افتتاحية سمير العيطة > آب/أغسطس > 2007

افتتاحية سمير العيطة

سمير العيطة

الذاكرة والهويّة الوطنية، التاريخ والمستقبل

للجزائر، البعيدة القريبة عن المشرق، وقعٌ خاص في الفكر العربي. فقد كانت قضيّة تحرّرها في الخمسينيات إحدى أركان تأسيس الهويّة العربيّة؛ وربّما كان لها في ذلك الزمن الأهميّة نفسها الذي ما زالت تتمتّع بها القضيّة الفلسطينيّة إلى اليوم. ثم حدث التحرّر واستقلّت الجزائر. جيلٌ كاملٌ حفظ عن ظهر قلب "قسماً بالنازلات الماحقات..."، والمتحمّسون سافروا إلى هناك للمساعدة في إعادة الهويّة، وتعليم اللغة والتاريخ العربيين من جديد، بدلاً من "أجدادنا أبناء بلاد الغال nos ancêtres les gaulois". الجزائر أضحت إذاً عربيّة من جديد، هذا مع بقاء كلّ المشتقات الفرنسيّة في لهجتها الدارجة، ومع خصوصيّة الترابط الشديد في ثقافتها مع البربريّة. فصحيفتها الأولى تنطق العربية، وتوزّع وحدها بقدر مجموع الصحف الناطقة بالفرنسيّة [1].

الصورة الأخرى التي ارتبطت بهذا البلد منذ تسعينيات القرن الماضي، جرت تسميتها "الجزأرة"، بمعنى الفتنة الداخليّة التي شَهِدَت محاولة تنظيمات تكفيريّة الاستيلاء على السلطة بالعنف، في ظل فقدان السلطة (ومن ثَمَّ الدولة) مصداقيّتها وشرعيتها نتيجة لفشلها التنموي والاجتماعي والسياسي، ولفشلها في عملية التحوّل السياسي. وهذه الفتنة مختلفة عن "اللبننة" (حروب الطوائف بعضها بين بعض) حيث أنّ المجتمع هناك متجانسٌ تقريباً، دينيّاً ومذهبيّاً. الجزائر اليوم قد تخطّت "الجزأرة"، وهي تشهد حريّةً صحافيةً وفكريّة غير مسبوقة. وكما في معركة الاستقلال، كان الثمن باهظاً، قدّمه صحافيون ومفكّرون ومثقّفون وقرويّون وأناسٌ بسطاء. ولا يعني هذا أنّ التاريخ قد انتهى هناك، بل هو ما زال في بداياته، في معركةٍ حول التنمية ومساءلة السلطة وتطوّر العمل السياسي والتعدّد الثقافي وغيره. فقط "انتهى زمن الغربان المتوحّش ... وبدأ زمن الرجل الثري"... [2]

ولكي تجري نضالات المستقبل في ظروفٍ "طبيعيّة"، فإن أهمّ ما يحافظ عليه الجزائريون اليوم هو ذاكرتهم، ذاكرة الثمن الذي دفعوه تجاه فرنسا وإرثها الاستعماري، حيث لمطالبتها بالاعتذار حساسيّةٌ كبيرة، ستطبع مستقبل مشاريع السيّد ساركوزي المتوسطيّة والشرق أوسطيّة. وكذلك الثمن الذي دفعوه تجاه الإسلام السياسي والتكفيريين، حيث لا يبرّر الجزائريون لهؤلاء، وبأيّ شكل كان، كيف سمحوا "للغربان" بإدخال البلاد في متاهة الرعب، حتّى وإن كانت السلطة قد ألغت في وقتٍ ما حلمهم "الديمقراطي". السيّد ساركوزي أعلن أنّ "فرنسا لن تعتذر"، وهو يبحث عن "تعاونٍ" بين شركات الغاز والنفط بين البلدين. وتيارات الإسلام السياسيّ أيضاً لم تعتذر، بل احتمت بالمصالحة الوطنية. أمّا الجزائريون، وإن كان العفو ضروريّاً للأم الجراح، فهم يؤسّسون مستقبلهم على إبقاء ذاكرتهم حيّة. هذا بانتظار أن تنهض الحياة السياسيّة فيها إلى ديناميّة جديدة تضمن طموحات هذا البلد.

وسيكون لمآل التجربة الجزائريّة وقعٌ كبير، في المغرب العربي كما - وإن بدا الأمر غريباً لبعض المراقبين - في المشرق. ليس فقط لأنّ هذا البلد الثريّ بالموارد النفطيّة يمكنه أن يقدّم نموذجاً مغايراً للتنمية الاقتصاديّة والعلاقة مع الهيمنة الغربيّة تقع أصداؤه في دول الخليج العربي. بل أيضاً - وخاصّةً - لأنّ في تخطّي "الجزأرة" و(إعادة) بناء الدولة التي تؤسّس على حياة سياسية سليمة وتعدّدية مناطقيّة وثقافيّة دويٌّ كبير على التحوّلات السياسيّة التي تجري في كثيرٍ من الدول العربيّة.

إذ قبل أن يجري غزو العراق، وتحويله إلى الفوضى "الخلاّقة"، وتحويل هذه الفوضى إلى "فزّاعة الخوف" أمام أيّ تطوّرات في الحياة السياسيّة، كانت هناك "فزّاعةٌ" أخرى تستخدمها السلطة هنا وهناك لوأد هذه التطوّرات، ألا وهي مخاطر "الجزأرة". فبالطريقة ذاتها التي لا تتحدّث فيها الصحف الغربيّة عن الجزائر إلاّ لإبراز العمليّات الإرهابيّة والحركات التكفيريّة، أو لدفع البربر وخصوصيّتهم ضد العرب، والهدف من ذلك داخليّ في أوروبا (موضوع الهجرة) بقدر ما هو خارجيّ (صراع الحضارات)، لم تكن السلطات السياسيّة في البلدان العربيّة والصحف (التي تسيطر عليها) تتحدّث إلاّ عن الشيء نفسه، بهدف إثبات أنّ أيّ تحولات سياسيّة أو محاسبة للسلطة لن تؤدّي إلاّ إلى الفوضى [3].

يتناسى الفرنسيّون المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري (في الجزائر وفي فرنسا) وسياساتهم للتفريق العنصري والطائفي [4]، بل يتناسون كيف قاتلهم البربر والعرب سويّةً هناك لتحقيق الاستقلال. ويتناسى الكثير من العرب أن الاضطرابات السياسيّة التي حلّت بالجزائر في التسعينيات كان نتيجة الفشل الذريع للسلطة هناك، خاصّةً في تحقيق التنمية الاقتصاديّة لبلدٍ ثريّ بالموارد، والذي توّج بالإفلاس المالي في أواخر الثمانينيات، وهو ما وضع الجزائر تحت وصاية سياسات صندوق النقد الدولي وجعله هشّاً أمام مطامع الشركات الكبرى والدول العظمى.

في الجزائر، كما في بقيّة الدول العربيّة، يبقى التمسّك بالذاكرة وتحليل ما وراء "فزّاعات التخويف" (أي توثيق التاريخ) هو الأساس لعدم الانصياع الطوعي ولبناء تحوّلات المستقبل.


* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

[1] توزّع صحيفة "الخبر" المستقلّة أكثر من 500 ألف نسخة. وقد تمّ توقيع اتفاق كي يجري توزيع لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية مع "الخبر" انطلاقاً من شهر أيلول/سبتمبر القادم.

[2] خاتمة رواية حميد عبد القادر: "مرايا الخوف"، منشورات الشهاب، 2007، باب الواد، الجزائر. والرواية التي تتحدّث عن زمن الإرهاب التكفيري، وهزيمته، تشدّ قارئها لأسباب عدّة، منها التضامنية التي تحتويها بين اللغتين العربية والبربرية.

[3] مثال ذلك خطابٌ شهير لأحد رموز السلطة في سورية (وقد أضحى اليوم معارضاً لها)، في خضمّ ما كان يسمّى "ربيع دمشق"، ساخطاً على كوادر حزبه "الحاكم" الذين حاسبوه بحجج "الربيع" (فساد السلطة، وعجزها): "ماذا تريدون، جزأرة سوريا؟". وكانت هذه إشارة الانطلاق لوأد الربيع، الذي لم يكن سوى حلقات نقاش تعمّمت في البلاد حول الشأن العام الاقتصادي والسياسي.

[4] أثناء "الجزائر الفرنسية"، منح الفرنسيون يهود الجزائر حقوقاً مدنيّة لم يمنحوها للمسلمين، للتفرقة بين الطائفتين، علماً أنّ كثيراً من يهود الجزائر أتوا مهجرين إليها من الأندلس بعد الاضطهاد الذي تعرّضوا إليه هناك مع المسلمين.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان