كوسوفو يؤدي الى النتائج العكسية نفسها. فبحسب بيار هازان، مؤلف كتاب حول محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا [7] ، فإن ملاحقة الرئيس اليوغوسلافي قضائيا في 27 ايار/مايو 1999 في الاسابيع الاخيرة من حملة القصف على جمهورية يوغوسلافيا الفيديرالية لا يمكن تفسيره بالرغبة في تشريع عمل حلف الاطلسي بل بالحرص على منع المسؤولين الغربيين من التوافق مجددا مع السيد ميلوسيفيتش مع نهاية النزاع كما كانوا قد فعلوا مرة اولى في العام 1995. يبدو هذا التفسير مقنعا وهنا ايضا يمكن هذا الاجراء ان يبدو صائبا من وجهة نظر لاهاي لكن الملاحقة بدت في بلغراد ومن دون حاجة الى موقف ذهاني كأنها في الضرورة تبرير لعمليات القصف الجارية وساهمت في شكل واسع بافقاد محكمة الجزاء صدقيتها في نظر الشعب الصربي.

مع الوقت تعلّم مسؤولو المحكمة اخذ التوقيت والاوضاع المحلية في الحسبان عند اعلانهم عن الملاحقات او ممارستهم الضغوط على السلطات المحلية. هكذا فليس من باب الصدفة على الارجح ان افتتاح محاكمة السيد ميلوسيفيتش ترافقت مع اول الاعتقالات في صفوف البان كوسوفو من المتهمين بارتكاب جرائم حرب. لكن هذا يبقي المشكلة وإن كان يغيّر من طابعها. ففي سنواتها الاولى اعطت المحكمة عن نفسها صورة اقرب الى الاصطناع المحموم والاخرق بينما تعطي اليوم انطباعا بأنها تلجأ الى حسابات دقيقة تذكر بالعدالة اليوغوسلافية في زمن الماريشال تيتو.

ان هذه الخلاصة لا تشكل انتقادا مطلقا لقرارات المحكمة بل اشارة الى المأزق الذي تتخبط فيه. فاما ان تنسحب من السياسة وتنجز عملها من دون اخذ الظروف في الاعتبار وترجع لتقع في فخ السياسة على الشكل الذي وصفناه، واما ان تتحمل في شكل كامل مسؤولية انخراطها في السياسة وتتخلى تالياً عن الكثير من ادعاءاتها التاريخية والتعويضية. وفي الحالين تبدو محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا السابقة اداة لتحقيق العدالة والمصالحة والحقيقة دقيقة الاستعمال وذات احتمالات غير مؤكدة، ومجرد نسيان ذلك قد يحمل الضرر الكبير.



[1]   باحث في المركز الوطني للبحوث العلمية.

[2] 12 شباط/فبراير 2002

[3]   صعوبات عقلانية لا مخرج منها.

[4] في مطلع العام 2001 تعرضت البوسنة والهرسك الى ازمة سياسية خطيرة اثر مقاطعة المؤسسات المشتركة من  الحزب الكرواتي الرئيسي إذ اعترضت قياداته على تعديل قانون الانتخاب عشية انتخابات 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2000 وطالبت بإنشاء كيان ثالث كرواتي في البوسنة والهرسك.

[5] خلالها تمكنت القوات الكرواتية من صد القوات الصربية و"تحرير" كراجينا.

[6] كان الجنرال دجوكيك مسؤولا لوجستيا في الجيش الصربي وهو متهم بهذه الصفة بتنظيم نقل الرجال من سربرينيتشا الى اماكن تنفيذ الاعدام في حقهم. فكان يمثل في نظر محكمة الجزاء نوعاً من "ايخمان صربي" مع كل رمزية هذا التشبيه. وقد افرج عن السيد دجوكيك المصاب بالسرطان ولاسباب صحية بعد اشهر على اعتقاله وتوفي لاحقا في بلغراد.

[7] Pierre Hazan, La justice face à la guerre. De Nuremberg à La Haye, Stock, Paris, 2000.

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم