
مراجعة كتب > آب/أغسطس > 2007مراجعة كتببنوا بريفيلحين ظهر "المهاجر"....
بعد عشرين عاماً على صدور "البوتقة الفرنسية"، Creuset français، وهي الحصيلة الرائدة في تاريخ الهجرة، يتناول جيرار نوارييل أسس كراهية الأجانب [1]. ويسمح له التحليل الدقيق للخُطَب التي ألقاها "محترفو الكلام العام" طوال قرنين من الزمن باستخراج ثوابت التنديد التي طالت كل موجةٍ من موجات الهجرة. فمن الجاسوس الألماني في نهاية القرن التاسع عشر إلى الإرهابي الإسلامي في العقود الماضية، ومن "الحثالة" في ما بين الحربين إلى "البور" beur (أبناء المهاجرين المغاربة) في الضواحي، ومن الإيطالي الكسول الذي "يسرق عرق" العمّال الفرنسيين إلى المهاجرين غير الشرعيين الذين يعملون دون إذن، جرى تصوير المهاجر على التوالي في سمات العدو السياسي والاجتماعي والاقتصادي. يؤرّخ نوارييل بدقّة "لاختراع مسألة الهجرة". ففي مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر، جرى بناء الحيّز العام حول ثلاثة أقطاب: السياسة والصحافة والعلم. وقد أدّى ظهور أربع صحف يومية كبيرة - "المليونيرية" (من حيث عدد النسخ المطبوعة) - إلى توسيع دائرة القرّاء. وإزاء تحوّل العامل والفلاح إلى قرّاءٍ مفترضين، لم يعد جائزاً حصر الاهتمام بأخبارهما في باب الحوادث والمتفرّقات حيث يؤدّون دور المطاردين من العدالة. فراح الأجانب يؤدون دور "الطبقات الخطيرة الجديدة" هذه. وعلى التوازي، ومع قيام الجمهورية الثالثة وإقرار الاقتراع الشعبي العام (للذكور)، صار من واجب رجال السياسة استمالة الناخبين من الفئات الشعبية. فراحوا يبحثون عن مسؤولٍ عن مشاكلهم الاجتماعية. والأجنبي يتلاءم تماماً مع هذا الدور. فالشروط اجتمعت لتحويل المهاجر إلى مصدرٍ لمعاناة فرنسا؛ فقضية "صلاة العصر في مرسيليا" في حزيران/يونيو 1881 التي تواجه فيها الفرنسيون والإيطاليون، كانت الشرارة التي سمحت بتحويل نزاعٍ محلّي بين عمّال إلى شأنٍ سياسي وطني، وذلك للمرّة الأولى. وابتداءً من ذاك التاريخ، بات أدنى حدثً يتورّط فيه شخص من أصول أجنبية يؤكّد على وجود "مشكلة الهجرة". بعد مرور قرنٍ من الزمن، ولّدت التبدّلات في الحيّز العام تحوّلاً جديداً في الخطابات. فالتلفزيون صار بديلاً عن "المليونيريّة الأربعة" وارتفع نفوذ الإعلان في الإعلام. وباتت القاعدة العامة هي السعي وراء المشاهدين والقرّاء، وهو ما يؤدّي إلى التركيز على الحوادث المشهودة والمتفرّقات. وقد قام "هذا النمو الفظّ لسوق الإعلام بدورٍ حاسمٍ في بروز "مسألة" الجيل الثاني القائمة على تمايز إثني-عرقي". فأعمال الشغب في ضواحي مدينة ليون عام 1981، والتي أبرزها الإعلام بكثافة، قد كوّنت منعطفاً: إذ تحوّلت مدن الضواحي إلى "محطّ للتهويمات الإعلامية"، وحلّ شباب الضواحي من أصلٍ مغربي أو إفريقي جنوب الصحراء محلّ أصحاب السترات الجلديّة السوداء في مخيّلة الجنوح. تحاول المساهمات العديدة التي يتضمّنها الكتاب الذي يشرف عليه بنجامن ستورا وأميل تميم [2] تأكيد تحليل جيرار نوارييل. فبرونو إتيان الذي انكبّ على دراسة عناوين الصحف خلال العقدين الماضيين يكشف هو أيضاً عن تصاعد الحديث عن الهجرة ابتداءً من الثمانينيات: فبين 1980 و2000 بلغّ المعدل السنوي لترداد عبارات "الهجرة" أو "المهاجرين" في عناوين الصحف الأربعة الكبرى، 550 مرة. مع الإشارة إلى أنّه "في الوقت الذي شهد فيه سكن المهاجرين تحسّناً غير مسبوق، إذ به يتحوّل إلى مشكلة اجتماعية". ماري كلود بلان شاليار تشير أيضاً إلى الفارق بين الخطب العامة التي تضع المهاجرين في صلب الأحداث والواقع الفعلي لهؤلاء المهاجرين.
[1] Gérard Noiriel, Immigration, antisémitisme et racisme en France (XIXe – XXe siècle). Discours publics, humiliations privées, Fayard, Paris, 2007, 717 pages [2] Benjamin Stora, Emile Temime (dir.), immigrances. L’immigration en France au XXe siècle, Hachette, Paris, 2007, 382 pages.
|