في ظل توسيع الاتحاد الاوروبي
مفاوضات
اللحظة الاخيرة حول قبرص
نيلز كادريتسك *
Niels KADRITZKE
الطاولة المستديرة صغيرة جدا لكن الاجواء واعدة. فحسين وجيورجيوس وايليني ومحمد ينادون أحدهم الآخر باسمه الاول كما يجدر بالمسؤولين السياسيين القبارصة ان يفعلوا عادة. يدور المشهد في فندق ليدرا الفخم في نيقوسيا ضمن نطاق الامم المتحدة. ويناقش هؤلاء المسؤولون افضل السبل لتعزيز الثقة بين قسمي قبرص اليوناني والتركي. وبما ان الطاولة صغيرة فإنهم يجلسون متلاصقين اشبه بحلقة من مناجي الارواح ينادون الروح الضاربة علها تجد لهم حلا للمسألة القبرصية.
لكن هنا لا وصفة سحرية علما بأن المفاوضات الحاسمة تجري في مكان آخر. في مركز قيادة الامم المتحدة في مطار نيقوسيا المهجور حيث يتواجه منذ 16 كانون الثاني/يناير كل من الرئيس القبرصي غلافكوس كليريدس والسيد رؤوف دانكطاش في محاولة اخيرة للخروج من مأزق دام 28 عاما وذلك في حضور ممثل الامم المتحدة الفارو دي سوتو. لدى وصوله الى مركز المفاوضات يترجل السيد دنكطاش من سيارة ليموزين ترفع علم الجمهورية التركية لشمال قبرص وهنا لب المشكلة: هل تتحول الجزيرة فيديرالية كما تنص عليه قرارات الامم المتحدة ويطالب به السيد كليريدس ام كونفيديرالية بين دولتين كما يطالب كل من السيد دنكطاش والحكومة التركية؟
الجمهورية التركية لشمال قبرص محمية تركية ترتبط ماليا بانقرة وتعاني من تضخم العملة التركية ويحرسها 35 الف جندي تركي يأمر قائدها حتى الشرطة ورجال الاطفاء [2] . ويجعل السيد دنكطاش من الاعتراف بجمهوريته الشرط الاساسي لاي بناء كونفيديرالي. هناك نموذج آخر يقود الى فيديرالية بمنطقتين، فالدولتان العضوان، اليونانية والتركية، تتمتعان بحكم ذاتي واسع لكنهما تشكلان ازاء القانون الدولي "كيانا" واحدا. بعدما اعترض على هذا الاقتراح، انسحب السيد دنكطاش من المفاوضات التي ترعاها الامم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2000 معلنا انه لن يعود الا اذا تم الاعتراف بـ"دولته".
بعد عام من الزمن يعود الى المسرح كأنه لم يضع شروطا. "المخرج موجود في انقرة"، يقول حسن حستورير المعلق في صحيفة "كبريس" (نيقوسيا). مجلس الامن القومي التركي نفسه الذي سحب "بيدقه" ارجعه الى الساحة [3] . لكن هذا المجلس يتخذ قراراته تحت ضغط الحوادث، والعامل الحاسم هو الدخول القريب لقبرص في الاتحاد الاوروبي. فيبدو ان تركيا ادركت ان بروكسيل جادة في تطبيق اعلان قمة هلسنكي في كانون الاول/ديسمبر 1999: سوف تدخل قبرص الى الاتحاد الاوروبي وإن لم تصل مشكلتها الى حل شرط ان لا يكون الجانب اليوناني مسؤولا عن فشل المفاوضات. لكن هذا الاحتمال يبقى غير وارد طالما ان الجانب التركي يقاطع هذه المفاوضات. هذا هو السر وراء عودة "الرئيس" دنكطاش [4] ...
من بين المرشحين للانتساب الى اوروبا من الموجة الاولى في كانون الاول/ديسمبر 2002، فإن قبرص اول من يطبّق دفتر شروط هذا الانتساب [5] واذا تم ابعاد هذا المرشح النموذجي لاسباب سياسية فإن عملية التوسيع تصبح مهددة برمتها لان اليونان ستمارس حق النقض في حال عدم ورود قبرص ضمن اللائحة. وهذا ما يقلق الدول الخمس عشرة الاعضاء في الاتحاد اكثر من تهديد حكومة اجاويد بضم الجزء الشمالي من الجزيرة في حال دخول الجزء الجنوبي الى الاتحاد وهذا ما يعتبره غالبية المسؤولين الاوروبيين دليل ضياع ولو ان البعض يرى فيه املا بإبعاد تركيا نفسها عن الانتساب الى اوروبا في حال ضمها اراضي تعود وفق القانون الدولي الى احدى الدول الاعضاء في الاتحاد، اي قبرص اليونانية...
ان القوى التي تراهن على اوروبا داخل المجتمع التركي تدرك الأخطار المترتبة على هذا المأزق وتحذر من التضحية بدخول تركيا الى الاتحاد على مذبح المصالح القومية في قبرص [6] . كما ان الازمة الاقتصادية في تركيا شكلت حجة اضافية في هذا الاتجاه حتى في شمال الجزيرة حيث لم يعد الشبان القبارصة الاتراك يجدون لانفسهم حلا سوى بالهجرة او بدخول قبرص كلها الى الاتحاد الاوروبي. فالبنسبة اليهم ان مقاطعة المفاوضات تعني القضاء على املهم الوحيد فجاءت ردة فعلهم على استئناف المحادثات مزيجا من التفاؤل والتشكيك. ترغب غالبية القبارصة الاتراك التوصل الى حل اوروبي لكنها تشك في ان يكون السيد دنكطاش ومعلموه في انقرة قد تخلوا عن اهدافهم القديمة.
وفي الواقع لم يسجل حتى الان اي تراجع. ففي آذار/مارس 2002، وفي رسالة موجهة الى نظرائه الاوروبيين في دول الاتحاد، يؤكد وزير الخارجية التركي اسماعيل جيم وباسم ما يشهده العالم من اتجاه للتفريق بين الاتنيات، قيام "دولتين (في قبرص) منفصلتين ومتساويتين تتمتع كل منها بسيادتها" وقادرتين على تأسيس "دولة شراكة" اي كونفيديرالية ضعيفة الروابط حتى اشعار آخر [7] . في المختصر تمثل مفاوضات نيقوسيا حتى الآن خيبة أمل لهؤلاء الذين توقعوا منها اختراقا وهم: مبعوثو الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والحكومة اليونانية التي تسعى الى تثبيت سياسة الانفراج مع انقرة من خلال اتفاق حول قبرص وايضا الولايات المتحدة التي تريد النجاح لـ"حليفها الاستراتيجي" التركي في انتسابه الى الاتحاد الاوروبي. لكن المراقبين المطلعين يتوقعون قيام السيد دو سوتو في شهر حزيران/يونيو على ابعد حد بمواصلة اللعبة الديبلوماسية من خلال اقتراحات شاملة.
حتى في هذه الحال فإن انقرة هي التي سوف تقرر انجاح او إفشال المفاوضات في وقت يعلو اكثر فأكثر صوت القوى المشككة في جدوى التوجه الاوروبي داخل حكومة السيد بولنت اجاويد مع حزب العمل القومي من اليمين المتطرف [8] . لكن الحل والربط يبقيان في يد الكتلة العسكرية الحاكمة حيث عبر الامين العام للمجلس الامني الجنرال تونكر كيلينك في 7 آذار/مارس وللمرة الاولى في صورة علنية عن موقف مناهض لاوروبا لدى شريحة من الجيش تخشى على سلطتها من جراء التوجه الديموقراطي الذي يفترض ان يتخذه النظام [9] . وكان التعبير عن موقف العداء هذا قد بدأ ولكن بين السطور في نشاطات "الدولة الداخلية" اي اجهزة الشرطة والمخابرات. فالقوميون المتطرفون داخلها هم الذين اقدموا مثلا على نشر المراسلات بالبريد الالكتروني الخاصة بممثلة الاتحاد الاوروبي في انقرة والتي من شأنها وقف التأييد للفكرة الاوروبية في اوساط الرأي العام.
وستكون هذه المعركة حول اوروبا داخل المجتمع التركي حاسمة بالنسبة الى المفاوضات حول قبرص اكثر من رغبة سكان الجزيرة الاتراك المستعدين اليوم قبل الغد للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. فحول هذه النقطة تحظى المعارضة بالغالبية الواضحة بينما لا تتعاطف مع السيد دنكطاش سوى اقلية من الرأي العام [10] . وتعتبر هذه القوى، ومن بينها النقابيون وايضا اللجنة الجديدة لغرفة التجارة ،ان التسمية التي ستطلق على النموذج القبرصي امر ثانوي لعلمها ان الانتساب الى الاتحاد الاوروبي لا يمكن ان يحصل من دون قيام فيديرالية. لذلك تنكب على دراسة النموذج البلجيكي الذي يضم ايضا جماعتين قوميتين ولغويتين [11] .
لكن حتى المعارضة تشدد على مبدأ يقول بأن امن القبارصة الاتراك يمر عبر المحافظة على غالبية سكانية تركية في شمال الجزيرة ومرابطة قوة عسكرية تركية ولو رمزية فيها. وهذا ما ترفضه اكثرية القبارصة اليونانيين في شكل مطلق. طرحت بعض التسويات حول طاولة فندق ليدرا الصغيرة الحجم ومنها مثلا وفي سياق الرد على فكرة مرابطة قوات تركية والتي يعتبرها الشمال ضماناً والجنوب تهديدا، فكرة استقدام قوات حماية دولية او اوروبية تقوم بمهام المراقبة الطويلة المدى لانشاء هذه الفيديرالية وتضم في صفوفها كتائب تركية ويونانية.
في الملفات الاخرى ايضا يتسلل الشيطان الى التفاصيل. فكيف يصار الى تحديد القطاعين؟ هل يحق للاجئين من الطرفين العودة من دون التسبب بعمليات تهجير جديدة؟ مَن من المستوطنين الاتراك يحق له البقاء في شمال الجزيرة؟ انها مسائل يمكن التوصل الى حلها اذا ما تم الانتقال من المبادئ المجردة الى الواقع الملموس. هكذا فإن حق العودة المطلق ليس سوى وهم وخصوصاً ان القليل من اليونانيين او الاتراك يرغبون في الاقامة في "الجانب الآخر" حتى في ظل دولة فيديرالية. فغالبيتهم تجذروا في مكان آخر الى حد ان "موطنهم الاصلي" لم يعد على ما كان عليه. إضافة الى ذلك فإن نظام القطاعين سيخلق وقائع جديدة اذ سيكون على من يريد الاقامة في المنطقة الاخرى ان يتعلم لغة الآخر ويتعرف عليه لكي يتمكن من الاتصال بالجيران والسلطات. لكن هذه الثنائية اللغوية العامة لن تتطور الا ببطء شديد وعلى قاعدة ارادية. وهذا امر جيد لان "التوحيد" مسار طويل المدى لا ينجح الا بتجاوز النظرة القومية الضيقة [12] .
ان مقاربة واقعية من هذا القبيل لشروط قيام الفيديرالية الجديدة لا تشكل جزءا من الخطاب السياسي للمسؤولين القبارصة اليونانيين. فقلة منهم تنجح في كسب ثقة القبارصة الاتراك وهي ثقـة لا امل بدونها في نجاح نظام المقاطعتين [13] . فلم يجرؤ اي منهم على التأكيد ان نظاما فيديراليا منضويا في الاتحاد الاوروبي سيمثل "الجمهورية القبرصية الثانية"، اي تغييرا جذريا بعد فشل "الجمهورية الاولى" التي تقاسمت فيها الطائفتان المسؤولية. ان اللامبالاة النسبية التي يتابع بها القبارصة اليونانيون مجرى المفاوضات تعكس الاقتناع بأن الجزيرة ستنضم الى الاتحاد الاوروبي سواء نجحت المفاوضات ام فشلت. وهذا ما يشكل بالنسبة اليهم اكثر من جائزة ترضية كون اهل القطاع الجنوبي يعتبرون الاتحاد نوعا من "قوة أمن" ضامنة لوجودهم. بينما يبرهن التفاؤل اليائس في الجهة الشمالية المقابلة ان وجود الطائفة التركية نفسه على المحك. ففي حال الوصول الى المأزق لن يبقى امامهم سوى حل بائس يقوم على الانتساب الفردي الى الاتحاد الاوروبي كون القبرصي التركي قادراً على الحصول على جواز سفر قبرصي يخوله التحول الى مواطن في الاتحاد الاوروبي. اما النقص الديموغرافي المترتب على ذلك في الشمال فيتم تعويضه بمستوطنين قادمين من الاناضول [14] .
لم تقدر غالبية القبارصة اليونانيين حتى الآن المفاوضات حق قدرها وهي اكثر اهمية مما يعتقدون كون الفشل فيها يؤدي الى التقسيم النهائي للجزيرة وإدخال تغييرات على القطاع الشمالي تلغي حتى الرغبة لدى الجنوبيين في التوحد معه حتى بدون ضم رسمي الى تركيا. ومن اجل الانتقال بحرية الى القطاع الآخر، على القبارصة اليونانيين انتظار انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. لكن تأثيرهم على ذلك معدوم اذ ان العاملين الحاسمين في هذا الانتساب هما قدرة المجتمع التركي على التكيف مع الديموقراطية وارادة اوروبا ضم تركيا الديموقراطية هذه الى اتحادها.
[1] صحافي، برلين.
[2] اقرأ… Rêve diEurope dans le nord de lle î, Le Monde diplomatique, septembre 1998
[3] في نهاية المطاف ان هذا المجلس هو الذي يبت جميع "المسائل الوطنية". اقرأEric Rouleau, … Ce pouvoir si pesant des militaires turcs î, Le Monde diplomatique, septembre 2000.
[4] اعاد المسؤول عن توسيع الاتحاد المفوض غونتر فرهوغن تأكيد هذا الموقف مرارا: ان اعلان هلسنكي لا يجعل من ايجاد حل للمشكلة التركية شرطا مسبقا لانضمام الجزيرة الى الاتحاد الاوروبي الذي سيتخذ قراره في النظر الى مجمل المعطيات.
[5] مجموعة المبادئ والمعايير والقواعد والاهداف الخاصة بالاتحاد الاوروبي والتي يفترض بالمرشحين ادخالها الى تشريعاتهم قبل الانضمام الى الاتحاد.
[6] تقدم منظمة ارباب العمل "توسياد" صراحة حل المشكلة القبرصية كشرط للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. كذلك ينظر المعلقون في صحف "ميلييت" و"صباح" وTurkish Daily News (اسطنبول) اضافة الى ديبلوماسيين سابقين ووزير الخارجية الاسبق ايلتر تركمان.
[7] انظرIsmail Cem, … A common vision for Cypriots î, The International Herald Tribune, Paris, 14 mars 2002.
[8] يتعاون هذا الحزب كما "الذئاب الرمادية" في شكل وثيق مع السيد دنكطاش منذ عقود.
[9] انظرTurkish Daily News, 8 et 9 mars 2002.. حول تأثير مصالح القوى القومية وايديولوجيتها والتي تعتبر انقرة "قوة آسيوية ـ اوروبية" متحالفة استراتيجيا مع الولايات المتحدة، اقرأ Murat Belge, … Europa 2030 î, Sdosteuropa Mitteilungen, Munich, édition spéciale 1/2002, et Heinz Kramer, … Die Trkei und der 11. September î, Sdosteuropa-Mitteilungen, 4/2001
[10] الحزب الشعبي الجمهوري، حزب التحرير البلدي وحركة الوحدة الوطنية.
[11] تضم بلجيكا ايضا اقلية صغيرة ناطقة بالالمانية.
[12] كذلك تنص المشاريع السابقة للامم المتحدة على تأجيل عودة اللاجئين وقد يقبل الاتحاد الاوروبي في صورة استثنائية بذلك.
[13] نجد الاستثناء في شخص السيد جورجيوس فاسيليو المسؤول في جمهورية قبرص عن المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي ويكتسب صدقية في اوساط القبارصة الاتراك بسبب رفضه اعتماد اي خطاب قومي متطرف.
[14] منذ سنوات تقدم ألوف من القبارصة الاتراك بطلب الحصول على جواز سفر قبرصي في سفارات الجمهورية. وهذا العدد على ازدياد ففي الفصل الاول من العام 2002 بلغ 2000.
|
http://www.mondiploar.com/ |