الفلسفة والفن > آب/أغسطس > 2007

ملف خاص

مولي نسبيت

محطة الطوباوية

الفلسفة والفن

قد نكون نشهد على نمط جديد من العلاقات بين الفن والممارسات الاجتماعية. الأعمال الفنيّة تتزاوج مع الواقع، مستدعية من جديد ظهور مئة زهرة، أشياءٌ تنهار. تدخل الفنون الحيّز الخارجي عنها وتتوجّه بتصميمٍ نحو المستقبل. إنه سعيٌ شامل. الكثيرون يرون في ذلك حال طوارئ. لكن ما هو الآن دور الفنان؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة مجرّدة. فلمحاولة تقديم إجابة ملموسة، ولدت هذه الصفحات الأربع التي تشبر إلى بداية تعاون بين "محطة يوتوبيا" (محطة الطوياويّة) و"لوموند ديبلوماتيك".

رأت "محطة يوتوبيا" النور في عام 2003، على صورة مشروع معرضٍ في "بينّال" البندقية، ثم في "هاوس دير كونست" في ميونيخ، لتتّخذ بعدها أشكالاً مختلفة: موقعٌ على الانترنيت (www.e-flux.com)، صفحات منشورة في الصحف، لقاءات، منتديات وسلسلة مداخلات على هامش المنتدى الاجتماعي العالمي عام 2005، في بورتو أليغري. أكثر من ثلاثمئة فنّان ومهندس معماري وكاتب وموسيقي ومغنٍ من العالم شاركوا في تعريف "محطة يوتوبيا" التي هي مجرّد تقاطع وجهات، محطة رحّالة في الواقع، من تنظيم هانس أولريخ أوبريست وريركريت تيرانايجا وأنا. وقد تحوّل المشروع إلى أداة، إلى وسيلة للتنظيم الذاتي وتقديم مجموعة من الخيارات، إلى معبر للالتقاء على درب "اليوتوبيا"، أو من أجل حياةٍ أفضل.

تُحدَّد المحطة نفسها بنشاطاتها كما بما تحويه. إنّه مكانٌ يمكن الاستراحة فيه وإعادة النظر في الأمور وطرح مختلف الأسئلة، الأكل والنوم والتعلّم والنظر. اندماجٌ كاملٌ في المعرض الذي يدخل إلى دائرة الأشياء والأشخاص الحاضرين جميعاً. لا شيء مفصول نهائياً عن الآخرين. ويمكن للمحطّات أن تكون صغيرة أو كبيرة. لكن "محطة يوتوبيا" تقوم على أرضية الزمن الحقيقي وتخضع للتاريخ المتحرّك. وفي مكانٍ ما، في المستقبل، قد يكون هناك عالمٌ آخر ممكن.

اجتمعت مجموعة "محطة يوتوبيا" للمرّة الأولى في بوغكيبسي في ولاية نيويورك، في شباط/فبراير من العام 2003، خلال نهاية الأسبوع الذي شهد التظاهرات الكبرى ضد اجتياح العراق. نرى على الصور أن الثلج كان يسقط في ذاك اليوم. وفي الداخل، يبقى المشروع سؤالاً مطروحاً، دون صياغة، ليلعب دوراً توفيقيّاً. ومنذ انطلاقتها، تلاحق "محطة يوتوبيا" واقع الحرب وثقل فقراء العالم والكارثة البيئية والتلاعبات المالية الباردة وشبح غرق الكوكب.

حلّت "محطة يوتوبيا" إذاً هذا الشهر في صفحات "لوموند ديبلوماتيك". وقد كُلّف بها الفنان السويسري توماس هيرشهورن، الذي دعا بدوره الفيلسوف الألماني ماركوس ستينواغ للعمل معه على خريطة غير مسبوقة. هكذا تبدأ "خريطة الصداقة بين الفن والفلسفة" بمصافحة تكرسّها المشاركة في بعض المفاهيم. يستحيل تمييز يدٍ عن أخرى. كل إصبعٍ يحمل وشماً يمثّل مفهوماً: الأمل، الشكل، التأكيد، الفعل دون رأس، الشجاعة، الكونية، المقاومة، الاستقلال الذاتي، الحب، الحرب. هذه المفاهيم العشرة تشعّ من كتلٍ حمراء كبيرة حيث يعمل الفنان والفيلسوف على تعميق المفاهيم وتطويرها. فيقرّرون أن الأمل يحتوي على "المستقبل" و"التغيير" و"الحياة" و"الحلم" و"التقدّم" و"البراءة"، ثلاث صور واستشهادَين طويلين. والخريطة تشهد على شخصين يعرفان بعضهما جيداً، عملا سوياً وتفاوضا حول بنود تعاونهما.

لا مصافحة بدون طرفين. الفنّ هنا لا يصوّر: إنه يشارك على قدم المساواة. السياسة ليست معزولة، إنها تسيل في الدورة الدموية. والنفي؟ كل كتلةٍ حمراء تترافق مع مربّعٍ أزرق، كأنّه ظلّ لها، يعبّر عن المنكرات. والأمل يرفض ببرودة، مثلاً "العواطفية"، و"النرجسية"، و"الآلهة"، و"البكائية"، و"الصلافة"، و"النقد"، و"النقد الذاتي"، و"الضمير المرتاح والمعذّب"، و"الوهم"، و"التألّق"، و"الموضة". الكتل ترسم خريطةً ليس واضحاً إن كانت تمثّل الجدلية أو إيقاع الاختلافات.

مؤلفو العمل أدخلوا إلى صداقتهم مساهمة العديد من الفنانين والمفكّرين الآخرين، من الماضي أو الحاضر. فهناك حلم الأنوار لنيتشه، وغلاف كتيّب المعرض النازي حول "الفنّ المنحطّ". فهكذا يغلّفون الأحلام والمنحطّين المفترضين. الصداقة تأتي على الدوام عبر تحالفات جديدة، غير متوقّعة.

كمكانٍ مفتوح، تتعقّد الصفحة. تظهر المعابر. وكما على أيّ خريطة، يقوم الفنان والفيلسوف بالإرشاد إلى المحاور الرئيسية، الطرقات والروابط الرئيسية، الوجهة، ويقبلون بأن تمحى بعد ذلك التفاصيل الصغيرة، ذلك أنّه في واقع الحال، ما من خريطةٍ تصوّر الواقع بحجمه الحقيقي. هذا العالم لا ينتمي إلى خورخي لويس بورخيس. فالواقع أوسع من الخريطة، دائماً. انظروا جيداً وسترون الدم. الفيلسوف والفنان يأتون بأفكارهم إلى النقاش-الحوار، مع علمهم بأنّهم ليسوا لا أول ولا آخر من سيفعل ذلك.

هذه الصفحات هي إذاً محطةٌ، معبرٌ، شيئٌ رحّال، مصنوعٌ كي يُحمَل، يُنقَل، كي يجتاح فضاءات أخرى، كي يستخدم. فلنفكّر فيه كأنّه حقيقة. تمتلك حياتها الخاصة. كعملٍ قيد الإنجاز. في تحوّلٍ دائم.


* أستاذة وناقدة للفن المعاصر. تدرّس في جامعتَي كاليفورنيا وكولومبيا. من مؤلفاتها Their Common Sens (Black Dog Books, Norwich, 2000). . وكذلك كاتبة افتتاحية في مجلة "آرت فوروم" النيويوركية.

خريطة الصداقة بين الفن والفلسفة

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان