نعوم شومسكي والفكر البديل > آب/أغسطس > 2007

أرماند ماتلار

من يسيطر على المفاهيم؟

التطوّرات الكبرى في مجال الاتصالات

ما الفائدة من الاتصالات؟ هناك من يحاول أن يقنعنا أنّها ستستخدم في توحيد العالم وإرخاء السلام فيه؛ وأنّه يكفي أن تصبح الاتصالات عالمية ومعولمة – بفضل ربط الحواسب بالهواتف بشكلٍ خاص، وتطوّر الانترنيت – كي تهدأ وتزول الانزاعات الاجتماعية والسياسية والعسكرية. ولكن هذا في الحقيقة هو أسطورة. يشيعها من يسيطر بالفعل على المفاهيم. ومن هنا أهميّة حرب الكلمات التي تستعرّ حالياً.

حسب آخر التحليلات، فأنّ ما يدور في المفاوضات بين الحكومات حول قوانين المعلومات والاتصال والثقافة هو البنيان المستقبلي للشبكات على أساس أنها ركيزة للنظام العالمي الجديد. من هنا أهمية المعركة الدائرة حول دلالات الكلمات. ذلك أنّ من يتحكّم بالكلمات يتحكّم بالأدوات الذهنية التي تنظّم وضع المعايير والتصنيفات والمصطلحات والمفاهيم والتفسيرات. وكل ذلك يستدعي أنماط عمل واستراتيجيات وسياسات.

لقد تفاقم إفقار المفاهيم التي تساعدنا على التعبير عن وضع العالم ومستقبله، إلى درجة أن سوق الكلمات ينحو إلى الانحصار فقط بكلمات السوق. وقد لعبت دور حصان طروادة في ذلك الدلالة الميكانيكية للمعلومات على أنّها فقط كمّية من المعطيات data، الآتية من هندسة الاتصالات. وهذا التحديد الجديد للمادّة الأولية "غير المادية" قد انعكست، بانفصالها عن الثقافة، كشكلٍ من أشكال إنتاج المعنى والذاكرة، على الكلمتين الأخريين من الثلاثية: الثقافة والاتصال. ولهذا السبب تمكّنت منظمة التجارة العالمية من إدّعاء الحق في معالجة مسالة "الثقافة"، المصنّفة كـ"خدمة"، لتقود قمّتين اثنتين حول "مجتمع المعلومات"، في جنيف عام 2003 ثمّ في تونس عام 2005.

وكان من شأن تفتّت أرضية الكلمات أن مهّد لهذا الخليط من الكلمات المستحدثة من خارج الذاكرة والتي تولّد "آثار الحقيقة" عبر نماذج العمل التي تؤطّرها بدلالتها والتي تسوّقها على أنها الوحيدة الممكنة [1]. وإذا بالحركة القائمة منذ قرون لتوحيد العالم تتجرّد من تاريخها ومن وضعها الجيوسياسي التنازعي لتقتصر على ظاهرة تعود إلى عقدين من الزمن وحسب.

إذ يستند مفهوم "مجتمع المعلومات العالمي" إلى تاريخٍ بثلاث طبقات. ففي صلب هذه اللغة المستجدّة تتصدّر مفاهيم من نوع "مجتمع المعلومات" و"المجتمع العالمي للمعلومات"، وتُقدَّم كنماذجٍ مهيمنة للتغيير الاجتماعي وكضمانة لعالمٍ أكثر شفافيةً. وقد ظهرت هذه الثنائية في القرنين السابع عشر والثامن عشر مع الفكر المعتمد على الأرقام والقياس كنمطٍ رئيسي لأيّ خطابٍ صحيح. ثم بدأ تاريخها الأقرب مع نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرّ على مدى العقدين اللذين أعقباها. وأخيراً فإنّ تاريخها القصير الأمد، على أساس المكان والزمان والذي يسمّيه المؤرخون "الحاضريّة" يسير تحت ضغط السباق إلى "الراهن".

وما من أحدٍ تحدّث عن الزمن الطويل مثل الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، وذلك عندما استند على وهم بناء لغةٍ مصطنعة يشترك فيها الجميع كتأسيسٍ لمجتمع شامل ولتواصلٍ كامل. وتلك كانت فكرة "المؤتمر" التي تخيّلها السيد "أليخاندرو غلينكوي" في "كتاب الرمل Livre de sable"، وخرافة "جون ويلكنز" عن البناء الاصطلاحي للغةٍ تحليلية في كتاب بورخيس الآخر "أبحاث Enquêtes". وإذا كان مبتكر علم السبرنيتيك، نوبير فاينر، قد اختار في العام 1948 لايبنيز على أنّه السيّد السامي لهذا العلم الجديد، فليس لأن هذا الأخير قد اخترع اللغة الثنائية langage binaire وحساب التفاضل فحسب، بل لأنّه، عن طريق مشروعه لجعل الاستدلال آلياً، سعى هو بدوره إلى اختراع "لغة مميّزةlingua characteristica "، هي لغة "اصطناعية" معصومة عن أخطاء اللغات العادية التي هي سبب سوء التفاهم والاختلاف، وكفيلة بالمساهمة في إنشاء المجتمع الشامل.

في نهاية الشبكات، هناك ... السلطة

أما التاريخ على المدى المتوسّط فيمكن مطالعته في سياق الحرب الباردة. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، لاحت في الولايات المتحدة البشائر النظرية للـ"مجتمع ما بعد الصناعي"، الذي تطوّر ابتداءاً من السبعينيات إلى "مجتمع المعلومات". فبرز عندها خطاب قتالي يتعلّق بالمجتمع وموجّه نحو أفضلية العلم والذكاء الصنعي، ومرتكز على إعلان الـ"غايات": الإيديولوجيا والسياسة وصراع الطبقات والنزعة الثقافية إلى الاحتجاج، ومن ثَمَّ الالتزام، وذلك لمصلحة تشريع صورة المثقّف الإيجابي الموجّه نحو اتخاذ القرارات. وفي ستينيات القرن الماضي، كان الطرح الرئيسي هو أنّ تلازم الهاتف والتلفزيون والكمبيوتر هو في طريقه إلى تحويل الكرة الأرضية إلى "مجتمعٍ عالمي". لكن القوّة الكبرى الوحيدة التي بلغت هذا الطور هي الولايات المتحدة. فمصانعها الثقافية وشبكات المعلومات والاتصالات فيها تنقل قيمها الخاصة بـ"كونية جديدة". وهكذا يصبح المجتمعُ العالمي هو الامتدادَ الخارجي للنموذج الأصلي الأميركي المنشأ. فقد ولّى إذاً زمن موازين القوى الإمبراطورية. وسوف تفسح "دبلوماسية المدافع" المجال أمام "دبلوماسية الشبكات"؛ وسوف تتقدّم الجاذبية الطبيعية التي يفرضها نمط حياةٍ فرض نفسه، على الاستراتيجيات القسريّة [2].

وفي سبعينيات القرن الماضي، بات الكلام على مجتمع المعلومات عنصر إنجاز؛ وقد شرّع وضع قواعد للسياسات العامة. ثم وضعت الأزمة التي ظهرت مع الصدمة النفطية الأولى (1973) تكنولوجيات المعلومات الجديدة في خدمة الاستراتيجيات التي وضعتها الدول الصناعية الكبرى للخروج من أزمتها. وفي ثمانينيات القرن الماضي كان من شأن سياسات رفع القيود والخصخصة أن زعزعت فكرة السياسات العامة. وكان عاما 1984-1985 بمنزلة منعطف. فمن الولايات المتحدة تفشّت موجة رفع القيود عن شركات الاتصالات إلى سائر أنحاء العالم بمساندة من نظام السيدة مارغريت تاتشر النيوليبرالي.

أخيراً جاء انتهاء الحرب الباردة في العام 1989 وظهور الإنترنت ابتداءاً من العام 1994 ليدفع قطاع المعلومات وشبكاته إلى صلب السياسات المتعلّقة ببناء الهيمنة العالمية. وقد تحوّل الإمساك بالمعلومات، في اللغة الجيوستراتيجية، إلى مبدأ لثلاث "ثورات": في القضايا العسكرية والقضايا الدبلوماسية والقضايا التجارية. وصارت السيطرة على الشبكات، أي ما يسمّى "الهيمنة الشاملة على المعلومات" (global information dominance )، تتحكّم بالطرائق الجديدة لصناعة الحرب (الحرب النظيفة) وبالاستراتيجيات الجديدة (القوة الليّنة soft power)، وذلك لاستقطاب مجمل الأمم حول السوق العالمية. وفي العام 1995، وافقت الدول الصناعية السبع الكبرى (G-7) في قمة بروكسل على مفهوم "مجتمع المعلومات العالمي".

وقد تمّ الترويج لـ"طرق المعلومات الواسعة" على أنها حاملة "النظام العالمي الجديد القائم على المعلومات"، وهو عنوان الخطاب ذي الطابع التبشيري الذي ألقاه نائب رئيس الولايات المتحدة آنذاك، آل غور، حول توحيد "الأسرة الإنسانية الكبيرة". وبقي الأمر هكذا حتى العام 2001 عندما دشّنت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) مفهوم "الفجوة الرقمية" واقترحت إجراءاً إحصائياً بدافعٍ مكشوف هو إعطاء "رؤية أكثر مجتمعية" عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقبل تحديدها إدارياً، تمّ تدشين هذا المفهوم في قمة الثمانية الكبار في أوكيناوا، وأرفق بـ"شرعة مجتمع المعلومات العالمي".

وهكذا اكتسب مفهوم "مجتمع المعلومات" ومشروعه، تاريخياً، طابع الأمر البديهي بدون أن يتمكّن المواطنون من ممارسة حقهم في نقاشٍ حقيقيّ.

مأزق الألفية التقنية

بدأت المعطيات تتغيّر مع بداية الألفية الثالثة، وهذا ما أوحت به أحداثٌ ثلاثة. أولها هو اكتشاف ظهور "طبقة المعرفين cognitariat"؛ وهي كلمة نحتها صنّاع الثقافة السبرانية الأنكلوساكسونيون للدلالة على طبقة عمّالية جديدة في نظام "رأسماليّة المعرفة"، وهي مصدر حالات جديدة من الهشاشة [3]. أما الحرب على الإرهاب فقد وجّهت من جهتها تكذيباً فاضحاً للاعتقاد بفضائل "الكل التكنولوجي"، بدءاً من ساحة المعركة. فقد انكفأت عملية تصوير شمولية تسوسها فقط الوسائل غير المادّية أمام إعادة اكتشاف الرهانات الجيوسياسية الطويلة الأمد المرهونة بالسيطرة على مصادر التموّن بالطاقة. وإذا بلازمة نهاية "الدولة"، ونهاية "الدولة القومية" وسلطاتها السياديّة، تفقد مصداقيتها.

وقد فضح الهوس والتشبث بمبدأ الأمن الجانب الخفيّ لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المطبّقة في إدارة المجتمعات: ألا وهي الرقابة. وما تصدّع هو مسلّمات السياسات الخاصة ببناء الهيمنة العالمية، ركيزة الكونية الجديدة. وبدا أن العنف هو العامل الأساسي لتحقيق المشروع الاقتصادي للتكامل الشامل، أو بتعبير أفضل: "لتشكيل العالم" shaping the world كما يَرِد على لسان المخطّطين. فتلاشى مفهوم "القوّة اللينة"، التعبير الموارب عن "دبلوماسية الشبكات"، أمام عودة أشكال "قوّة" hard السلطة والإكراه.

وبذريعة ملاحقة الإرهاب، جعلت الولايات المتحدة نفسها شرطيّاً على مسالك التدفّقات العالمية (المالية والبحرية والجوّية والمعلوماتية). وهكذا رأينا كيف أنها، في القمة العالمية حول مجتمع المعلومات المنعقدة في العام 2005، قد عطّلت مسألة إصلاح "حِكامة الانترنت"، برفض البحث في هذا الموضوع. وفي الواقع، فإن هذه الشبكة خاضعة لإدارة "هيئة الإنترنت لإسناد الأسماء والأرقام Internet Corporation for Assigned Names and Numbers (ICANN)"؛ وهذا الجهاز، المتمتّع بوضعٍ خاص (شركة لا تتوخّى الربح خاضعة لقانون ولاية كاليفورنيا)، تتحكّم بالوصول إلى جميع النطاقات النوعية(.com, .org., .gov., .edu., etc.) أو المحلية. وفي الحقيقة، إنّه يرتبط بسلطة وحيدة هي وزارة التجارة الأميركية. ولم يتسنَّ للتحالف القوي بين حكومات الجنوب والاتحاد الأوروبي، ولكلٍّ من الطرفين مصالح مختلفة، أن يزعزع مسلّمة مراقبة الشبكة من قبل الولايات المتحدة المتمسّكة بسياستها: وهي "الهيمنة الشاملة على المعلومات".

أخيراً، بدأ التشكّل الجديد للفاعليات الاجتماعية والمهنية يسحب مسألة المناجم الجديدة للثروة اللامادية من قبضة سياسات الهيمنة واستراتيجياتها. وقد أصبحت الخلافات الجوهرية بديهية وتقسّم المشروع التعدّدي لبناء "مجتمعات المعرفة" للجميع وفي كلّ مكان، سواء في دائرة التداول أم في الإنتاج، وكذلك مشروع "مجتمع المعلومات العالمي" القائم على التواطؤ والإبهام، والذي تناسى موازين القوى بين الثقافات والاقتصادات. هذا ما تؤكّده مساهمات هؤلاء الجدد من أتباع الحيّز العام في مداولات الاتحاد الدولي للاتصالات (حول "مجتمع المعلومات") واليونسكو (حول حماية التنوع الثقافي والترويج له).

ويتمفصل مشروع المضاد المنتقد للمنطق الاتّجاري الخطير الدافع في اتّجاه الملكية الخاصة، حول مبدأين. من جهة، الفلسفة - التي ما زالت متلعثمة - للثروة العامة المشتركة؛ ولا تتعلّق هذه الثروة فقط بالثقافة والمعلومات والمعرفة والتربية، لكن أيضاً بالصحة والبيئة والمياه وطيف التردّدات الراديوية، الخ.، أي جميع هذه المجالات المفترض أن تكوّن "استثناءاً " في قانون التبادل الحرّ. وهي "أشياء" للمواطنين الحق فيها، وأن تنتج وتوزّع ضمن شروط المساواة والحرّية؛ وهذا ما يعرّف بالتحديد ما هي الخدمة العامة أياً كان وضع الشركات التي تنهض بهذه الرسالة. والقاعدة فيها هي القوانين العامة الإنسانية والبيئية، والضامن هو المؤسسات الدولية الشرعية، والشرط الدائم هو الديمقراطية والمصدر هو الحركة الاجتماعية [4]. ومن جهة أخرى "حقّ الاستفادة من المعلومات والاتصالات".

ومن سخرية التاريخ، أن في الأمر عودة قويّة إلى مفهوم ظهر في العام 1969. وقد تقدّم به "جان دارسي"، مدير قسم الإذاعة والخدمات البصرية آنذاك في قسم الإعلام في الأمم المتحدة، في وقتٍ كان يتبلور في اليونسكو النقاش حول الحريات في مجال الإعلام. فقد أكّد جان دارسي في مقالٍ نشر في مجلة الاتحاد الأوروبي للعمل الإذاعي: "يوماً ما سوف يكون على إعلان شرعة حقوق الإنسان الذي أرسى للمرّة الأولى منذ عشرين عاماً، في مادته التاسعة عشرة، حق الإنسان في المعلومات، أن يعترف بحقّ أشمل، هو حقّ الإنسان في الاتصال... ذاك لأن الشعوب اليوم باتت على معرفة، وإن كان يصعب حكمها، فذاك ربّما لأن أداة الاتصال والإعلام والمشاركة المتوفّرة لها لم تعد تتلاءم مع العالم الحالي وتقدّم تقنياته [5]".

وفي العقد التالي سوف تتطوّر في اليونسكو فكرة بطلان النموذج العمودي لتدفق المعلومات في اتّجاه واحد، ورفض وجهة التواصل من النخبة إلى الجماهير، ومن المركز إلى الأطراف، ومن الأغنياء (في مجال الاتصالات) في اتجاه الفقراء. وبدءاً من ثمانينيات القرن الماضي، أدّى رفع القيود الإداريّة إلى وقف العمل بهذا المبدأ في مرحلته الجنينية. لكن منذ العام 2001، باتت هذه المبادئ الرئيسة الأربعة التي أرسي عليها "الحقّ في التواصل"، أي التنوّع والحرّية والولوج والمشاركة، في صلب أعمال الورش التي فتحتها الحركة الاجتماعية حول تنوع أشكال التعبير الثقافي والإعلامي. وتلك هي المعركة الكبيرة حالياً.


* أستاذ متقاعد في الإعلام والمواصلات في جامعة باريس 8. مؤلّف كتاب Diversite culturelle et mondialisation, La Decouverte, Paris, 2005. يصدر له في أيلول/سبتمبر القادم: La Globalisation de la surveillance. Genèse de l’ordre sécuritaire, Paris, La Découverte, 2007.

[1] Armand Mattelart, Histoire de la société de l’information, La Découverte, Paris, 2006 et Diversité culturelle et mondialisation, La Découverte, Paris, 2007.

[2] Zbigniew Brzezinski, Between Two Ages. America’s Role in the Technetronic Era, Viking Press, New York, 1969.

[3] Geert Lovink, Dark Fiber, MIT University Press, Cambridge, 2002.

[4] راجع موقع:www.bpem.org

[5] Jean D’Arcy (1969), “ Direct Broacast Satellites and the Right to Communicate ”, in , L. S. Harms (ed), The Right to Communicate. Collected Papers, University of Hawaii Press, Honolulu, 1977.

تتم متابعة النقاش حول هذين الموضوعين في موقعنا بالفرنسية http://blog.mondediplo.net/-En-Débat

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان