قراءات، كتب وموسيقى > تموز/يوليو > 2007

فيولان ريبول

الأصوليّ رغماً عنه

الحلم الأميركي اللاهث...

النجاح كان حليفه في كل أمر: دراسة جيّدة جداً في باكستان، منحة وبطاقة دخول إلى جامعة برنستون، علامات ممتازة، وظيفة في أفضل شركات الاستشارات المالية في الساحل الشرقي، صديقة تفتح أمامه أبواب المجتمع النيويوركي الراقي... ثم بعد أشهر على 11 أيلول/سبتمبر 2001، عاد تشنغيز نهائياً إلى مسقط رأسه في لاهور. وها هو يروي مسيرته لأميركيّ التقاه في الشارع، يقوم بدور المحدّث السلبي الذي لا نعرف عنه شيئاً.

تتخذ الرواية شكل مونولوغ طويل، يحتسي خلاله الرجلان الشاي، ويتناولان الغداء، ويراقبان الحياة في حيّ "أناركالي"، ولا يؤرقهما سوى الرسائل النصيّة التي يتلقاها الأميركي كل ساعة على هاتفه المحمول. مفتاح الرواية هنا، في الرواح والمجيء بين لاهور ونيويورك. ما قبل وما بعد هذا النجاح في "معابد" الاستحقاق: "حاولت التحرّك، التعبير عن نفسي، التصرّف كأميركي. أن أتلبّس الطبع الأميركي، بمعنىً آخر". لكن دخول أوساط النخبة المتعجرفة يترك مجالاً للشكّ وشعور بالضغينة المتصاعدة. ويعيش الشاب تحوّلاً بطيئاً تؤدي فيه الاستجوابات المتكرّرة من قبل إدارة الهجرة دور اللسعات الداعية إلى التزام النظام القائم. ولا يحظى سوى بلقاءٍِ صادقٍ واحد، الحبّ الأول، لكن الشابة تغرق في حنين حزنٍ قديم يُدخلها دوّامة مدمّرة أخرى.

وهكذا ليست 11 أيلول/سبتمبر سوى فصل في مسيرة الإحباط السياسي والشخصي: "بتّ أدرك أننا بتركيزنا على المستقبل المالي المشرق، نحيد عن المعايير الشخصية والسياسية المحدِّدة للحاضر". وأميركا تفاجئ، ثم تُحبط: "أنا الذي كنت أنظر إلى أميركا كأمّة تتقدّم، ثم صُدمت للمرة الأولى بتصميمها الظاهر على النظر إلى... الوراء (...)، (مجلببة) بملابسٍ تعود إلى زمن مضى". المظاهر تردّ على المظاهر، فيرخي تشنغيز لحيته بعد إقامة قصيرة في عائلته: "مفعول اللحية على مواطنيك ظاهرة مثيرة جداً للاهتمام، لاسيما إذا كان من يحملها شخص أسمر البشرة مثلي".

وخلال إحدى مهماته للتدقيق المالي، يتنزّه تشنغيز في فالباريزو في تشيلي، بحثاً عن منزل بابلو نيرودا حيث يتذكّر هذا المثل القائل: "يمكن معرفة جمال المبنى من بقاياه". هكذا تُفرض عليه العودة إلى لاهور. نهاية الكتاب تعطي العنوان معنى، كأن العالم، في نظر الأميركيين، لا يمكن إلاّ أن ينقسم قسمين، دون حلول وسط.

إنها الرواية الثانية لمحسن حميد، ورؤيته للعالم فيها خيبة أمل أكثر من روايته الأولى، "الذهاب في الدخان" [1]، التي تجري أحداثها كاملةً في لاهور، داخل باكستان حيث تحقق النخب الثراء من الفساد والتهريب. الشخصية الرئيسية في الرواية الأولى، شابٌ لامع أيضاً، لكن لا يملك الوسائل الكافية للدراسة في الولايات المتحدة، فيغرق في الفقر والجنوح. يبقى حياً رغم وقوعه بغرام زوجة أفضل صديق له، رغم العيش وسط النزاع مع الهند، ومع التيار الكهربائي المقطوع والخادم الذي ترك المنزل... تأتي هنا السخرية السوداء كمسكّن لليأس.

في شكل آخر من الكتابة المنزاحة، "الأصولي رغماً عنه" تفاجئ بتركيبتها وبرؤيتها المباشرة للتاريخ المعاصر مع دور التدمير (الذاتي) الأول للولايات المتحدة. خيبة أمل حول النموذج الحضاري، إبادة الشعوب في حروب لا تنتهي، إحباط الرجال. فهل هذه هي الأصولية...؟


[1] Partir en fumee, Stock, Paris, 2000.

Mohsen HAMID: L’Intégriste Malgré Lui, مترجم عن الانكليزية بقلم برنار كوهين، Denoël, Paris, 2007, 202 pages, 17 euros.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان