مراجعة كتب > آب/أغسطس > 2007

قراءات

رامون شاو

دماء ومؤامرات في صقلية

عندما كانت صقلية إسلامية

من سنة 831 حتى 1071م، كانت باليرمو مدينةً إسلامية. ثم عرفت صقلية، بعد استعادتها على يد الأعيان النورمانديون (أولاد تانكرد دو هوتفيل) في القرن الثاني عشر - خاصةً في حقبة روجيه الثاني، المُعجب الكبير بالثقافة الإسلامية - وهجاً كبيراً بفضل التواصل الثقافي والديني الذي طغى فيها. ففي باليرمو، كانت إدارة الملوك النورمانديين ذات طابع كوسموبوليتي، حيث جمعت بالإضافة إلى النورمانديين، اللومبارديين والإنكليز والعرب. وتجلّى هذا التآلف في فنّ تلك الحقبة، إذ ظلّت الثقافة واللغة العربية حاضرة بقوّة. فعرفت الجزيرة حقبة ازدهارٍ كبير، خاصةً على المستوى الزراعي. اختلط المؤمنون، مسلمون ومسيحيون، فعاشوا بوفاق في عهد الملك روجيه الثاني - المعروف بـ"السلطان روجري" - الذي رعى مثقفي وفناني جميع الطوائف.

فلا نفاجأ إذاً باختيار المثقّف البريطاني، ذي الأصول الباكستانية، والوجه البارز من وجوه اليسار المعادي لليبرالية المعاصرة، شخصيةً كهذه لإيصال أفكاره حول اضطرابات العالم المعاصر، عن طريق روايةٍ مثيرة. نذكر مثلاً تعليق إحدى الشخصيات الأساسية، الإدريسي، الطبيب وعالم الجغرافيا، الصديق الكبير "للسلطان" الذي أعاره مكتبته من أجل أبحاثه: "من المثير كيف أنّ مصير اليهود يرتبط على الدوام بمصيرنا، وذلك منذ 500 سنة. يعانون حيث نعاني. وينجحون حيث ننجح (...) هي القصة نفسها هنا، في الأندلس، كما في القدس وبغداد والقاهرة ودمشق".

سلطان باليرمو هو أول جزء من عمل طموح: "خماسية الإسلام". حيث تعرض كلّ رواية لحقبة تاريخية كان خلالها التعليم والمعرفة والثقافة مرادفات لإسلامٍ يتطوّر متعايشاً مع العالم المسيحي. ففي السطور الأولى وصفٌ دقيق لقلقٍ يعيشه كل مؤلف - سبق وأشار إلى هذا القلق كل من مالارميه ورولان بارت - عند الشروع في كتابة روايته. وقد وجد الإدريسي نفسه في مواجهة هذا الوضع أيضاً: "أدرك عفوياًً، لكونه عملٌ على مخطوطات قديمة، أن الجملة الأولى حاسمة. كم كان الأقدمون يفهمون ذلك جيداً! بأية عناية اختاروا مقدماتهم، وبأية سهولة يتقدّم عملهم ما أن يُتّخذ هذا القرار! من أين نبدأ؟ وبماذا نبدأ؟" بهذه البراعة اللبقة، اندمج طارق علي في دور الشخصية الرئيسية ونجح في المباشرة برواية مغامرات من الطراز التشرّدي (البيكاريسك)، فيها عطر ألف ليلة وليلة الجذّاب: قصص حبّ خلاعية، وأسرار المضجع، ودسائس وسياسية وإسراف في مشاهدٍ من وحي أدب رابليه الفرنسي؛ وكذلك مناقشات عقائدية جديّة بين الملك روجيه والإدريسي قارناً من خلالها بين إيجابيات وسلبيات ديانتيهما. لم يسعَ طارق علي قط إلى إضفاء نظرة مثالية على الإسلام، حتى لو أنّ التصلّب كان من قِبل المسيحيين في تلك الحقبة.

لدى عودته إلى باليرمو، بعدما أبحر حول صقلية كمقدمة لتأليف " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" ( الجغرافيا الكونية)، كتب الإدريسي: " تقولب جغرافية هذه الجزيرة طبعنا، ومن الآن وحتى خمسين سنة قادمة، سيصبح من المستحيل التمييز بين المؤمنين، يهود أو نصارى. سنصبح صقليّون، في مواجهة المشاكل نفسها...

وعندما بلغ روجيه الثاني نهاية عهده، وهو حامي المسلمين من تصلّب الكنيسة وطمع البارونات اللومبرديين، اعترف للإدريسي أنه سيتخلّى عن فيليب، الأكثر جدارة بين مستشاريه المسلمين، إرضاءً للأعيان النورمانديين الذين يحتاجهم لضمان خلافته. فنشهد هكذا على تزوير المحاكمة وإعدام البريء.

ومنذ هذه الجريمة، لم تعد العلاقة بين الطائفتين أفضل ممّا نشهده في أحداث معاصرة: خطف، اغتصاب، اغتيالات، دون أن يستطيع أحد إيقاف تصاعد العنف. وبعد موت روجري، وقعت مجزرة بحق المسلمين في باليرمو، فقرّر الإدريسي هجر الجزيرة والانتقال إلى عاصمة الخلفاء حيث يختلط بالشعراء والفلاسفة ويؤلّف كتباً جديدة في بيت الحكمة. إذاً، قصد العراق، بغداد "المدينة التي ستظلّّ دائماً لنا. المدينة التي لن تسقط أبداً". ويضيف بإصرار: "التي لن تسقط أبدا!ً"


طارق علي: سلطانٌ في باليرمو (ترجمته من الإنكليزية ديان مور، سابين وسبيازير للنشر، 390 صفحة، باريس، 2007، 24 يورو)

Tariq ALI : Un Sultan à Palerme, traduction Diane Meur, éditeur Sabine Wespieser, Paris, 2007, 24 euros.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان