
مقالات > حزيران/يونيو > 2007نقاشاتإيريك هولتز جيمينيزالخرافات الخمس للتحوّل نحو المحروقات الزراعية لم تكن الحاجة إلى مصادر جديدة للطاقة ملحّة يوماً كما هي عليه الآن. فالنفط والفحم والغاز تساهم في تسخّن الأرض، لاسيما النفط والفحم. ويعتبر بعض الخبراء أن مخزون المحروقات الجوفية لن يدوم أكثر من أربعين أو خمسين عاماً. حتى وإن أخطؤوا التقدير ببضعة عقود، فإن ذلك لن يحلّ مشكلة الطاقة في المستقبل. وفي الانتظار، تشتعل أسعار البترول... لكن كيف يمكن التحرر من الحاجة إليه؟ من دون الرجوع إلى العام 1890، عند ابتكار أول محرّك يعمل بزيت الفستق، بات معروفاً بأنه يمكن إنتاج "وقود عضوي (بيولوجي)" بواسطة مواد زراعية لا تحصى: الشجر ذو النمو السريع، قصب السكّر، الذرة، الكولزا، الصويا، الخ. وملايين البرازيليين، في سلوك رائد، يستخدمون منذ غداة الأزمة النفطية الأولى في العام 1975، سيارات تعمل على الإيثانول (الكحول الإثيلي) - المستخرج من قصب السكّر - والبنزين، أو على الاثنين معاً. هذا ما يطرح على جدول الأعمال اللجوء إلى مصادر الطاقة هذه. في هذا السياق، قررت الولايات المتحدة أخيراً خفض استهلاكها النفطي بنسبة 10 في المئة، عن طريق إدخال الإيثانول في البنزين المبيع في البلاد. وينوي الاتّحاد الأوروبي استبدال 5،75 في المئة من استهلاك البنزين والديزل بالوقود البيولوجي حتى العام 2010، على أن يرتفع المعدّل إلى 20 في المئة مع حلول العام 2020. لكن زيارة السيد جورج والكر بوش إلى البرازيل، في آذار/مارس 2007، أثارت سجالاً حول "الوقود الزراعي". وقد لقي اقتراح الرئيس الأميركي بإنشاء منظمة للدول المنتجة للوقود البيولوجي - البرازيل والولايات المتحدة تسيطر على 72 في المئة من الإنتاج العالمي - ترحيباً لدى نظيره السيد لويس إيناسيو "لولا" دا سيلفا. وقد دعا هذا الأخير إلى "تحالف استراتيجي (مع الولايات المتحدة) يسمح لنا بإقناع العالم بإمكانية تغيير عاداتنا في مجال الطاقة". وبالطبع هناك وراء موقف الرئيس الأميركي اعتبارات لا تقتصر على حماية البيئة، وهي خفض التبعية النفطية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط وتجاه بلد "غير صديق" كفنزويلا، وإثارة الخلاف بين "لولا" والسيد هوغو شافيز، والحدّ من مشروع التكامل في مجال الطاقة بين دول أميركا اللاتينية والذي يدعو إليه هذا الأخير. لكن السجال يتجاوز هذه النقاط. ففي نظر المدافعين، هذا الوقود البديل لا يستنفد المخزون الطبيعي الثمين في الكرة الأرضية. فإضافة إلى تعزيز استقلال البلدان في مجال الطاقة، فهو يقدّم إمكانات مهمة للمزارعين، وخصوصاً في البلدان النامية. وهو يتيح في أوروبا الاستفادة من الأراضي "المجمّدة" بفعل السياسة الزراعية المشتركة (الزراعة المتناوبة لأغراض غير غذائية مقبولة من قبل الاتّحاد الأوروبي). أول المعارضين من رؤساء الدول، باسم "الجماهير التي تعاني من سوء التغذية في الجنوب"، كان فيدل كاسترو، عندما قال في 19 أيار/مايو: "الواقع أن البديل متوفّر: إذ نخصص الأرض إمّا لإنتاج الأغذية أو الوقود البيولوجي". البلدان المتقدمة لا تملك، نظراً لمستواها الاستهلاكي، مساحات زراعية كافية لتحوّلٍ كهذا. من هنا جاءت فكرة اللجوء إلى بلدان الجنوب لتأمين وقودٍ رخيص. لكن أي ثمن ستدفعه هذه البلدان؟ وفي وثيقة بعنوان "الطاقة المستديمة: مشروع لأصحاب القرار" موقّعة من مجموعة UN-Energy التي تضمّ جميع مؤسسات وبرامج الأمم المتحدة المختصة بالطاقة، والصادرة بتاريخ 9 أيار/مايو، هناك تشديد على المزايا العديدة المنبثقة عن أنظمة الطاقة البيولوجية من حيث خفض مستوى الفقر والوصول إلى مصادر الطاقة والتنمية والبنى التحتية الريفية. لكن الوثيقة تحذّر: "يجب تقييم النتائج الاقتصادية والاجتماعية للطاقة البيولوجية بعناية قبل اتخاذ القرارات حول تنمية القطّاع وطبيعة التقنيات والسياسات واستراتيجيات الاستثمار المطلوبة".
محروقات عضويّة... يُذكّر هذا التعبير بالصورة الإيجابية للطاقة المتجدّدة النظيفة والتي لا تنضب، والثقة بالتكنولوجيا والقدرة على التطوّر الذي يتناسب مع حماية طويلة الأمد للبيئة: إنه يسمح للصناعة ورجال السياسة ونسائها والبنك الدولي والأمم المتّحدة، وحتى مجموعة الخبراء الحكومية المشتركة حول تطوّر المناخ (GIEC)، بتقديم المحروقات المصنّعة من الذرة وقصب السكّر والصويا وغيرها من الزراعات، على أنها المرحلة المقبلة للانتقال بهدوء من ذروة الإنتاج النفطي إلى اقتصاد جديد في مجال الطاقة ناتج عن الطاقات المتجدّدة؛ اقتصاد لم يتمّ تحديده بعد. باتت المشاريع من الآن فصاعداً طموحة. ففي أوروبا، من المرتقب أن يغطي الوقود المُستخرَجَ من المواد البيولوجية 5,75 في المئة من احتياجات الوقود في العام 2010، و20 في المئة من العام 2002. وتطمح الولايات المتحدة إلى إنتاج 35 مليار غالون [1] سنوياً. وتتخطّى هذه الأهداف بدرجات القدرة الإنتاجية للزراعة في الدول الصناعية في النصف الشمالي للكرة الأرضية. وستضطرّ أوروبا إلى استثمار 70 في المئة من أراضيها الصالحة للزراعة لتفي برهانها؛ ويجب تحويل مجموع محاصيل الذرة والصويا في الولايات المتحدة إلى الإيتانول والوقود البيولوجيّ. وتحويلٍ كهذا قد يقلب النظام الغذائيّ لدول الشمال رأساً على عقب. لهذا، تركّز الدول المنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) اهتمامها على النصف الجنوبي للكرة الأرضية، لسد احتياجاتها. إندونيسيا وماليزيا توسّعان بسرعة زراعتهما للنخيل الذي يُستخرج منه الزيت، لتتمكّنان من تموين السوق الأوروبية بالوقود العضوي، بنسبة 20 في المئة. وفي البرازيل - حيث باتت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة المخصّصة للزراعات التي تُستخرج منها المحروقات بحجم هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وبريطانيا مجتمعة-، تتوقّع الحكومة زيادة المساحة المخصّصة لزراعة قصب السكر بنسبة خمسة أضعاف؛ وهدفها هو استبدال 10 في المئة من الاستهلاك العالميّ للوقود من الآن حتى العام 2025. يجري تعبئة الرساميل وتركيز السلطة في صناعة المحروقات الزراعية بسرعة مذهلة. فعلى مرّ الأعوام الثلاثة الأخيرة، ارتفعت الاستثمارات المخاطِرة إلى ثمانية أضعاف. وتغمر التمويلات الخاصّة مؤسسات البحث العلمي الحكومية. يثبت ذلك النصف مليار دولار من المساعدات التي تقدّمها شركة بريتيش بتروليوم لجامعة كاليفورنيا. ومن ناحيتها تعقد المجموعات التجارية النفطيّة الكبيرة، وتلك المختصّة في زراعة الحبوب وصناعة السيارات والهندسة الجينيّة، اتفاقات شراكة قويّة: شركة أرشر دانييلز ميدلاند وشركة مونسانتو؛ شفرون وفولكس فاغن؛ بريتيش بتروليوم ودوبون وتويوتا. وتسعى تلك الشركات المتعدّدة الجنسية إلى تركيز نشاطاتها في البحث والإنتاج والتحويل والتوزيع، المرتبطة بأنظمتنا الغذائية والتموّن بالمحروقات. وهذا سبب إضافيّ لتسليط الضوء، قبل انطلاق القطار، على الخرافات التي ترافق ضمناًعمليّة التحوّل إلى المحروقات الزراعية. الخرافة رقم 1: المحروقات الزراعية نظيفة وتحمي البيئةنظراً لأنّ عمليّة التركيب الضوئيّ التي يجري استخدامها لتلك الزراعات تمتصّ الغازات المسخّنة من الجوّ، ولأنه يمكن للمحروقات الزراعية الحدّ من استهلاك الطاقة الأحفوريّة، يُقال بأن تلك المحروقات تحمي البيئة. لكن عندما نحلّل تأثيرها من "المهد إلى اللّحد" - من جمعها إلى استخدامها في المواصلات البرّية-، نجد بأنّ محدودية مساهمتها في انبعاث الغازات المسخّنة تُلغى بفعل اقتلاع الأشجار، والحرائق، وسحب الماء من المناطق الرطبة، وصولاً إلى الممارسات الزراعية وفقدان الكربون من الأرض. فكلّ طن من زيت النخيل يؤدّي إلى انبعاث 33 طناً من ثاني أكسيد الكربون - أي بمعدّل أكبر بعشر مرات من حالة البترول [2]. أمّا الإيتانول الذي يُستخرج من قصب السكّر، المزروع في الغابات الاستوائية المستصلحة، فيبعث غازات دفيئة بنسبة النصف أكثر من تلك المنبعثة عن إنتاج واستخدام كمّية موازية من البنزين [3]. ويعلن دوغ بار، بصفتة المسؤول العلميّ الرئيس في جمعيّة غرين بيس، جازماً، في سياق تعليقه على توازن الكربون على مستوى الكرة الأرضية: "في حال جرى إنتاج 5 في المئة فقط من المحروقات البيولوجيّة، عن طريق تدمير غابات بدائيّة لا تزال موجودة، فسنخسر كل ما نربحه من الكربون". وتتطلّب الزراعات الصناعيّة المخصّصة للمحروقات موادَّ كيماويّة كثيفة مُصنّعة من البترول يؤدي استهلاكها العالميّ -حالياً 45 مليون طن سنوياً- إلى رفع معدّل الآزوت الموجود بيولوجيّاً على الأرض بنسبة الضعفيْن؛ وهذا ما يساهم بقوة في انبعاثات الأكسيد النتراتي، وهو غاز تفوق قدرته على التسخين العام قدرة ثاني أكسيد الكربون بـ300 مرّة. وفي المناطق الاستوائية - التي سيُستخرج منها قريباً القسم الأكبر من المحروقات الزراعية-، يفوق تأثير الأسمدة الكيميائيّة على تسخّن الأرض عشر مرات إلى مئة مرّة ما يحصل في المناطق المعتدلة [4]. يتطلّب إنتاج لِتر من الإيتانول استخدام من ثلاثة إلى خمسة لترات من مياه الريّ، وينتج 13 لتراً من مياه الصرف. ولمعالجة تلك المياه، يلزم من الطاقة ما يكافيء 113 لتراً من الغاز الطبيعي، وهو الأمر الذي يزيد بكلّ بساطة من احتمال إطلاق هذه الغازات في البيئة، ملوّثةً السواقي والأنهر وحقول المياه الجوفيّة [5]. ومن عواقب تكثيف الزراعات الحيويّة لإنتاج المحروقات أيضاً، ازدياد خطورة انجراف الأراضي، خاصّة في حالة إنتاج الصويا -6,5 طن لكلّ هكتار من الأرض سنوياً في الولايات المتحدة؛ وحتى 12 طناً في البرازيل والأرجنتين. الخرافة رقم 2: المحروقات الزراعيّة لا تؤدّي إلى اقتلاع الأشجاريؤكّد المروّجون للمحروقات الزراعيّة بأنّ الزراعات التي تقوم على أراضٍ مُتلفة بيئيّاً تحسّن من وضع البيئة. ولربما كانت الحكومة البرازيلية مقتنعة بذلك عندما أعادت تصنيف نحو 200 مليون هكتار من الغابات الاستوائية الجافة، حقولاً ومستنقعات، بـ"أراض متلفة" وقابلة للزراعة [6]. لكنها في الواقع أنظمة بيئية تتمتّع بتنوّع حيويّ كبير في مناطق ماتا أتلانتيكا وسيرّادو وبانتانال، التي تسكنها شعوب أصليّة وفلاحون فقراء، وتضمّ أراض زراعية كبيرة مخصّصة لتربية الأبقار على نطاق واسع. وبكلّ بساطة، سينتج عن إدخال الزراعات المخصّصة لإنتاج المحروقات إبعاد تلك التجمّعات إلى "الحدود الزراعيّة" للأمازون، حيث باتت الوسائل المخرّبة المستخدَمة في اصطلاح الأراضي معروفة جيداً. وتوفّر مادّة الصويا 40 في المئة من المحروقات الزراعيّة في البرازيل: وبحسب منظّمة الناسا Aeraonautics ans Space Administration (NASA)، كلّما ارتفعت أسعار الصويا، ازدادت وتيرة تدمير غابة الأمازون الرطبة -325 ألف هكتار سنوياً، وفق الوتيرة الحالّية. وفي إندونيسيا، تعدّ زراعات النخيل المنتج للزيت والمخصّصة لإنتاج الوقود البيولوجيّ - المُسمَّى بـ"وقود اقتلاع الأشجار"- السبب الأساسيّ لتراجع الغابة. وقرابة العام 2020، سيزداد حجم تلك المساحات بنسبة ثلاثة أضعاف ليبلغ 16,5 مليون هكتار - بريطانيا وويلز معاً-، وهو الأمر الذي سينتج عنه خسارة نسبة 98 في المئة من أشجار الغابات [7]. ولقد خسرت ماليزيا المجاورة، المنتج العالميّ الأول لزيت النخيل، 87 في المئة من غاباتها الاستوائية حتى الآن، وهي تستمرّ في استصلاحها بوتيرة 7 في المئة سنوياً. الخرافة رقم 3: المحروقات الزراعيّة ستسمح بتنمية الريففي الغابات الاستوائية، توفّر مئة هكتار من الزراعة العائليّة خمسة وثلاثين فرصة عمل؛ في حين توفّر زراعات النخيل المنتج للزيت وقصب السكّر عشرة فرص، وزراعة الكافوريات فرصتين، وزراعة الصويا نصف فرصة بالكاد. وحتى وقت قريب، كانت المحروقات الزراعية تُستهلك أساساً في الأسواق المحلّية والأسواق التابعة لها. حتى في الولايات المتحدة، كانت أغلب المصانع المنتجة للإيتانول، ذات الحجم المتواضع نسبياً، ملكاً للمزارعين. ومع الازدهار الذي طرأ حالياً، فرضت الصناعة الكبيرة نفسها، وأنشأت اقتصادات على مستويات ضخمة، وحصرت عمليّة الاستثمار. وتقوم المجموعات التجارية النفطية، والمجموعات العاملة في إنتاج الغلال، وتلك المرتبطة بالزراعات المعدّلة جينياً، بتدعيم وجودها في جميع مفاصل شبكة القيمة المضافة للمحروقات الزراعية. فمجموعتا كارغيل وأ.د.م. تتحكّمان بـ65 في المئة من السوق العالمي للحبوب؛ أما مونسانتو وسيجينتا فتحتكران سوق المنتجات المعدّلة جينياً. وسيصبح الفلاحون العاملون في حقل الزراعات المنتجة للمحروقات أكثر فأكثر ارتباطاً بتحالف من الشركات المنظّمة تنظيماً وثيقاً؛ وذلك في جميع ما يتعلّق بالبذور والعوامل المرتبطة بعمليات الإنتاج والخدمات والتحوّلات وبيع المنتجات؛ وهنالك احتمال ضئيل في أن يستفيدوا منها [8]. كما ثمة احتمال أكبر في أن يجري طرد صغار المستثمرين الزراعيّين من السوق، ومن أراضيهم. فحتى الآن، جرى ترحيل مئات الآلاف في "جمهوريّة الصويا"، وهي منطقة تزيد مساحتها على 50 مليون هكتار تغطّي جنوب البرازيل، وشمال الأرجنتين، والباراغواي، وشرق بوليفيا [9]. الخرافة رقم 4: المحروقات الزراعيّة لن تسبّب الجوعبحسب منظمة الزراعة والأغذية الدولية، الفاو FAO ،هنالك ما يكفي من الغذاء في العالم لإطعام جميع السكان، بمعدّل حصّة يوميّة من 2200 وحدة حراريّة تتضمّن فاكهة طازجة وجافة وخضار ومشتقّات الحليب واللّحوم. ومع ذلك، لا يزال 824 مليون شخص يعانون من الجوع بسبب فقرهم. إلاّ أنّ التحوّل المُرتقَب يخلق منافسة بين الإنتاج الغذائيّ وإنتاج المحروقات في استخدام الأرض والمياه والموارد. وهنالك حالياً مثلٌ حسّي على ذلك في المكسيك. فبعد أن جرى تفكيك حواجزها الجمركيّة، ضمن إطار اتفاقية التبادل الحرّ بين دول أميركا الشمالية (Alena) [10]، باتت المكسيك تستورد 30 في المئة من حاجتها من الذرة من الولايات المتحدة [11]. ونتج عن الطلب المتزايد على الإيتانول في هذا البلد ضغط كبير على سعر الذرة الذي ارتفع، في شباط/فبراير 2007، ليبلغ أعلى مستوياته في غضون عشر سنوات، وهو ما أدّى إلى ارتفاع مأساويّ في سعر التورتيلا - وهي غذاءٌ أساسيّ. وفي وجه احتجاجات الغضب الصادرة عن شعبٍ فقيرٍ جائع، اضطرّت حكومة السيّد فيليب كالديرون، عقب اجتماع مع شركات التصنيع والتوزيع العابرة للقارّات، إلى الحدّ من ارتفاع سعر التورتيلا إلى 40 في المئة حتى آب/أغسطس المقبل. وقد استغّل مركز الأبحاث الاقتصادية، التابع للقطاع الخاصّ، الظروف ونشر سلسلة من "الدراسات" التي تؤكّد على أنّ الخروج من الأزمة، في حالة المكسيك، يمرّ بإنتاج الذرة للمحروقات الزراعيّة، وبأنّ "هذه الذرة يجب أن تكون معدّلة جينياً [12]". وعلى مستوى الكرة الأرضية، بات أفقر الناس ينفقون من 50 إلى 80 في المئة من دخلهم العائليّ لتوفير الغذاء. وهم يتأذّون عندما تؤدّي الأسعار المرتفعة للزراعات المخصّصة للمحروقات إلى رفع سعر المنتجات الغذائية. ولقد قدّر المعهد العالمي للأبحاث حول سياسات التغذية في واشنطن بأنّ سعر المواد الغذائية الأساسية سيرتفع من 20 إلى 33 في المئة في العام 2010، ومن 26 إلى 135 في المئة في العام 2020. لكن، في كلّ مرة يرتفع سعر الغذاء بنسبة واحد في المئة، يصبح 16 مليون شخص عرضة لانعدام الأمن الغذائيّ. وفي حال استمرّت هذه النزعة في ارتفاع الأسعار، فقد يعاني 1,2 مليار شخص من الجوع بصورة مزمنة في العام 2025 [13]. وفي تلك الحالة، يقدَّرألاّ تكون المساعدة الدوليّة مُسعفة جداً، نظراً لكون الإنتاج الزراعيّ الفائض يذهب ...إلى خزّانات وقودنا. الخرافة رقم 5: المحروقات الزراعية من "الجيل الثاني" هي في متناول اليديحبّذ المروّجون للمحروقات الزراعية طمأنة المشكّكين، عن طريق التأكيد على أنّ تلك المحروقات، التي يجري حالياً استخراجها من الزراعات الغذائية، سيجري قريباً استخراجها من زراعات أخرى تتناسب أكثر مع البيئة، كالأشجار السريعة النمو والـ"بانيكوم فيرغاتوم" (وهي نوع من النجيليات تصل تشعّباتها العشبية إلى علوّ متر و80 سنتيمتراً). وسيسمح لها ذلك بجعل المحروقات الزراعية من الجيل الأول مقبولة أكثر. ليست هنالك، في الواقع، معرفة دقيقة بنوع الزراعات التي سيجري تحويلها إلى محروقات. ولن يكون للنباتات البرّية "تأثيراً بيئياً" أقلّ، لأنّ تسويقها سيُلغي منافعها البيئيّة. فهي ستنتقل بسرعة، بفعل زراعتها الكثيفة، من البراري والأراضي الحراجيّة إلى الأراضي الصالحة للزراعة - مع ما يترتّب على ذلك من تأثيرات على البيئة. وتخطّط الصناعة لإنتاج نباتات سلّولوزيّة، معدّلة جينياً -خاصة الأشجار ذات النمو السريع- قادرة على التفكّك بسرعة لطرح السكّر. ونظراً للقدرة على الانتشار التي سبق إثباتها لدى الزراعات المعدّلة جينياً، يمكن توقّع تلوّثات كثيفة. يجب أن يتم تسويق أيّ تقنيّة قادرة على السماح بتفادي أسوأ التأثيرات الناجمة عن تغيير المناخ على نطاق واسع في الخمسة أو الثمانية أعوام المقبلة. وهذا احتمالٌ ضئيل جداً للإيتانول المُستخرَج من السيلولوز، وهو مادّة لم تُظهر حتى الآن أية قدرة على الحدّ من انبعاث الكربون [14]. وهكذا فإنّ صناعة المحروقات الزراعية تراهن حالياً على المعجزات. وبحسب الوكالة الدوليّة للطاقة، سيتمكّن العالم، في غضون الـ23 سنة المقبلة، من إنتاج قرابة 47 مليون طن من المحروقات الزراعية [15]. وسيترافق هذا الحجم الكبير مع انطلاق للكربون والأكسيد النتراتي، وانجراف للأراضي، وأكثر من ملياري طن من مياه الصرف. ومهما بدا الأمر مستغرباً، فهو لن يعوّض التزايد السنوي للطلب العالمي على النفط، المقدَّر حالياً بـ136 مليون طن سنوياً. فهل يستحقّ الأمر هذا العناء؟ برأي شركات الغلال الكبيرة: طبعاً. وسواء أكانت تلك الشركات تسمى أ.د.م. أو كارغيل أو بانغ، فهي تعدّ دعائم الصناعة الغذائية. وهي مُحاطة بدورها بمجموعة تتمتّع بالقدر نفسه من النفوذ، من محوّلي المواد الأولية والموزّعين، المرتبطين من جهة بسلاسل من المتاجر الكبرى، ومن جهة أخرى بشركات المواد الزراعية الكيميائيّة والبذور والآليّات الزراعية. ومن أصل خمسة دولارات تُستهلَك للطعام، أربعة منها تعود إلى نشاط مجمل تلك الشركات. لكن، منذ بعض الوقت، عانى قسم الإنتاج من "تراجع": فارتفاع حجم الاستثمارات (مواد كيميائية، هندسة جينيّة، آليّات) لم يترافق مع ارتفاع المعدّلات الإنتاجية الزراعية، وهو ما أجبر مجموعة الصناعات الغذائية على إنفاق المزيد في مقابل نتاج أقلّ. وتعدّ المحروقات الزراعية الحلّ المثاليّ لهذا التراجع، لأنها تحظى بالتمويلات وتشهد مرحلة من النموّ، في حين يشهد البترول تراجعاً. وهي تسهّل حصر الصناعات في مجالي الغذاء والطاقة بين أيدي أقوى الفعّاليات في هذا المجال. لكن للأسف، فالتحوّل إلى المحروقات الزراعيّة يعاني من عاهة وراثية، فهي تنافس الغذاء على الأراضي والمياه والموارد. وسيجري استخدام تلك الموارد، بعد تنميتها إلى أقصى الحدود، لإنتاج ... محروقات زراعيّة. إنه لاقتراحٌ مثير للشفقة من وجهة نظر الدينامية الحراريّة. يرغموننا على العيش وفق نمط يفوق قدرتنا. "قابلة للتجديد" لا يعني "لامنتهية". فحتى لو كانت تلك الزراعات قابلة لإعادة الزرع، فالأرض والمياه والأسمدة تبقى محدودة. وفي الواقع، تكمن الجاذبيّة التي تمارسها تلك المحروقات البيولوجيّة في قدرتها على إيجاد امتداد للاقتصاد المرتكز على البترول. ومع تقدير للاحتياطات المتبقّية من البترول الاصطلاحي العالمي لنحو 1000 مليار برميل، فإنّ ارتفاع سعر برميل البترول إلى 100 دولار ليس بالأمر البعيد [16]. وكلّما ارتفع سعر البترول، ازداد احتمال ارتفاع سعر تكلفة الإيتانول، مع احتفاظه بموقع تنافسيّ. هنا يكمن، في الواقع، التناقض فيما يخص المحروقات الزراعيّة من الجيل الثاني: إذ كلّما ارتفع سعر المحروقات النفطية، أصبحت المحروقات الزراعية من الجيل الأول مجدية أكثر، ومن شأن ذلك الثني عن الاستثمار في تنمية الأجيال التي قد تعقبها. وفي حال بلغ سعر البترول 80 دولاراً للبرميل، يمكن لمنتجي الإيتانول السماح لأنفسهم بدفع أكثر من 5 دولار للـ"صاع" الواحد (نحو 127 كغ) من الذرة، وهو ما يجعله ينافس بقوة أكبر زراعة قصب السكر. وهكذا فإن أزمة الطاقة العالمية تعّد مورد إثراء محتمل، يراوح بين 80 و100 ألف مليار دولار للمجموعات الغذائية والنفطية. فليس من المستغرب إذاً أن لا ندعى إلى مخالفة عاداتنا في "الإفراط في الاستهلاك". ليس صحيحاً أنّ التحوّل إلى المحروقات الزراعية أمر لا يمكن تفاديه. فالعديد من الخيارات البديلة المحلّية التي أُجريت بنجاح على الأرض، والتي برهنت عن فعّالية على مستوى الطاقة مع تركيزها فقط على حاجات السكان، باتت فاعلة لإنتاج الغذاء والطاقة دون تهديد البيئة أو أساليب العيش. لن يكون من المقبول لدول الشمال نقل العبء الذي يفرضه إفراطهم في الاستهلاك إلى جنوب الأرض، لمجرّد أنّ الدول الاستوائيّة تتمتّع بكمّية أكبر من الشمس والأمطار والأراضي الصالحة للزراعة. وفي الولايات المتحدة، تقوم العشرات من الجمعيات المحليّة بانتاج الديزل العضوي –غالباً انطلاقاً من زيوت نباتية يعاد تدويرها. وتبقى معظم تعاونيات الإيتانول في وسط أمريكا Middle West ملكاً للمزارعين المحليين. وهؤلاء أيضاً يملكون ثلاثة أرباع معامل تكرير الإيتانول في ولاية مينيسوتا، حيث يتم تقديم المساعدات لهم.
* مدير عام معهد الغذاء والسياسات التنمويّة Food First ، أوكلاند (الولايات المتحدة).
[1] الغالون الأمريكي = 3،785 لتر. [2] George Monbiot, “If we want to save the planet, we need a five-year freeze on biofuels”, The Guardian, Londres, 27 /3/2007. [3] Washington Post, 25 mars 2007. [4] Miguel Altieri and Elizabeth Bravo, “The ecological and social tragedy of biofuels ”, 1/1/2007, www.foodfirst.org [5] The Ecologist, Londres, mai 2007. [6] “ Plano Nacional de Agroenergia 2006-20011 ”, in Camila Moreno, “ Agroenergia vs Soberania Alimentar : a Questão Agrária do século XXI”, 2006. [7] The Ecologist, Ibid. [8] Annie Dufey, “International trade in biofuels: Good for development? And good for environment? ”, International Institute for Environment and Development, Londres, 2006. [9] Bravo, E., “ Biocombustibles, Cultivos energeticos y soberania alimentaria : encendiendo el debate sobre biocommustibles”, Accion Ecologica, Quito (Equateur), 2006. [10] تضمّ الألينا: كندا، الولايات المتحدة، المكسيك. [11] منذ أن دخلت اتفاقية ألينا حيّز التنفيذ، خسرت الزراعة المكسيكيّة التي كانت توظّف خمس أفراد الشعب، 1,3 مليون وظيفة. [12] Silvia Ribeiro, ALAI-Amlatina, Quito, 17/5/2007 ; http://alainet.org [13] Benjamin Senauer, “ How Biofuels Could Starve the Poor ”, Foreign Affairs, Londres,may-June 2007. [14] تحويله إلى منتج بيئي وقابل للحياة ليس فقط مشكلة تعميم للتقنيّات الموجودة، بل لعمليّات اختراق أساسيّة في فيزيولوجيّة النباتات التي ستسمح بالتوصّل إلى تفكيك مادّة السيلولوز والهميسيلولوز و مادة َالخَشَبين بطريقة اقتصادية وفعّالة. [15] www.iea.org/Textbase/subjectqueries/index.asp [16] Caroline Lucas Mep et al, “Fuelling a Food Crisis : The impact of peak oil on food security ”, The Greens/European Free Alliance, European Parliament, décembre 2006.
كتب حول الوقود الزراعي Worldwatch Institute, Biofuels for Transportation: Global Potential and Implications for Sustainable Agriculture and Energy in the 21st Century, Earthscan, Londres, 2007 (en ligne : www.worldwatch.org/node/4078). تقرير تقييمي حول نتائج مخاطر الاستخدام الواسع للوقود الزراعي، مع أبحاث حول الصين والبرازيل وألمانيا والهند وتنزانيا. Daniel Ballerini et Nathalie Alazard-Toux (sous la direction de), Les Biocarburants. Etat des lieux, perspectives et enjeux du développement, Technip, Paris, 2006. كتاب بإشراف "المعهد الفرنسي للنفط"، يحلل التحديات التي يطرحها الوقود الزراعي في ظروف وضع الطاقة عالمياً ويلقي نظرة على كافة شبكات الإنتاج والتقنيات التي يجري ابتكارها والجوانب الاقتصادية، الخ. Conseil général des mines, Inspection générale des finances et Conseil général du génie rural des eaux et forêts, Rapport sur l’optimisation du dispositif de soutien à la filière biocarburants, Ministère de l’économie, des finances et de l’industrie/La Documentation française, Paris, 2005 (en ligne : www.ladocumentationfrancaise.fr/rapports-publics/054000742/). بحسب هذا التقرير الذي قُدِّم إلى رئيس الوزراء في العام 2005، سيكون من الصعب في العام 2007، "تحقيق الأهداف (الحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون) دون اللجوء إلى استيراد واسع للوقود الزراعي". مواقع حول الوقود الزراعي Biofuelwatch (مرصد الوقود البيولوجي) هذا التحالف من المجموعات البيئية يطالب بالتخلّي عن الأهداف التي حددها الاتّحاد الأوروبي (10 في المئة من السيارات العاملة على الوقود البيولوجي حتى العام 2020)، بسبب خطر " قطع الغابات وخسارة التنوع الحيوي وتفاقم النزاعات المحليّة المرتبطة باستخدام الأرض". www.biofuelwatch.org.uk “ Palm oil: the biofuel of the future driving an ecological disaster now ” "زيت النخيل: وقود الغد البيولوجي يؤدي إلى كارثة بيئية اليوم" تحقيق لصحيفة "الغارديان" حول الرابط بين توسّع مزارع شجر النخيل في أندونيسيا وماليزيا، لإنتاج الوقود الزراعي، والتدمير الواسع للأنظمة البيئية المحليّة. www.guardian.co.uk/indonesia/Story/0,,2049671,00.html Biocarburants : une catastrophe écologique et sociale programmée ! الوقود البيولوجي: كارثة بيئية واجتماعية مبرمجة! ملف معلومات من إعداد الفرع الفرنسي لجمعية "أصدقاء الأرض". www.amisdelaterre.org/Biocarburants-une-catastrophe,3117.html Agence européenne de l’environnement (AEE) الوكالة الأوروبية للبيئة نشرت لائحة بأنماط الوقاية الضرورية للتوفيق بين الزراعات المنتجة للطاقة وحماية البيئة. www.eea.europa.eu/themes/energy/listfeed?feed=reports_energy The Rainforest Foundation "مؤسسة الغابات المطرية" أطلقت هذه المنظمة غير الحكومية الناشطة في مجال الإدارة المستديمة للغابات الاستوائية، حملة توعية حول تناقص مساحة الغابات في العالم - لاسيما في بلدان الجنوب - وهي تدعو إلى احترام حقوق الشعوب المحلية. www.rainforestfoundationuk.org
|