مثقفون
عديمو الشجاعة
فاليريو ايفنجليستي *
Valerio EVANGELISTI
هناك القليل من المثقفين البارزين يؤيدون الحكومة الايطالية الحالية. قلة من الكتاب والسينمائيين وأقل منهم في صفوف الرسامين والموسيقيين. فالسيد سيلفيو برلوسكوني يجنّد مناصريه في اوساط كتّاب الافتتاحيات في كبريات الصحف والاساتذة الجامعيين من امثال انجيلو بانيبيانكو وارنستو غالي ديلالوجي وباولو مييلي ...الخ. بين هؤلاء وبين المعلقين من الطرف المقابل نظريا لهم، اي حلف "شجرة الزيتون"، يقوم نوع من التضامن المهني المبني على رأي موحد في ما يخص منافع الليبيرالية المتوحشة والعولمة. فسواء حول الحرب في افغانستان او الحركة المناهضة للعولمة او الدفاع عن الحضارة الغربية في وجه البربرية وطرد المهاجرين او ايضا حول السياسة الاجتماعية، من الصعوبة في مكان الوقوع على اختلاف كبير في الرأي بين كتّاب الافتتاحيات في "لا ريبوبليكا" و"الاسبرسو" (جمينلو الفي، انطونيو بوليتو، يوجينيو سكالفاري، ماريو بيراني الخ...) وزملائهم في الصحف القريبة من الحكومة.
لكن انصار رئيس الحكومة نادرون في الواقع بين الكتّاب والسينمائيين وغيرهم من الفنانين. فالمجلة التي تقدّم له اكبر قدر من الدعم، "بانوراما"، وصلت الى حد اعتبار الصحافية اوريانا فالاتشي "اهم كاتبة في ايطاليا" بعدما كانت فالاتشي نشرت مقالة نقدية تعبّر فيها عن مشاعر كراهية عنيفة للاجانب وتدعو فيها القراء الى البصق على المسلمين وتصف الصوماليين (وهم على الارجح الاقلية الاقل تسببا للمشكلات في ايطاليا) والافارقة في شكل عام بأنهم في طبيعتهم قذرون جسديا ومعنويا. كذلك فإن الحكومة وفي غياب مرشح مؤهل عيّنت لادارة مهرجان البندقية للسينما (لا موسترا) والمعهد الوطني للسينما صناعيين غير كفوءين بينما تحول فيتوريو سغاربي الزلق اللسان سفيرا للثقافة الايطالية عبر العالم بعدما كان منذ اشهر فقط يقدم الاعلانات التلفزيونية لأحد اصناف البن ويعطي دروسا في الجاذبية الجنسية على اثير احدى الاذاعات.
ازاء هذا الفراغ كان يمكن التوقع ان يقدم المثقفون على اداء وظيفتهم النقدية والمعارضة الخاصة بوضعهم كمثقفين. لكن ذلك لم يصح الا جزئياً، والذين عمدوا من بينهم الى استنكار الاعتداءات على الشرعية (والمثال الابرز والاكثر دلالة هو ناني موريتي) لم يربطوها بمسؤولية حكومة برلوسكوني الطبقية ولا بطبيعتها، وهي تمثل البورجوازية الحديثة العهد المنبثقة من التجارة والخدمات وقطاع الاتصالات والمضاربات في سوق الاسهم كما ان هؤلاء المنتقدين لم يربطوها بالظروف الدولية المتميزة بالامبريالية والاستعمار الجديد. ما ينقص ايطاليا اناس من صنف بيار بورديو وغور فيدال وسوزان جورج. فالاعتراض يطاول عند حدوثه موضوعات محصورة.
في مطلق الاحوال، اي نقد يمكن توقعه من اشخاص يلتقون ايديولوجياً حول كل هذا العدد من المسائل؟ لا ينسى احد حملة الكراهية التي قادها الكاتب السابق المتمرد البرتو ارباسينو ضد المهاجرين ولا كون امبرتو ايكو اول الداعين الى خصخصة الجامعة.
مع ذلك فإن انحرافات الحكومة بادية للعيان ويفترض ان تثير الفضيحة. فالرأي العام الاجنبي لا يتلقى سوى الحالات الفاضحة التي تلقى استنكار احزاب يسار الوسط والمثقفين المقربين منها: رفض تأمين الحماية للقضاة الذين يحققون في قضايا المافيا، تغيير القاضي خلال التحقيق في قضية مرفوعة ضد السيد برلوسكوني ومحاميه السابق سيزاره بريفيتي، منع العقاب عن الجنايات التي تتهدد رئيس الوزراء ومعاونيه في قضية اتحاد ارباب العمل، "كونفندوستريا".
لكن حالات التعسف اليومية وفي الشؤون التفصيلية غالبا ما لا يتجاوز صداها الحدود. منها مثلا في منطقة بولونيا قيام احد نواب حزب السيد برلوسكوني ("فورسا ايكاليا") بتخصيص رقم هاتف مجاني للطلاب الراغبين في الابلاغ عن الاساتذة الذين ينتقدون الحكومة. وقد جرى اثر القضية تفتيش وزاري هدف الى التأكد من ان مدارس منطقة بولونيا تبرز كفاية تفوق الغرب على العالم الاسلامي وما اذا كان يتم الاحتفال فيه بعيد الميلاد بصورة لائقة. كما تسجل حالات مدوية مثل طرد 1500 شخص من المقيمين بصورة غير شرعية اعتقلتهم الشرطة في ليلة واحدة بعد مطاردتهم في الشوارع والمنازل الخاصة وعمدت الى طردهم مباشرة خارج الحدود: انها صيغة ايطالية لـ "ليلة البلّور" (النازية).
لم يلق ذلك كله الا الصمت لدى من يُحسب لهم حساب في عالم الثقافة بما ان ما يحدث هو في الغالب تطبيق لقوانين وضعها يسار الوسط ولم يعارضها المثقفون عند اقرارها. واذا ظهر اعتراض فإنما يكون موجها الى شخص رئيس الوزراء (الذي يستحق هذا النوع من النقد ولو ان ذلك لا يستوفي المسألة حقها) او يكون انتقادا لخرق فاضح للاطار الدستوري. صمت مماثل ايضا ازاء محاولة افساد المجتمع في العمق وعند اندلاع نزاعات حقيقية من شأنها زعزعة النظام السياسي.
كان المثقفون يديرون ظهورهم باشمئزاز لحركات المعارضة القائمة على ارض الواقع. فالطلاب كانوا يحتلون الثانويات والمدرّسون يتظاهرون في الشوارع استنكارا للاصلاح التربوي الجنوني الذي قامت به وزيرة التعليم ليتيسيا موريتي (وهي من قائمة طويلة من نساء الاعمال المعينات في مواقع استراتيجية)، انصار السلم يحركون مئات الألوف من المتظاهرين، العمال يكافحون ضد الصرف الكيفي المطلق والمهاجرون المهددون بقانون بوسيني ـ فيني الجائر يجوبون الشوارع. ذلك كله لم يثر اهتمام القسم الاكبر من عالم الثقافة وفي طليعته المتعجرفون المتباهون من الكتّاب الذائعي الصيت، الغائبين واللامبالين واحيانا حتى المعادين لما يجري.
بالطبع شكّل بعض الكتّاب غير المصنفين لدى الاكاديمية استثناء، إلاّ أن أياً من المثقفين في الاجمال لم يتساءل حول ما اذا كان تبني يسار الوسط للايديولوجيا النيوليبيرالية يحمل بذور انتصار برلوسكوني وحكومته. وما اذا كان بناء معسكرات الاعتقال لمن لا يحملون تأشيرات واوراق اقامة شرعية والتنظير لفائدة الحروب "العادلة" وتطوير اشكال العمالة الموقتة، يرسي اسس التداعي الرجعي المتوالي. نسمع انطونيو تابوكي واندريا كاميلييري يرعدان ضد عودة الفاشية ونصغي الى ناني موريتي يدين عجز زعماء المعارضة لكن اياً منهم لم يتساءل مرة من اين نبت ذلك كله.
وتبقى قضية جنوى في ايلول/سبتمبر 2000 ذات مغزى كونها الامتحان الكبير الاول لحكومة برلوسكوني علماً بأن مخرج الاحداث كان في المناسبة الزعيم الفاشي الجديد جيانفرانكو فيني. اعمال عنف لا تصدَّق في حق المتظاهرين الاكثر مسالمة، العودة الى ممارسة اشكال التعذيب، التحرش الجنسي بالمعتقلات من النساء، ثقة عناصر الشرطة بإفلاتها من العقاب رغم اسالتها الدماء في شوارع المدينة: كان المشهد من الفحش الذي يصعب تحمله. وقد نفذه موظفون في الشرطة اختارهم يسار الوسط نفسه الذي قدّم قبل اشهر تمرينا على المذبحة في مدينة نابولي وقام بتغطيتهم قضاة من الشائع اليوم ادانتهم او الدفاع عنهم كجسم واحد.
ومع ذلك ما هو عدد الكتّاب الذين رفعوا الصوت؟ كم منهم من الذين تتوافر لهم الامكانات عبّروا عما يشبه الاعتراض؟ فالسينمائيون الذين صوّروا احداث تلك الايام بقوا معزولين عن هؤلاء الذين يدعون من خلال الكتابة معرفة العالم معرفة خاصة ويفاخرون بالتصاقهم بالواقع بعدما كانت النزعة الواقعية تميز منذ امد طويل في نظر الاكاديميين الايطاليين الروايات الادبية "الكبرى" الى درجة وجد معها حتى ايتالو كالفينو ودينو بوزاتي صعوبة للاعتراف باعمالهما. مذ ذاك بات واضحا كيف ان نزعة "الحد الادنى" (المينيمالية) الادبية الاكثر تطرفا تطغى على الادب الايطالي المعاصر بسبب فقدان الافكار وافتقاد الشجاعة ايضا.
تكررت الظاهرة نفسها مع الحرب والعنصرية، فقلائل كانوا اولئك الذين اتخذوا موقفا علنيا ضد العار الافغاني ولو انهم كانوا في مجالسهم الخاصة يبدون معارضتهم بصوت خافت. فالكتّاب المعادون للعسكرة كانوا تائهين في تمارين انشائية لا طائل منها وفي نقاشات المقاهي اللاذعة يخوضونها بتأنق ولامبالاة فلم يجرؤوا على تحدي الكتائب المتراصة للمعلقين الصحافيين في وسائل الاعلام الكبرى الذين دعوا بالصوت الصارخ الى نوع من جهاد غربي مجنون ومقزز. حدث الشيء نفسه في ما يخص الصومال وكوسوفو وغيرها من المغامرات العسكرية التي شاركت فيها ايطاليا.
وليس المقصود هنا الصمت فقط على مستوى المقالات او المداخلات بل ان هذه الوقائع كما غيرها من الوقائع غائبة عمليا وقبل كل شيء عن مؤلفات الكتّاب الايطاليين. ماذا سيحفظ اذاً قراء المستقبل مما يُكتب اليوم في ايطاليا؟ اخشى انهم لن يحفظوا شيئا ولا اقصد فقط الادب "الواقعي" النبيل المرمى تحديدا. فعبثا تبحث في الاطار الايطالي عن اورويل او زامجياتين يكلمنا عن المستقبل في صيغة الاستعارة.
اما حول التمييز العنصري فلنأخذ مثلا عاديا يكشف تماما تجاور الايديولوجيات والاستمرارية في النهج التي هي في اساس التجربة السلطوية لحكومة برلوسكوني. فيوم الثلثاء 15 كانون الثاني/يناير نشرت صحيفة "كورييرا ديلا سييرا" مقالة صغيرة تحمل توقيع المدعو جيمينييلو الفي، وهو خبير اقتصادي عرف بتعاونه مع وسائل اعلام مرتبطة بيسار الوسط. كان النقاش في حينه يدور حول التلوث والضباب فجاء الباحث اللامع بأطروحته القائلة ان التلوث نتيجة طبيعية للنمو السكاني. فبعدما اطلق المعزوفة الشائعة ضد معارضي العولمة (المتهمين "بالقفز جماعيا كالملسوعين من رتيلاء")، يصل صاحبنا الى خلاصته وهي اننا نستورد ملايين المهاجرين الذين يلوثون الهواء.
قد لا يصدّق القارئ غير الايطالي ان اشياء من هذا القبيل تُنشر في واحدة من اكبر الصحف الايطالية، فحتى السيدان يورغ هايدر وجان ماري لوبن مع موافقتهما على عدم استقبال مهاجرين جدد لن يقبلا بتتمة المقال لما يحتويه من سخافة. لكن هذا هو الدرك الذي انحدر اليه متوسط مستوى معلقينا الذين يبثون الكراهية ـ العنصرية او الطبقية او الدينية ـ يوميا من على صفحات الجرائد المجاملة.
ويهاجمون بعنف منقطع النظير كل من يقاوم في هذا العالم المتجمد اخلاقيا وهم يتشبثون بالمثالية. هذا ما يوحد بين معسكرين متعارضين في الظاهر. فيسار الوسط تبع البورجوازية الصاعدة في تخليه عن اي فكرة تضامنية وجعل من النيوليبيرالية الايديولوجيا الوحيدة التي يمكن تصورها. وقد اكتسب يمين الوسط هذا الميراث مضيفا اليه لونا فاشيا جديدا وفظاظة ما بعد الحداثة.
هل يدركون اخيرا ان برلوسكوني ظاهرة غير طبيعية ولو انها ليست معزولة على الاطلاق؟ لا يبدو انهم سيدركون نظرا الى ارتباكهم امام التفاهم الذي حصل بين برلوسكوني والسيد طوني بلير. لكن اللحظة الحاسمة كانت في جنوى. فمن صمت في تلك اللحظة او اكتفى بالهمس سيستمر في صمته واصما الثقافة الايطالية بوصمة التخاذل التي لا تمحى.
[1] كاتب ايطالي له مؤلفات في الخيال العلمي، آخرها Cherudek, Rivages, Paris, 2000, et Métal hurlant, Rivages, Paris, 2001
|
http://www.mondiploar.com/ |