طبع المقال
تحميل المقال

الشرق الاوسط
السـلام الآن

انياسيو رامونه
Ignacio RAMONET

السلام، كل السلام، مقابل الاراضي، كل الاراضي. ان مشروع الامير عبدالله الذي صدر في شباط/فبراير وعُرض على القمة العربية في بيروت يتميز بالبساطة. تنسحب اسرائيل الى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، تستعيد سوريا الجولان، تقام دولة فلسطينية في غزة والضفة والقدس الشرقية. وفي المقابل تقيم الدول العربية الاثنتين والعشرين علاقات ديبلوماسية كاملة مع اسرائيل اضافة الى علاقات تجارية وتعهد بضمان امن حدودها [1] .

انسحاب كامل مقابل سلام كامل. اثارت هذه المعادلة الواضحة اهتماما محموما في الاوساط الديبلوماسية الدولية. بيد ان الاقتراح ليس بالجديد، فمبدأ مقايضة  السلام بالاراضي منصوص عليه في القرارين 242 (عام 1967) و338 (عام 1973) اللذين تبناهما مجلس الامن الدولي. كما ان هناك سابقة تتمثل في تطبيق هذا المبدأ بين مصر اسرائيل اثر الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس انور السادات الى القدس عام 1977 وتوقيع اتفاقية سلام بين البلدين. اعادت اسرائيل شبه جزيرة سيناء وفككت المستوطنات التي كانت قد اقيمت فيها رغم معارضة اليمين المتطرف.

كذلك، انطلاقاً من هذه المسلّمة عُقد مؤتمر مدريد عام 1991 وابرمت اتفاقيات اوسلو التي تمزق اليوم بين الاسرائيليين والفلسطينيين. بدورها مفاوضات كامب ديفيد في تموز/يوليو 2000 التي جرت مباشرة قبل الانتفاضة الثانية ومن بعدها محادثات "الفرصة الاخيرة" في طابا [2] في كانون الثاني/يناير 2001 ارتكزت جميعها ايضا على مبدأ مقايضة الارض بالسلام. 

لماذا تثير المبادرة السعودية هذا القدر من التفاؤل مع انها لا تحمل جديدا؟ لانها تأتي في التوقيت المناسب، لحظة اصابة دياناميات ثلاث بالانهاك المتزامن تجد في المبادرة السعودية حجة لحجب فشلها.

ما هي هذه الديناميات الثلاث؟ اولا استراتيجيا العنف التي اختارها الجنرال شارون لتطويع الفلسطينيين وارغامهم باسم مبدأ "اسرائيل الكبرى" الديني على قبول الاستيطان النهائي [3] فوق قسم من الاراضي التي تشكل في العرف الدولي جزءا من ارض فلسطين. لكن ما سعى اليه شارون وقيادة اركانه لم يتحقق رغم الاستخدام المفرط للقوة ولوسائل عسكرية غير متكافئة (بوارج بحرية، مقاتلات اف 16، طوافات مدرعة، دبابات ثقيلة) ضد سكان مدنيين غير مسلحين في غالبيتهم الساحقة. على العكس، فإن الاسرائيليين تكبدوا عددا غير مسبوق من الخسائر البشرية [4] وطاول التهديد امنهم حتى داخل اسرائيل الى درجة كبيرة.

بالاضافة الى ذلك فإن الجرائم التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي [5] خلال احتلاله مدن الضفة، اثرت كثيرا على صورة اسرائيل دوليا حتى انها اصابت بالاحباط المواطنين الاسرائيليين انفسهم [6] . فقد اعلنت منظمة "بتساليم" الانسانية في 12 آذار/مارس المنصرم: "في جميع المدن او مخيمات اللاجئين التي دخلوا اليها كرر الجنود الاسرائيليين الممارسات نفسها: اطلاق النار من دون اي تردد وقتل المدنيين الابرياء، التدمير المتعمد لشبكة مياه الشفة ومنشآت الهاتف والكهرباء، اجتياح المنازل الخاصة وتخريبها، اطلاق النار على سيارات الاسعاف ومنعها من نقل الجرحى...". في صفوف الجيش يزداد عدد الضباط الشجعان الذين يرفضون هذه الممارسات واحتلال فلسطين [7] . اخيرا تشير استطلاعات الرأي العام ان 60 في المئة من الاسرائيليين يوافقون على اخلاء عدد من المستوطنات و63 في المئة يؤيدون قيام دولة فلسطينية و67 في المئة غير راضين عن الجنرال شارون [8] .

الدينامية الثانية التي تصاب بالانهاك هي مقاومة الفلسطينيين. فحتى لو رفضوا الاعتراف بذلك فإن السكان ما عادوا قادرين على التحمل. فالاصابات كانت كبيرة اذ تمت تصفية عدد من قيادات المنظمات المسلحة باغتيالات مدبرة ودمرت البنية التحتية للدولة الفلسطينية الناشئة. يغذي هذا اليأس خطة العمليات الانتحارية الاجرامية ضد المدنيين في اسرائيل مما يصدم الرأي العام الدولي ويبقي قسما من الرأي العام الاسرائيلي في قبضة شارون.

وهؤلاء الذين من بين القادة الفلسطينيين ما زالوا يراهنون على الارهاب يتجاهلون الطابع الديموقراطي للمجتمع الاسرائيلي الذي يختار حكامه بحرية. وكلما تعرض للارهاب انحاز الى المتطرفين. آن الاوان كي تنطلق داخل المجتمع الفلسطيني حركة واسعة مناهضة للعنف يمكن ان تلتقي مع حركة السلام الاسرائيلية. هذا ما ترمي اليه مبادرة السيد ياسر عبد ربه مع السيد يوسي بيلين. وجميع استفتاءات الرأي تدل على وجود اكثرية في صفوف الشعبين ترغب في السلام والمصالحة.

اخيرا فإن الدينامية الثالثة التي تتعرض للانهاك هي الانحياز الاميركي لصالح اسرائيل. وقد تمكن نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني خلال جولته الاخيرة في البلدان العربية من ادراك حجم الانتقادات التي يتعرض لها موقف واشنطن الى حد استعداد "الشارع العربي" للتحرك. وهذا ما يحول دون قيام التحالف الضروري لشن الهجوم الكبير على العراق.

لذلك فإن الولايات المتحدة لم تكتف بالترحيب بالمبادرة السعودية بل روجت لها من خلال اصدار قرار عن مجلس الامن الدولي يحمل الرقم 1379 ويدعو الى "رؤية للمنطقة تتعايش فيها دولتان، اسرائيل وفلسطين، جنبا الى جنب وضمن حدود آمنة ومعترف بها".

يبدو ان الشروط اكتملت مرة اخرى للتقدم نحو وضع حد للنزاع. وتأمل شعوب المنطقة بالمعجزة وهي تحبس انفاسها. لكن مخرّبي السلام يتربصون في الظلام...



[1]   مصر والاردن وحدهما وقّعا معاهدة سلام مع اسرائيل.

[2] . اقراLe Monde diplomatique, septembre 2001

[3]   منذ انتخاب الجنرال شارون رئيسا للوزراء وفيما المواجهات الاسرائيلية ـ الفلسطينية لم تتوقف، استمرت عمليات الاستيطان اليهودية في غزة والضفة. ومنذ شباط/فبراير 2002 وخلافا لتقرير ميتشل الذي يطالب بتجميد الاستيطان تم انشاء 34 مستعمرة جديدة. انظرInternational Herald Tribune, 20 mars 2002

[4]   عند انتخاب شارون في شباط/فبراير 2001 كانت الانتفاضة قد اوقعت 50 قتيلا في صفوف الاسرائيليين وقد تجاوز العدد 350 في نهاية آذار/مارس 2002.

[5] كيف لا نفاجأ بغياب شبه تام للمواقف المستنكرة في وسائل الاعلام والمعارضة المدنية الضعيفة للحفلات التي نظمت دعما للجيش الاسرائيلي في العديد من المدن الفرنسية بعدما صنفت لجنة الامـم المتحدة لحقوق الانسـان (19تشرين الاول/اكتوبر 2000) ممارسات هذا الجيش في حق السكان الفلسطينيين على انها "جرائم حرب".

[6] Haiaretz, Tel Aviv, 13 mars 2002

[7] International Herald Tribune, 12 mars 2002

[8] Maariv, Jérusalem, 15 mars 2002.

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم