
مراجعة كتب > آب/أغسطس > 2007قراءاتجيل بيروحضارة وبربرية على الطريقة الأرجنتينية
مع "بامبا"، يقدّم لنا بيير كالفون واحدة من أكثر القصص روائيةً؛ استناداً إلى قصة حقيقية. ففي العام 1855، يبحر المحرّر الفرنسي الشاب أوغست غينار هرباً من ضجر مكتبه الباريسي إلى الأرجنتين، وسعياً وراء الثروة. وكانت البلاد تعيش وقتها مسلسلاً من صنف رعاة البقر الجنوبيين، مع حربٍ لا تتوقف حتى تبدأ من جديد ضد القبائل الهندية في الجنوب. يقع غينار، المغامر حتى الجنون، أسير إحدى هذه القبائل ليتحوّل إلى عبدٍ من عبيدها. وإذا لم تكن العبودية مبهجة عموماً، فهي عند الهنود رهيبة. ليس بسبب الضرب والإذلال والسخرة فقط، بل لضرورة التكيّف مع نمط حياةٍ لم يعتد عليه أصحاب القلم. فعليه العيش دون ثياب، والنوم مع الكلاب، والاقتتات مثلها من اللحم النيئ. ويعاني غينار الأمرّين، لكنه يتكيّف في النهاية ويصبح الكاتب لدى زعيم القبيلة المتنفّذ. وبعد ثلاثة سنوات في الأسر، يفرّ ويعود إلى فرنسا. وهناك سنلتقي به. يقرّر المؤلف أن له ابناً، وُلد بعد فراره من الشابة الصغيرة آيلِن، ابنة واحدة من نساء الزعيم الهندي الاثنين والثلاثين. الأم أمة (عبدة) من أصلٍ ألماني. وبمناسبة إحدى المصالحات المتكرّرة، لكن المؤقتة، بين القبائل الهندية والسلطة الأرجنتينية، يُسلّم هذا الولد إلى الأرجنتينيين ليتلقّى العلم. وسينتهي به الأمر ضابطاً، ويشارك، مع تعذيبٍ للضمير، في الحروب ضد أخوته الأصليين. وسيعثر على والدته في أسر رفاق سلاحه حيث ينتظرها مصيرٌ أسود. لا تقتصر أهميّة الكتاب على هذه الحبكة المثيرة. فبيير كالفون، الأستاذ والصحافي والدبلوماسي، أمضى ربع قرنٍ من حياته في أميركا الجنوبية، وقد أصدر كتاباً تعريفياً بالأرجنتين في السلسلة المعروفة “Petite Planete” في دار نشر سوي الباريسية، تحوّل إلى مرجعٍ في نوعه، يتحدث فيه بأسلوب فريد عن "البامبا"، هذا السهل الفسيح وسع فرنسا، الذي هو "دُوّارٌ أفقي" فعليّ. أما الوثائق التي استخدمها، فهي نفسها التي توفّرت له لتحضير شهادة الدكتوراه. وينجح الكاتب في تقديم مجموعة من المعلومات المفيدة والممتعة، دون ثقلٍ يقع على السرد اللاهث. ونتابع معه الاحتضار البطيء لقبائل البامبا، ضحية عمليات الإبادة، بعد أن تفوّقت عليها بنادق رمنغتون. لقد انتصرت "الحضارة" على "البربرية". كما يذكّرنا الكاتب. "هذه الثنائية التي طُرِحَت لمقاربة الواقع الأرجنتيني منذ 1845 (...) ما تزال سائدة، لم تصدأ، بعد قرن ونصف من الزمن".
|