
مراجعة سينما وموسيقى وكتب > أيلول/سبتمبر > 2007عباس كيارستَميإذا لم ينجح طفل في فهمنا... بعث لي أحد الأطفال برسالةٍ يطرح فيها عليّ سؤالاً حول الشجرة القائمة في فناء بيته. فهي تعطي الكثير من خوخ "الغوجه". يتذوّق هذه الثمار بالكثير من اللذّة، ويتساءل عمّا إذا كانت الشجرة تستطيب ثمارها هي أيضاً. ردّة الفعل المباشرة هي أن تجيبه لا، فالشجرة لا تأكل من خوخها، لكن السؤال هو أعمق من ذلك. إذ يملك الطفل نظرةً فلسفية إلى هذه الشجرة، وهذا ما يستحقّ تفسيراً بسيطاً، صائباً وعميقاً، على مستوى سؤاله. وإذا ما كنت أتمتّع بشيءٍ من البصيرة، فأنا مدين بها للعشرين عاماً التي عملت خلالها مع الصغار. فقد علّموني أشياءً معقّدة وبسيطة في آنٍ واحد. بساطة لا علاقة لها بالسطحية. فعندما تعتمد السينما لهجة الوقار وبعض المرارة، فذلك عندما تكون عاجزة عن التعبير ببساطة. والواقع أن التعبير الفعليّ هو التعبير ببساطة. فإذا لم ينجح طفلٌ في فهمنا، فذلك يعني أن لدينا نقطة ضعف، وأنّنا عاجزون عن إنتاج فكرةٍ بسيطة. الوسيلة الجيّدة للتأكد من أننا ننجح في تمرير أفكارنا تكون في تخيّل سينما يمكن دائماً عرضها أمام الصغار. وقد سمعت أن أينشتاين كان يقول أنّه يجدر بمعادلاته الرياضية أن تكون مفهومة من أول عابر سبيل. خلال دراستي الرسم في معهد الفنون الجميلة، كان يتخرّج كل سنة أربعين طالباً. قلّةٌ منهم صاروا فعلاً رسّامين؛ في حين يتخرّج الآخرون مزوّدين بمعلوماتٍ كثيرة توسّع مقدرتهم التقنيّة. غير أن ذلك لم يحوّلهم إلى فنّانين بالرغم من توفّر الفرصة أمامهم لممارسة موهبتهم. وأنا أقول دائماً للمشاركين في المحترفات التي أديرها إنّهم ليسوا هنا ليتعلّموا بل ليعبّروا عن أنفسهم. الشيء الوحيد الذي يمكن تقديمه لهم هي العناصر التي من شأنها توسيع حقل تجاربهم. فكلّ فردٍ منهم يتبع مساره وصولاً إلى فنٍّ خاص، إلى نمطٍ من أنماط التعبير. (...) ويمكن اليوم ممارسة الفنّ السينمائي يومياً بفضل كاميرا رقمية، على غرار النحّات أو الرسّام. فالتكنولوجيا من القوّة بحيث تمضي قدماً مهما حصل. وهي تتجاوزنا. فالأفضل إقامة علاقةٍ معها ومضاعفة الممارسات الفنيّة التي يتيحها لنا نظام الإنتاج المخفّف. إنها لحريّة لا تقدّر وطريقة في المقاومة من خلال صياغة الشعر والابتكار. هكذا تمكّنت من تحقيق التراسل المصوّر مع فكتور إيريس أو تجهيزات الفيديو. حتى ولو أنّ الأمر برأيي يتعلّق دائماً بصناعة الأفلام. ما يسمّى "تجهيزاً" في فضاء الفنّ المعاصر كان موجوداً قبل تكوّن السينما. فنحن نخرج من البيت فـ"نعيش" تجهيزات. وفي الشارع، عندما نجتاز، هناك خطوطٌ ثابتة، شجرة، سيارات تعبر، زحمة سير، سماءٌ تتغيّر... لكن أسوأ أفلامي لقيَت مشاهَدة أحسن من أفضل تجهيزاتي. الصالة المعتمة تخلق علاقة حميمة مع الفيلم، تركيزٌ دون تدخلات خارجية، من أجل متابعة السرد. ومهما كانت اللمسة الفنيّة، لا يمكن اعتبارها فناً إن لم تكن تخبرنا حكاية. ولا تدخل إلى حيّز الوجود إلاّ متى شارك فيها المشاهدين. والعمل الفنيّ يكون حديثاً انطلاقاً من اللحظة التي يتقبّل فيها عدة تفسيرات. وهذا ما يؤسّس للفرق بين الكلاسيكية والحداثة.
* مخرج سينمائي وفنّان إيراني
|