مراجعات كتب > حزيران/يونيو > 2007

آداب

غي سكاربيتا

دانيلو كيس، أو فنّ الكذب الصادق

هذه صورة عن روائيّ أُهمِل إهمالاً ظالماً، مع أن كلّ ما عنده يشير إلى أنّه كان أحد الكبار. أحد الكتّاب النادرين الذين شغفوا بالشكل التعبيري دون أي تخلٍّ عن الرغبة في توسيع قدرتنا على إدراك العالم. ولد من أب يهودي هنغاري توفي في أوشفيتز ومن أم من الجبل الأسود. عاش دانيلو كيس Danilo KIS طفولته في هنغاريا، ومراهقته في الجبل الأسود، ودرس في بلغراد. وإذ عانى في جسده من النازية والستالينية، حاول طوال حياته أن يسبر ماهيتهما، دون عقد.

في 15 تشرين الأول/أكتوبر عام 1989، توفّي في باريس، في جوّ من اللامبالاة العامّة تقريباً، أحد أكثر الروائيين فرادة في النصف الثاني من القرن العشرين. أمّا اسمه فهو "دانيلو كيس". كان يوغوسلافياً (ومتمسّكاً بالصفة). وكان موضع تقدير رفيع من جانب العديد من الكتّاب في أنحاء العالم، من سوزان سونتاغ إلى خوان غويتيزولو، ومن يوسف برودسكي إلى ميلان كونديرا. وهو كاد، وبفارقٍ بسيط في الأصوات، أن يفوز بجائزة نوبل للآداب. لكن حظوته في فرنسا حيث أقام بقيت محصورة حتى لكأنها تبدو سرية تقريباً. وجميع الدلائل كانت توحي بأنه قد يحظى، في حالته، ببعض الاعتراف بعد وفاته، بإعادة تقييم فعلية، بيد أن شيئاً من هذا لم يحدث. وبالرغم من بعض الزيادة التي أعقبت وفاته نشراً وترجمة (في إسبانيا بدأت أخيراً عملية نشر أعماله الكاملة) فإن أهمّيته خارج بلاده الأم، المتفتّتة أصلاً، تبقى إلى حدّ كبير مجهولة لدى عدد كبير من الناس. وقد آن الأوان للتعويض عن هذا الظلم.

ولد "كيس" في عام 1935 في سوبوتيكا، الواقعة على الحدود اليوغوسلافية المجرية، من أبٍ يهودي مجري وأمّ مونتينيغرية الأصل. وفي العام 1939، أي عندما كان في الرابعة من عمره، عُمِّد في كنيسة أرثوذوكسية في نوفي ساد، في فويفودين (مقاطعة في شمال صربيا)، وكانت الغاية الأولى من هذه المعمودية طبعاً هي حمايته من التصفيات المعادية للسامية التي كانت بدأت ترتسم في الأفق آنذاك. وبعد مآسي "الأيام الباردة" في نوفي ساد، في كانون الثاني/يناير عام 1942 (حيث ارتكب الفاشيون المجريون مجزرتهم ضدّ اليهود والصرب في فويفودين)، سيتنقل للعيش حتى الثالثة عشرة من عمره في مسقط رأس والده الذي أُخذ إلى أوشفيتز ولم يرجع منها، وستشكّل هذه البلدة الصورة المركزية في ثلاث من رواياته.

في العام 1947، عاد كيس مع أمّه إلى "موطنه" في مونتينيغرو حيث سيتمّ دراساته الثانوية. وبعد أن نال شهادة البكالوريا، التحق بجامعة بلغراد (حيث تسجّل في قسم الأدب المقارن المؤسس حديثاً)، وفي بلغراد أيضاً بدأ مسيرته الأدبية المستقلة كلياً عن العقائد الثقافية المهيمنة في يوغوسلافيا في ظلّ حكم تيتو، وهي مسيرة تخلّلتها أحياناً جدالات مدوّية. ثم أصبح فيما بعد محاضراً في الأدب الصربي الكرواتي في مختلف الجامعات الفرنسية (ستراسبرغ وبوردو وليل) بدون أن يقطع صلاته ببلاده حيث نشرت كتبه (روايات وأقاصيص ودراسات)، وحيث، على التوازي، ذاع صيته عندما قام بترجمة الشعراء الروس (إيميليفيتش ماندلستام وسيرغي ألكسندروفيتش إيسينين ومارينا تزفيتاييفا) والشعراء المجريين (سيساندور بيتوفي وأندريه آدي) والكتاب الفرنسيين (من لوتريامون إلى ريمون كينو) إلى اللغة الصربية الكرواتية. وقد أمضى السنوات الأخيرة من عمره في باريس، قاطعاً إقامته هذه برحلات منتظمة إلى يوغوسلافيا.

وقد طبع هذا القدر، الوسط-أوروبي بامتياز، مجمل أعماله. أولاً بالتجربة التاريخية التي يحيل إليها (هشاشة "الأمم الصغيرة"، التي تتحمّل عبء التاريخ، وتداخل الجماعات وعبور الحدود والسياسة الكوسموبوليتية شبه العفوية ومحنة الفاشية والستالينية الفعلية والمأساوية)؛ ثم على الأخص بالمخيال الخاص الذي يمكن أن ينتج عن سياق من هذا النوع. إذ قال كيس: "لقد ورثت من أمّي ميلاً إلى الجمع بين الوقائع والأساطير، ومن أبي المشاعر المبكية والساخرة". المشجي مع الساخر، لا الواحد في الآخر. هنا يكمن السرّ.

وإذا استثنينا روايته من عهد الشباب، "لا مونسارد" (العُلّية)، حيث يتحدث عن حياته "البوهيمية" خلال سنوات دراسته (مع مزاوجة لافتة للنظر بين الغنائية والبعد الساخر تحديداً)، فيمكن تصنيف آثاره الأدبية في فئتين أساسيتين:

1) سلسلة من الأعمال المستوحاة من السيرة الذاتية تركّز على هذه الطفولة المعيشة في أوروبا الوسطى في سنوات الحرب، مثل "أحزان مبكّرة"، وهي سلسلة من الأقاصيص تختلط فيها مواضيع استيقاظ الأحاسيس الجنسية بالمشاعر والأحلام وعنف التاريخ، وتسكّع وهذر والدٍ مجنون إلى حدّ ما، وكل ذلك مرئيّ من وجهة نظر الطفل؛ ومثل "حديقة، رماد"، وهي رواية تستعيد المواضيع نفسها وتعمّقها، وترفد رؤية الطفل الذي، بصوت الراوي، بلغ سنّ الرشد (هنا إدراج الشعر في الفنّ الروائي بصورة لافتة للنظر، عن طريق تكثيف النسيج المجازي خصوصاً)؛ وأخيراً كتاب "سابلييه" (الساعة الرملية)، الرواية الكبيرة المتعدّدة الأصوات، حيث يعاد تشكيل هذا الماضي الدفين (وفيها بعث لعالم مغمور بأكمله) عبر تشكيلة باهرة من البؤر والأساليب (من الذاتية القصوى إلى الموضوعية القصوى).

2) سلسلة من الإصدارات، لها طابع أكثر "وثائقية" وأقلّ ارتباطاً بالتجربة الشخصية، مثل "مدفن لبوريس دايدوفيتش"، وهي مجموعة متتابعة من القصص التي تستعيد المصير المؤلم للعديد من ضحايا الإرهاب الستاليني [1]، وبوجه خاص المناضلين الثوريين اليهود من مختلف الجنسيات، والتي سحقها النظام الذي ساهمت في إقامته، ومقابلها سرد حول اضطهاد اليهود في فرنسا في القرون الوسطى؛ ومثل "موسوعة الأموات"، وهي "رواية" مؤلّفة من تسع أقاصيص توحّد بينها العودة إلى المواضيع نفسها (موضوع الموت الضاغط، وأيضاً التردد فيما يتعلّق بصحة الوقائع المنقولة)، مزاوجاً بين مختلف الأساليب، من الخيال إلى التحقيق الدقيق، ومن التوثيق التاريخي إلى حدّ الغموض الماورائي.

معالجة التراجيديات الكبرى دون أن يُفقد الفكاهة أو السخرية أبداً حقّهم

وبعد وفاته، نشر له في فرنسا العديد من الكتب، منها عمله التجريبي ذو النبرة الهجائية "درس التشريح" وفيه يردّ، وبقريحة بارعة، على حملة تعرّض لها في يوغوسلافيا، مستغلاً عمله هذا ليقدّم إلينا بمهارة أفضل ما لديه في "فنّ الرواية"؛ ومنها مجموعة دراسات نقدية (Homo poeticus) ونصوص مسرحية "الأسود الآليّة "(Les Lions mécaniques)، والحوارات "التجربة وفضلاتها المرّة" (Le Résidu amer de l’expérience)، وأقاصيص متفرّقة "العود والندوب"(Le Luth et les cicatrices )، وكلها تؤكد على فكره الثاقب وتعدد مواهبه المدهش، الحاذق والجريء في آنٍ معاً [2].

ما من أحد مثل كيس، على الأرجح، يمكنه أن يطبّق فكرة كونديرا العظيمة، القائلة بأنه، من أجل تقييم المبدع، يجب أن نعرف كيف نفصله عن سياقه المحلّي الضيّق ونضعه في "السياق العالمي الكبير" لفنّه. وفي الواقع أن شموليته قد تفوتنا إذا اكتفينا باعتباره "كاتباً يوغوسلافياً".

ذاك أنه إذا كان ينتسب طوعاً إلى بعض مواطنيه (إيفو أندريتش وميروسلاف كرليزا) فأنّ مجموعة "الالتماعات" التي جعلت أعماله محطّ تقدير بكلّ رونقها وكلّ أبعادها يمكن أن تُنسب أيضاً إلى رابليه ولورنس شتيرن وهرمان بروش وبرونو شولتز وإسحق بابل وبوريس بيلنياك وجايمس جويس وتوماس بورجاس (الأساسي)، وحتى إلى زمن "الرواية الحديثة". في النهاية، إنها عائلة مختارة لم يُحسن أحد جمعها أفضل منه.

وهنا بعض النقاط الجوهرية في فنّه الروائي:

1) المفارقة القائمة في جمعه بين معالجة "المواضيع الكبرى" التاريخية، ومنها أكثرها صدماً (النتائج التدميرية للنازية والستالينية)، ورفض راديكالي لكل البهرجات المنمّطة، ومعرفته كيف يقارب مآسي القرن العشرين بدون أن يُسقط أبداً الفكاهة أو السخرية. ومن هنا نشوء فنّ لا يحتل فيه التاريخ الموقع المركزي، بل يخضع لنظرة جانبية، وحيث لا يحضر هذا التاريخ لإثارة الفرضيات أو الأحكام، وحيث تتولّد قصص معبّرة لكن لكي تلقي الضوء على مساحات الحيرة والغموض والدوار في التجربة البشرية.

2) ما يتنازعه من تجاذب بين توهّم "قول كلّ شيء" (وخصوصاً في القصص التي يعاد فيها تشكيل الأحداث)، والهروب من الواقع، أي تلاشي الحقيقة. ومن هنا مثلاً أهمية المقاطع التعدادية التي برع بها رابليه، أي الاسترسال فعلاً في السرد (أو الجهد غير المنتج)، حيث تفلت منا الحقيقة ليس من نقص بل من إفراط؛ كما ولو أن دور الأدب هو أن يستهدف المعرفة المطلقة، وأن يجعلها، بحركة واحدة، موضع تضليل أو سخرية أو تشويه كاريكاتوري.

3) شغفه في العديد من قصصه بالألاعيب والخدع وأشكال الإخراج المفخّخة (مثلاً في الأقصوصة، في كتاب "موسوعة الأموات"، المخصّصة لوضع "برتوكولات حكماء صهيون" ومصيرها التاريخي؛ أو في كتاب "مدفن لبوريس دافيدوفيتش"، قصة الطريقة التي وقع ضحيتها إدوار هيريو، في روسيا الستالينية في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي عبارة عن حيلة مذهلة كان من المفترض أن تطمئنه على احترام "حرّية المعتقد" المزعومة هناك)، وحيث ينتابنا شعور بأننا ندخل وراء الديكور، لكي نفهم فهماً أفضل ما يجري في الكواليس أو الجوانب الخفية من التاريخ ومزالقه. لكن كيس لا يهتم بمقابلة "الحقيقة" بالأكاذيب الرسمية بقدر ما يرمي إلى الدخول في عمق آليات التزييف وإظهار التعارض بين شكلها و وظيفتها. وهذا ما يلغي كل موقف يدّعي التحكّم والقدرة على التأويل.

4) الانحياز إلى محو الحدّ الفاصل بين الوثائقي والمتخيَّل، وإلى إعطاء الابتكارات أو إعادة الصياغة الخيالية كل أنواع الشروط الهادفة إلى إبرازها كوثائق حقيقية، وفي الوقت ذاته، الاستناد إلى أحداث فعلية هي بالشكل الكافي غير ملائمة أو غير معقولة لكي تبدو وكأنها من صنع الخيال تماماً. إنها طريقة لاعتماد عامل الشك في ما نعتبره حقيقة ثابتة مقرَّة، وللإيحاء بأن كل نصّ يدّعي امتلاك "الحقيقة" أو النطق بها يستند أيضاً إلى مجموعة من الحيل أو الاختلاقات.

وبالطبع قد يكون هناك مجموعة من الأمور الأخرى يمكن تسجيلها في هذا الفنّ الروائي. مثل اللعبة الحسّاسة جداً في قصص كيس، القائمة على تداخل الأصداء البعيدة والمصادفات والانبعاثات؛ ومثل العديد من المقاطع المتميّزة بالـ"إغراق" حيث تتحدث الكتابة مجازياً عن نفسها (وخصوصاً في ذكر كتب متخيّلة أو متوهمة أو موسوعية)؛ والكثير من الأفخاخ المنصوبة للقارئ نفسه (نظنّ أننا ندخل وراء الديكور، فيتبيّن أنه ديكور آخر)، في عملية زعزعة الثقة بأسلوب باروكي صرف. ومن هنا المفارقة الأخيرة عند كيس والتي تُظهر هذا الطابع الرائع في أعماله، وهي التوفيق بين فنٍّ متقن يتناول الشبيه والملتبس والغامض، في نزعة لا توهّمية واضحة، "ووظيفة المعرفة" هذه التي ينسب إليها هرمان بروش أفضل الروايات، حيث الألاعيب والاصطناعات تسمح لنا، وبدون أن تقصينا عن العالم، بالوصول إلى ما توخّتْ تصويراته الشائعة إخفاءه.

مفهوم إذن أنه من الضرورة بمكان العودة إلى اكتشاف أهمّية هذه الأعمال.


* كاتب، من مؤلفاته L’Age d’or du roman (Grasset, Paris, 1996), Pour le plaisir (Gallimard, Paris, 1998), L’Age d’or du roman (1996), Variations sur l’Erotisme (Descartes et Cie, Paris, 2004).

[1] جزء من موادّ هذه الرواية مأخوذ من شهادة كارلو ستاينر " Sept mille jours en Sibérie (سبعة آلاف يوم في سيبيريا)" التي نشرت في بلغراد في العام 1972. كان ستاينر مناضلاً شيوعياً يوغوسلافياً، وقد فصل إلى موسكو في ثلاثيينات القرن الماضي لكي يعمل في صفوف الكومنتيرن. وقد وقع ضحية أعمال التطهير الستالينية في العام 1936، وأمضى عشرين عاماً من حياته في السجن وفي "الغولاغ"، قبل أن "ينفى" إلى سيبيريا. ولم يسمح له بالعودة إلى بلاده إلا بعد "المصالحة" بين خروتشوف وتيتو، في العام 1956، حيث نشر هذه الشهادة، ليس دون أن يواجه العديد من التحفّظات من قبل السلطة الحاكمة آنذاك.

[2] في فرنسا نشرت دار غراسي (Editions Grasset) كتاب " La Mansarde " أما كتب: Chagrins précoces, Jardin, Cendre, Un Tombeau pour Boris Davidovitch, Sablier et Encyclopédie des morts فقد نشرتها دار غاليمار(Gallimard). وقد نشرت كلّ كتب كيس بعد وفاته في دار فايار (Fayard) وذلك بفضل جهود باسكال دلبيش التي كانت آخر رفيقة له ومترجمته إلى الفرنسية.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان