نعوم شومسكي والفكر البديل > آب/أغسطس > 2007

بيار ليفي

المسؤولية الجديدة للمثقفين

تطوّرات عظمى في مجال الاتصالات

مع تطوّر الإنترنيت، أضحى هناك إمكانيّة لمجتمعٍ جديدٍ للمعرفة. هذا، شرط الاستفادة المثلى من الاستطاعة العظيمة لقدرة الحواسب. ولكنّنا ما زلنا بعيدين جداً عن ذلك. لأنّه يفترض أن يكون هناك تعاون وثيق بين خبراء "العلوم القاسية" والباحثين في العلوم الاجتماعية، لاختراع وتطوير برمجيّات المستقبل. ولكن هل بقدرة المثقفين أن ينجحوا في مواجهة هذا التحدّي العصري الكبير؟.

ما هي مسؤولية المثقفين إزاء تكنولوجيات التواصل الجديدة؟ بحسب التعريف الشائع، يعدّ المثقفون صنفاً من المفكّرين الذين يتدخّلون تدخّلاً نشطاً في الشؤون العامة، ويعبّرون عن وعيٍ نقديّ لمجتمعاتهم. لكن مع تطور النشاطات ذات القيمة المضافة العالية، ومع توسّع الشبكة الكونية للتواصل التفاعلي، المدفوعة قدماً بفضل علوم المعلوماتية والإنترنت، يكشف الأفق التاريخي عن مجتمع معرفةٍ عالميّ سيكون "حكمه النقدي موزّعاً توزيعاً واسع النطاق". وفي هذه الحالة الجديدة، أليس من الملحّ إعادة تعريف وظيفة المثقّفين؟

لننطلق، في سبيل ذلك، من معاينةٍ عامة: لا يمكن للجماعات البشرية أن تعيش معاً إلاّ عن طريق التشارك في الأنظمة الرمزية، كاللغات والكتابات واختصاصات المعرفة والتقاليد التقنية والمهنية، والأعراف الجمالية والمؤسسات السياسية والمعايير الدينية والقانونية، الخ. فـ"ثقافة" هذه الأنظمة الرمزية هي ما يميّز النوع البشري عن غيره من الأنواع الحيوانية الاجتماعية. ويتجلّى الدور الرئيسي للمثقّفين بدراسة الأنظمة الرمزية التي تتعايش معها الجماعات البشرية بصورة وثيقة، والسهر على تمفصلها وحسن سيرها واكتمالها. وهذه المسؤولية ملحّة، أكثر من أي وقتٍ مضى، في الثقافة العالمية الجديدة للذكاء الجماعي. وينتسب المثقفون المعاصرون إلى ثلاثة أصناف رئيسية، مدعوّة أكثر فأكثر إلى العمل سويّةً: الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الباحثون في العلوم وتقنيات المعلومات، والمسؤولون عن نقل الموروثات الثقافية.

ولكن، في مطلع القرن الواحد والعشرين هذا، يواجه المثقفون عوارض تحوّلٍ ثقافيّ واسعٍ جداً. فالشطر الأكبر من المنتجات الرمزية للبشرية تتمثّل في وثائق رقمية متوفّرة على الشبكة على هيئة نصوص وصور وأصوات وموسيقى وبرامج من مختلف الأنواع. في متناولنا أيضاً تنويعة من المحرّكات الآلية للرموز - البرامج المعلوماتية (البرمجيات) - القادرة على التنسيق على الشبكة من أجل فرز وتحليل وتحويل المعطيات الرقمية. كذلك فإن الذاكرات الرقمية، مثلها مثل المحرّكات الآلية للرموز (البرامج المعلوماتية) قد أخذت بالترابط المتسارع ضمن شبكة تواصل كونية هي الفضاء السبراني cyberespace. فما أن تدخل معلومة في مكانٍ ما إلى الشبكة، حتّى يصبح ممكناً الوصول إليها انطلاقاً من مختلف الروابط. فالوثائق الرقمية هي من الناحية الافتراضية جزء من "وثيقة فائقة" hyperdocument، دينامية وكونية، تتغذّى من مختلف المؤسسات والأفراد الذي يجولون فيها ويحوّلونها ضمن الفضاء السبراني. وإذا ما ضاعفنا قدرة التداول الآلي وطاقة التعاون بين البرامج بواسطة الحضور الكلّي والترابط المتبادل في الفضاء السبراني، لحصلنا على مقدرة استثنائية في معالجة الذاكرة الرقمية المشتركة.

تطوير الذكاء الجماعي إلى الأمثل

إحدى المشاكل المطروحة أمام مثقّّفي القرن الواحد والعشرين، هي إيجاد أفضل السبل لاستثمار هذه القدرة الجديدة لصالح الذكاء الجماعي. إنّه تحدّ جديد لم يواجهه أيّ من الأجيال السابقة. لكن عوائق مهمّة تحول دون استثمار الذكاء الجماعي الإنساني لهذه الإمكانات الجديدة. ويمكن تقسيم هذه العوائق إلى مجموعتين متداخلتين. تطول الأولى تكاثر وانغلاق الأنظمة الرمزية: تعدد اللغات الطبيعية؛ وعدم التطابق المتبادل وعدم تكيّف العديد من أنظمة الفهرسة والتبويب الموروثة من زمن الطباعة (والتي لم تُخترع لاستخدام الترابط والقدرة الحسابية في الفضاء السبراني)؛ وتكاثر وعدم تجانس التصنيفات والمصطلحات والفهارس والأونطولوجيات وأنظمة التصنيف (المرتبطة بثقافات وتقاليد ونظريات واختصاصات مختلفة).

المجموعة الثانية تتعلق بالصعوبات التي تواجهها الهندسة المعلوماتية في أخذها في الحسبان "معنى" الوثائق، باستخدام الطرائق العامة. وفي هذا الصدد، يصبح العائق الأبرز هو عدم الفعالية النسبية للطرائق المستخدمة في محركات البحث التجارية المعاصرة عندما تصبح المهمة المطلوبة على درجةٍ ما من التعقيد. ويجدر التذكير هنا بأن "غوغل" و"ياهو" لا يعالجان سوى 10 إلى 20 في المئة من حجم المعلومات المتداولة على الشبكة؛ كما إن محركات البحث هذه تبني بحثها على الحروف المكوِّنة للكلمات، لا على المفاهيم. فعندما يطلب أحد المستخدمين بحثاً عن كلمة "كلب" مثلاً، تجري معالجة العبارة كسلسلة من الأحرف (ك ل ب)، وليس كمفهوم قابل للترجمة إلى عدة لغات (dog, chien, perro, cane,…)، وينتمي مثلاً إلى صنف من الثدييات والحيوانات الأليفة...

وفيما يتعدى حدود محرّكات البحث، تجهد هندسة البرمجيات في تجديد مفاهيمها، في الوقت الذي يتأكد فيه نمو وتنوّع استخدامات الفضاء السبراني. فبعد مرحلة خلاّقة كبيرة في نهاية القرن العشرين، يبدو أن الذكاء الصنعي قد فقد ديناميته. فمشروع "الوبّ الدلالي"، الذي يديره ائتلاف من الشركات الكبرى (Yahoo, Google, AOL, IBM ، ميكروسوفت، وغيرها)، والذي انطلق قبل أكثر من عشرة أعوام، لم يعد يثير التقدّم المرجوّ بالرغم من تحسيناته التقنية. كذلك يعاني الذكاء الصنعي والوبّ الدلالي من نفس انسداد الآفاق القائم أمامهما: إذ يتم الاكتفاء بـ"أتمتة العمليات المنطقية" لتعظيم الاستفادة من الحواسيب. لكن ذلك لا يمثّل سوى نصف المهمة. فالجزء الثاني الذي لم يستثمر بعد إلى حدّ بعيد ، يطول بلورة أنظمة لتحديد المعنى، تكون قادرة على استثمار الإمكانات الجديدة للمعالجة الآلية في خدمة الذكاء الجماعي على الشبكة.

وفي المحصّلة، تنزع المعلومات وأدوات معالجتها الآلية إلى التوحّد "المادي" في ذاكرة افتراضية مشتركة بين البشرية جمعاء؛ ولكن، لما كانت العوائق والانغلاقات وانعدام التطابق الدلالي لم تُرفع إلاّ جزئياً، فإن نمو الذكاء الجماعي، مهما كان كبيراً، يبقى دون المتوقّع بكثير. فهل نُفاجئ بذلك؟ علماً أن الغالبية العظمى من أنظمة ترميز المعنى المتوفّرة قد جرى اختراعها وتطويرها قبل وجود الفضاء السبراني، القائم أمام الجمهور العالمي منذ أقلّ من جيل واحد. فالمحور الثقافي الجديد ما يزال غير مكتمل، ومن ثَمَّ يواجه مثقفو القرن الحادي والعشرين مشكلة ابتداع وتكييف وتحسين جيل جديد من الأنظمة الرمزية، لكي تتناغم مع قدرة معالجة المعلومات التي باتت متوفّرة.

على المثقفين الذين يدرجون أنفسهم في سياق مهمة تحسين الذكاء الجماعي إذاً أن يتابعوا مهمة البناء غير المكتمل للمحور الثقافي الجديد. وستكون إحدى أهداف هذه المبادرة المنسّقة تمثيل الطبيعة الرمزية للعقل البشري على شكل فضاءٍ (كوسموس) يمتلك تنوعاً لا متناهياً، ويكون، من الناحية الرياضية، منظّماً وقابلاً للمراقبة والاستكشاف والمحاكاة في الفضاء السبراني. ويمكن لهذه المهمة الفكرية الجديدة أن توفّر بداية حلّ لمشكلة تجزئة العلوم الإنسانية، وأن تسمح لمجتمعاتنا على الشبكة أن تتعاون بفعالية أكبر، خدمةً للتنمية البشرية. ومن شأن مثال علوم الطبيعة أن يفيدنا في هذا المجال.

فبين القرن السادس عشر والقرن العشرين، تزوّدت علوم الطبيعة بفضاءٍ ماديّ موحّد ولا متناهٍ، يتمتع بأنظمة تحديد ووحدات قياس كونية. وقد تبنّت هذه العلوم فضاءاً، كوسموس، يمكن وصف تحويلاته عن طريق المعادلات الرياضية. وفي الوقت الراهن، وصلت أدوات الفحص في علوم الطبيعة إلى درجة عالية من الدقة على الصعيد الهندسي، وهي في تقدّمٍ مستمر. فاللغة الماورائية (أي مجمل الأدوات الرمزية والمفهومية المستقلّة عن اللغات الطبيعية) لعلوم الطبيعة هي على درجة عالية من التبلور والتماسك المنطقي، كما تنتشر انتشاراً واسعاً داخل الجماعة العلمية. الرياضيون يملكون المجموعات والعلاقات والأعداد ومعادلاتهم؛ وللفيزيائيين كتلهم وطاقتهم وجزيئاتهم؛ فيما يحرّك الكيميائيون عناصرهم وجزيئاتهم وتفاعلاتهم، ولعلماء الأحياء جزيئاتهم البيولوجية وحمضهم النووي وشبكات التبادل بين الخلايا وداخلها.

يمكن أن تتكاثر النظريات وتتعارض، لكن اللغة الماورائية، مثلها مثل نظام الإحداثيات والقياسات والمعادلات الرياضية، تبقى مشتركة، وهو ما يسمح بالحوار والفحص المُراقَب والتراكم الممفصل للاكتشافات. ويمكن القول، من ناحية إدارة المعارف، أن علوم الطبيعة قد نجحت في جعل جزءٍ كبيرٍ من هذه المعارف واضحاً، قابلاً للمشاركة، عملانياً، وقادراً على الإثراء المتبادل.

وفي المقابل، لا تتشارك علوم الإنسان والمجتمع في "فضاء أفكاري" مشترك noosphere (مجموع النشاطات الرمزية الإنسانية)، وحيد، لا متناهٍ، منسّق، قابل للقياس والتوصيف بالمعادلات الرياضية. فالاختصاصات تبقى مجزّأة. وداخل الاختصاصات، فإنّ تنازع النماذج يحدّ في الغالب من الحوار المنتج؛ حتى أنّه من الصعب أحياناً الاتفاق على طبيعة الاختلافات. فأدوات الملاحظة ليست متبلورة كفاية على المستوى الهندسي. وتعدّ الإحصاءات هي الاستخدام الرئيسي للرياضيات. وباستثناء بعض الاختصاصات الفرعية التي تبلورت معاييرها (كبعض فروع الألسنية أو الاقتصاد)، فإن القدرة على الحساب والتوقّع وقياس النظريات ما تزال ضعيفة. والنتيجة الرئيسية لهذا الوضع هي أن القسم الأكبر من المعرفة والمهارات الضخمة المتراكمة على يد الباحثين في العلوم الإنسانية تبقى "ضمنية"، يصعب تشاطرها ضمن أطر مختلفة عن الإطار الذي شهد تكوينها. ومع ذلك، فإن حلّ المشاكل التي تواجهها البشرية يستدعي بالفعل تعاوناً بين علوم الثقافة.


* أستاذ كرسي الأبحاث في الذكاء الجماعي في جامعة أوتاوا، من مؤلفاته: L’Intelligence collective, La Découverte, Paris, 1994, et de Cyberdémocratie, Odile Jacob, Paris, 2002.

أي نظام كونيّ؟

يسمح اعتماد نظام عنونة دلاليّ بتمثيل فضاء النشاطات الرمزية الإنسانية noosphère كفضاء قابل للاستكشاف رياضياً؛ ومن شأن ذلك حلّ مشكلة إدارة المعلومات التي تواجه جماعة الباحثين في العلوم الإنسانية.

وانسجاماً مع الأفكار الواردة آنفاً، بلورتُ مع فريق عملي، نواة نظام عنونة دلاليّ كونيّ أسميناه اللغة الماورائية لاقتصاد المعلومات؛ ويتوفر في هذه اللغة شرطان متوازيان. الأول يهدف إلى الانفتاح، حيث أن العناوين الدلالية في هذه اللغة يمكن أن تعبّر عن كافة اللغات الطبيعية والتصنيفات والنظريات الخاصة دون امتياز أو إقصاء لأي منها. وفي الوقت الذي تتغذّى فيه الذاكرة الرقميّة المشتركة بوثائق من مختلف الحقبات والثقافات، لا يمكن لنظام العنونة الدلالي الجديد للمفاهيم أن يؤدّي دوره كمراقب للحياة الفكرية إلاّ بعد دمج وترجمة التنوّع الرمزي بصورة تضمّنية.

الشرط الثاني المتوفّر في العنونة الدلالية هو من نوعٍ رياضي. فمن أجل استثمار أفضل للإمكانيات الجديدة للمعالجة التي يوفّرها الفضاء السبراني، تتمكن هذه العناوين الدلالية - وبصورة أفضل من تعبيرات اللغات الطبيعية - من إجراء "عمليات آلية" للفرز والتحليل والتركيب والترتيب والتقييم والإدخال والتحويل؛ وهي عمليات قابلة للتركيب والتعقيد وفق مشيئة المستخدمين. وهكذا فإن تناظرية العوالم الدلالية (تشاركية القياس فيها)، ومراقبة فضاء النشاطات الرمزية، وانعكاسية الذكاء الجماعي في الفضاء السبراني تصبح ممكنة، على الأقل نظرياً.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان