
مراجعات كتب > حزيران/يونيو > 2007قراءاتبرونو روشيترسائل الحرب... لأنطونيو لوبو أنطونيش
كل شيء يكون أسهل عندما يكون المرء كاتباً، أي عندما يمتلك الأسلحة. قبل ساعة أو بعدها، نأخذ دفتراً، نجلس إلى طاولة العمل، وما كان في الرأس يثبت على الورق. توفّر الكلمات مقاومة ضرورية لوضعنا وهي تعبّر عنه. أنطونيو لوبو أنطونيش، عريس جديد، متخرّج من كلية الطبّ، وقريباً ربّ عائلة، يُستدعى للخدمة العسكرية ويُرسل إلى أنغولا، في عزّ الحرب الكولونيالية، لممارسة المهنة التي أعدّ نفسه لها ودرسها طويلاً. وستستحوذ عليه الحرب طوال 27 شهراً (1971-1973) وتدفع به إلى خدمة الآخرين. تزرعه بعيداً عن مسقط رأسه وتُغرقه في "قفا يوضاس" (في غاجو كويتنهو، قرب الحدود الزامبية، في نيندا، في شيومه...)، تحرمه من عائلته بدءاً من المرأة التي أحبّ. يكتب لها كل يوم تقريباً. كان في الثامنة والعشرين من عمره. في هذا العمر، كان الشاعر الفرنسي رامبو قد لاذ بالصمت. الكاتب تومازي دي لبمادوزا لم يكن يبدي أي عجلة في المجيء إلى العالم. الشاعر المجري ميكلوس رادنويتي يكتب قصيدة تحمل تحديداً عنوان "28 عاماً" يعود فيها إلى الفصل الأصلي "المميت" الذي أحاط بولادته، وتسبب في وفاة والدته في سن الثامنة والعشرين وشقيقه التوأم: "ورائي ميتَين، لكن أمامي العالم". ما كان يُفترض بـ"رسائل الحرب" لأنطونيو لوبو أنطونيش أن تُنشر. لكن من حظّنا أن تصدر - وأن تصدر اليوم. فهي تضع القارئ في موقع "الانطلاق": الكاتب المتفتح أمامنا والموقن من معرفته والعامل بكدّ على تحسين ما هو عليه. الكاتب يعمل على روايته الأولى - الشكوك والمزاجية والتوتر تسيطر عليه؛ الطبيب يعاين الحرب ويضمّد أضرارها؛ الرجل يخبر زوجته يوماً بيوم حول "محطته الطويلة" في إفريقيا: السود، البيض، أنغولا. " الجميع تقريباً يكرهون الحرب لأنها لا تحمل لهم سوى التعقيدات والمخاطر، وهم واقعون بين تهديدين وفصيلين ووصايتين". العسكريون، الحياة المسمومة، الشوق إليها، هذا الجسد الذي لن يراه يتضخّم، هذه الولادة التي لن يراها والتي ستُخرج إلى الحياة ابنته الأولى. هذه الحياة باللون الكاكي، المطوّقة بالأسلاك الشائكة، والمرهونة برسالة واحدة: "ربما تصل الرسائل اليوم، لقتل الحنين. قتل، فعل عادي استخدمه بفعل العادة المهنية. أو تقريباً...". الكتابة المستديرة، المحشورة، المتوالية، المحسوبة بعدد الكلمات، تنصاع لحجم الرسائل الجويّة، وهذا ما يمنح الكتاب إيقاعاً متوازناً. خيط رابط حميم، حماسي، يدبّ الحمّى في جسم الكتاب (الغائب): "التمكّن من تأمّل أذنيك الصدفتين الجميلتين، وعضّ عنقك"؛ "أنت في نظري بولين بونابرت، بطلة رسين، عطفي، ضوء قمري، فتحة فخذيك الناعمة". رسائل تتشابه ولا تشبه واحدة أخرى، مسكونة بالطريقة، بالأسلوب، بالنوعية السردية والوصفية: "القمر بدرٌ الآن، ويمكن القراءة دون ضوء الكهرباء، سطوح التوتياء تلمع مثل طبقات الحليب". رسائل حبّ مكتوبة في الملاءات القذرة لحرب يعرف أهمية السكوت عنها (أمامها). ستخرج إلى العلن لاحقاً، في أعماله الروائية.
|