طبع المقال
تحميل المقال

العاب الازمة في تركيـــا

       نيكولا مونسو *    
Nicolas MONCEAU

وصلت موجة برامج التلفزة "الواقعية" الى تركيا بعدما اجتاحت مجمل البلدان الغربية، وقد سجل هذا النوع من البرامج على عشر محطات وطنية اكبر نسبة من المشاهدين في العام 2001 واثار جدلا شديد اللهجة. وقد لقيت الظاهرة صدى اضافيا مع تفاقم الركود الاقتصادي والمالي الذي يضرب تركيا منذ شباط/فبراير 2001 في شكل لم يسبق له مثيل.

اكثر من مليون عاطل اضافي عن العمل، تضخم سنوي بنسبة 80 في المئة و40 في المئة من السكان يعيشون بدخل يومي يبلغ 1،5 دولار: تلك هي الارقام الاخيرة التي اعلنتها وزارة العمل والتي تعكس وضعا متفجرا للغاية. نتيجة لذلك انتشرت برامج الالعاب المتلفزة ذات الارباح الضخمة والقائمة قبل كل شيء على التلصص وعرض الذات: "من يريد 500 مليار؟" وكان اسمه "من يريد 125 مليار" قبل خفض سعر العملة، "المسني"، "اجعلني اطير" او ايضا "قبلة المساء" كلها برامج لقيت اقبالا كاسحا من المشاهدين ومن المرشحين المستعدين للقيام بكل ما يطلب منهم كسبا للمال السهل المنال [2] . لكن البرامج التي ميزت بدون شك العام 2001 فهي "102 مليون" و"هناك من يراقبنا" وهما اقتباسان نموذجيـان لمفهوم  "الاخ الاكبر" [3] في تركيا اليوم. 

اطلق برنامج "102 مليون" في حزيران/يونيو 2001 من المحطة الخاصة "قنال د" وهو يمثل الازمة الاقتصادية والمالية. ويقوم مبدأ هذه اللعبة غير المسبوقة على المنافسة بين متباريين لتمضية شهر كامل في اسطنبول وفي حوزة كل منهما 102 مليون ليرة تركية فقط اي ما يساوي 100 يورو اي المبلغ الصافي للحد الادنى للاجور في حينه. وتقوم حوالى عشر كاميرات بتصوير المتنافسين دون انقطاع ومراقبتهما كيف يدفعان نفقات الحياة اليومية من مأكل وفواتير وتسلية باستثناء بدل الايجار. ويحصل الفائز على 25 مليار ليرة تركية (حوالى 25 الف يورو) وسيارة.

تعكس الشاشة الصغيرة جزءا من عبء الازمة المتزايد، فالمتبارون يجهدون للحد من النفقات الغذائية (تظهر على الشاشة لائحة اسبوعية بالمشتريات واسعارها) او يقصدون مراكز عملهم سيرا على الاقدام توفيرا لنفقات النقل او انهم يستنبطون الحيل للخروج من وضعهم الصعب. انهم يكشفون على هذه الصورة النقاب عن واقع لم ينتبه اليه احد الا وهو المصير اليومي لملايين من مواطنيهم.

ان حيثيات هذه الصيغة المقتبسة عن "الاخ الاكبر" وطبيعة المنافسة التي تفرضها، تثير التساؤلات عندما تتوجه الى جمهور المشاهدين من ضحايا الازمة الاقتصادية المنتمين الى "تركيا الاخرى" التي يدّعي البرنامج التضامن معها حيث يقدم لها نموذجا مثاليا للبقاء على قيد الحياة. اما مواصفات المتنافسين (شاب وشابة في العشرين، غير متزوجين او طالبان او من حاملي الشهادات العاملين) فلا تنطبق على اصحاب الحد الادنى للاجور وهم في غالبيتهم من العمال وربات العائلات الكبيرة من الذين لا يحملون الشهادات والمنتمين الى جيل اكثر تقدما في السن. وبحسب رغبة منتجها فإن الهدف من هذه اللعبة غير القابلة للتحقيق في الواقع اظهار امكان العيش في تركيا بمدخول من هذا المستوى اذا ما تحرر المرشحون من الايجار وبقية الاعباء العائلية. هذا الاخراج التلفزيوني لحياة ملايين البائسين اليومية تحت نظر اصحاب الامتيازات البعيدين كل البعد عن هذا الواقع الاجتماعي، يبرهن عن لامبالاة النخبة ازاء الفروقات الاجتماعية المتعاظمة. كما يشير ايضا الى انعدام مسؤولية وسائل الاعلام التي تحوّل الازمة الاقتصادية الى لعبة كأنها تخوض مغامرة في بلاد مجهولة او كأنها تضطلع بمهمة مستحيلة مليئة بالأخطار.

من جهته، برنامج "هناك من يراقبنا" الذي اطلق في شباط/فبراير 2001 من على المحطة الشعبية الخاصة "شاو تي في"  انتهى في 19 ايار/مايو 2001 بعدما حقق نجاحا باهرا وجذب انظار تركيا برمتها واثار جدالا فريدا من نوعه. وقد اعتمد مبدأ مشابها للنماذج الغربية حيث حبس 15 من الشبان تحت رقابة الكاميرات فيما المطلوب منهم المثابرة والغاء واحدهم الآخر حتى الفوز بـ 100 مليار ليرة تركية (حوالى 100 الف يورو). وقد اظهر النقاش العنيف الذي اثاره اقتحام "الاخ الاكبر" المشهد السمعي ــ البصري مدى التناقضات واحوال التوتر التي تعيشها الشبيبة اليوم. فأي تصورات حملها هذا البرنامج وكيف يمكن قياس تأثيرها على المشاهدين في بلد لم يتجاوز اكثر من نصف سكانه الـ 65 مليوناً عمر الخامسة والعشرين؟

فبينما كان مفهوم "الموزاييك الثقافي" الموروث من السلطنة العثمانية قد بدأ منذ فترة يبرز في النقاش السياسي الاجتماعي، اعاد تشكيل مجموعة المرشحين المختارين اثارة مسألة التنوع هذه وطابعها التمثيلي من خلال وسائل الاعلام. فلا اثر للاكراد او للعلويين بل يتكون "البيت" من شبان متحدرين من المناطق الغربية ويمثلون نمط الحياة المديني الغربي والحديث. كما ان الوضع الاجتماعي للمتبارين وجميعهم من حملة الشهادات الجامعية او من الساعين اليها، يتعارض بوضوح مع المستوى العام للتعليم حيث يمكن احصاء 16 في المئة من الاميين في صفوف الراشدين (25 في المئة من النساء) بحسب تقرير جديد للبنك الدولي [4] بينما تابعت نسبة 2،5 في المئة من السكان فقط دروسا جامعية. فمن خلال اقصار التنوع الانساني التركي على الفئة الاكثر تغربا، يرسم البرنامج عن الشبيبة صورة غير متوازنة ومثالية خصوصا بالنسبة الى غالبية المشاهدين من اصول اناضولية.

ان هذه الصورة المنقحة تجعل "شرق" البلاد الفقير والتقليدي يتأمل "الغرب" الثري والحديث. واذ تتحول الشاشة الصغيرة الى مرآة "المجتمع الخيالي" كما يقول بندكت اندرسون [5] ، فانها تعكس هنا صورة للحداثة الغربية تتركز فيها الاحلام والتهويمات كما الاحباطات التي يعانيها شعب لا يجد فيها اي فائدة تذكر. وبدل ان يستنكر الفروقات الاجتماعية المتعاظمة يعزز هذا البرنامج القطيعة الاجتماعية بين المستفيدين من مكاسب الحداثة (ابطال البرنامج) والمبعدين عنها (المشاهدين).

اما آلية المنافسة وخصوصا طريقة اخراج المتبارين فأظهرت استمرار تأثير نظام القيم الاخلاقية والدينية في بلد اسلامي تقليدي. فإضافة الى عدم عرض اي مشاهد جنسية كالتي يتضمنها البرنامج في بلدان اخرى، فإن على المتبارين ان يحترموا ايضا السلوك الاخلاقي المطابق للتقاليد الاجتماعية كي لا يتعرضوا للعقاب. هكذا وافقت النسبة الكبرى من المشاهدين على اقصاء هوليا، ربة الاسرة البالغة من العمر 36 عاما والتي تتقاسم غرفتها مع منافسها مليح الذي هو من عمر اولادها، وقد اعتبر تصرفها "منافيا لمبدأ حماية بنية الاسرة التركية والاخلاق العامة". وقد تلقى المجلس الاعلى للاذاعة والتلفزيون (هيئة الرقابة النافذة والتي تثير معارضة الكثيرين) حوالى 3 آلاف شكوى وهو رقم قياسي في تاريخ التلفزيون التركي، مما اضطر هذا المجلس الى ايقاف برامج محطة "شاو تي في" ليوم كامل. اما مقدّمو الشكاوى فنسبة الثلثين منهم من الرجال وبينهم حوالى مئة نائب وخمسة وزراء.

اذا كانت الشبهة قد القيت على طريقة اختيار المرشحين فإن مضمون الجدل تمحور حول الصورة التي ينقلها البرنامج عن الشباب التركي الذي يظهر منفصلا تماما عن واقع البلاد ولامباليا حيال ما يواجهه من مشكلات، فالمتبارون يعلنون عدم اكتراثهم بالسياسة وقرفهم من الحياة العامة "القذرة" او "الفاسدة". فهؤلاء الفرديون ينزعون في العمق الى الثراء السريع وتحقيق الشهرة الاعلامية في نهاية البرنامج. فبعدما عاشوا تحت الاضواء تحول بعضهم نجوما من امثال طارق الذي اصبح  مغنيا او مليح وايراي المشاركين في مسلسلات تلفزيونية لا طعم لها. وقد تم ترصد جميع حركاتهم وتنقلاتهم بحيث لم يعد في امكانهم التجول دون ان يطاردهم حشد من المعجبين الهستيريين. اخيرا، فإن مرجعية المتبارين الثقافية تعبّر عن ضياع الجذور التقليدية لصالح ثقافة تلفزيونية تمثل احد وجوه ثقافة شعبية  منتشرة منذ عقد من الزمن بفعل تعاظم تأثير وسائل الاعلام، وخير شاهد عليها تكاثر المجلات الاجتماعية التي تنقل اخبار الحياة الخاصة للمشاهير من النجوم. وقد بدا العالم الفكري للمشاركين في نظر العدد الاكبر "سطحيا" و"قابلا للتأثر" او يفتقد "الروح والمرجعية" او حتى "متهافتا" تحت تأثير عملية التثاقف المتراكمة.

فالشبان والشابات في برنامج "هناك من يراقبنا" يجسدون في شكل من الاشكال "جيل اوزال" المولود مع انقلاب 12 ايلول/سبتمبر 1980 والذي ترعرع في جو الاصلاحات السياسية التي ادخلها رئيس الوزراء تورغوت اوزال وادت توجهاتها الليبيرالية والانفتاحية الى تغيير عميق في العقلية التركية. فمديح مجتمع الاستهلاك او السعي الى السعادة الفردية، كما يعبر عنها مرشحو البرنامج، كلها براهين على تقديس المال الذي تحول قيمة في حد ذاتها تحت تأثير الليبيرالية الاقتصادية مضافة الى امركة انماط الحياة.

ومن باب الصدفة تزامن اطلاق البرنامج مع انفجار الازمة الاقتصادية والمالية في شباط/فبراير الماضي مما ألقى الضوء، بالمجهر وبالصورة المضخمة، على الفارق المثير بين وضع البلاد المأسوي واللامبالاة الانطوائية التي برهن عنها المشاركون في البرنامج طوال اشهر من الزمن.

فبدل ان يشكل مرآة أمينة للمجتمع التركي اظهر البرنامج ، وخصوصا من خلال الانقطاع بين اقلية حديثة من اصحاب الامتيازات والغالبية التقليدية من المشاهدين، الضياع الاخلاقي وازمة الهوية الثقافية التي يعانيها شباب اليوم الممزق بين ميراث ثقافي تركي ـ اسلامي عريق لا يتماهى معه والسعي الى حداثة غربية قدمتها الجمهورية العلمانية (اتاتورك) على انها نموذج مطلق يحصد المجتمع يوما بعد يوم نتائجه الخبيثة. 

   

 



[1] استاذ في جامعة غلطا سراي، اسطنبول.

[2] جمع برنامج "المسني" حول الجائزة المتمثلة في سيارة عشرة متبارين مضطرين لابقاء يدهم فوق غطاء السيارة ولو ضمن قفاز لاطول فترة من الوقت. وقد تميزت المباراة بمشاهد اغماء وذرف للدموع وهلوسات اعتبرت بمثابة ضغوط على المرشحين الذين بلغ رقمهم القياسي في لمس السيارة 95 ساعة. وعلى غرار فيلم "انهم يطلقون النار على الجياد" لهوراس ماك كوي، تضمن برنامج "اجعلني اطير" مباراة في الرقص حتى الاعياء ...

[3] اقرأ Ignacio Ramonet, …Big Brotherî, Le Monde diplomatique, juin 2001

[4] The World Bank Group in Turkey: http://www.banquemondiale.org/regions.htm

[5] . Benedict Anderson, …Liimaginaire nationalî, La Decouverte, Paris, 1996

http://www.mondiploar.com/

جميع الحقوق محفوظة 2001© , العالم الدبلوماسي و مفهوم