مراجعة سينما وموسيقى وكتب > أيلول/سبتمبر > 2007

من آداب العالم

بلانش كوسانيل

حيث تنكشف المحرّمات

تدعونا هذه الرواية إلى مشاطرة صدمة الرحلة الداخلية والثقافية لإقبال بكري، العائدة بعد ثماني سنوات من المنفى في ألمانيا. تعود حاملةً دكتوراه غير مكتمَلة حول المحرّمات في الأدب العربي. إقبال، وهي أحد وجوه الثورة الطلاّبية المصرية في السبعينيات، تعود على وجه السرعة إلى بلادها للقاء أمّها التي هي على عتبة الموت. هذه المرأة الحديثة، المُحبَطة، المتحمّسة، المتأمّلة، التي تتّخذ من المرجع الكلاسيكيّ للأدب الجنسيّ العربي، "الروض العاطر في نزهة الخاطر" [1]، منطلقاً مركزياً لأطروحتها، تعيد مذهولةً اكتشاف القاهرة وصخبها.

وإذ تنتقل من نشوة العودة إلى الارتجاف أمام المتغيّرات في بلدٍ متبدّل، تلتقي إقبال بعائلتها ورفاق النضال السابقين الذين انكسروا وباتوا "عقلاء" بعد أن انتظموا من جديد في الحياة العائلية. تغوص دون خجل في حميميات شخصيات محبّبة لإعادة رسم الصدمات التي ضربت مصر التي عانت الاجتياح، فتركّز على ثورة عرابي باشا في 1881 والهيمنة الفرنسية البريطانية وفشل الحركة التقدميّة العربية في السبعينيات، الحالمة بالوطنية والعروبة والأمميّة.

وبفضل مسيرة شقيقها البكر شاكر، المهتم بالسينما والمسحور برمز ثورة 1881 [2]، تروي المؤلّفة المراحل الحاسمة في التاريخ الحديث. إذ أنّ شاكر، نوعاً ما، هو نسخة عن إقبال: مطلّقٌ وممزّقٌ بين كتابة سيناريو حياته وثورة عرابي التي يحلم بنقلِها نقلاً مميّزاً إلى الشاشة، وعلاقته الصعبة مع ابنتيه اللتين نادراً ما يلتقيهما، إضافةً إلى رغبته الدائمة في العودة إلى العمل مجدّداً في الخليج، موطن الثروة هذا الذي يحاول المصريون الهجرة إليه، والفقر الذي يتشارك فيه مع الشعب المصري ومع جزءٍ من النخبة – المتخرّجون الجدد المحكوم عليهم بقبول وظائفٍ دنيا -، أو أيضاً الآثار الكارثية لحرب الخليج التي صدمت الشعب المصري. وعن كلّ هذا، لا تتدّخر الكاتبة أحداً. إذ تستنكر بشكلٍ واضح الهيمنة الأجنبية على وسائل الإعلام العربيّة. أمّا إسرائيل فبل تشير إليها إلاّ نادراً.

وفي أسلوبٍ لا يخلو من السخرية الذاتية، تهزأ من الشعار الذي يزيّن ساحة عامة معروفة في القاهرة: "لو لم أكن وُلدّت مصرياً لتمنّيت أن أكون كذلك". وتستنكر برهافة الشراهة التاريخية للمصالح الغربية إزاء "مخزن العالم"، وفساد من قادوا مصر، والمفارقة في المجتمع المعاصر بين التقليد والحداثة، في روايةٍ تورد فيها "السور" اللطيفة أو المرّة، مثل أحاسيس إقبال.

ترسم هذه الرواية، النفسية والسياسية أيضاً، تيه العالم العربي المعاصر. كتابٌ ساحر، مقسّمٌ إلى فصولٍ صغيرة تخلق انتظاراً متصاعداً، من أعادة اندماج إقبال الممزّقة، إلى شاكر صاحب السيناريو المثير وغير المكتمِل، المتأهب دائماً للحصول على وظيفة في الكويت، إلى العلاقات العائلية والصداقات وقصص الحبّ التي تُنسَج وتسمَح لبعض الشخصيات بالتقدّم في مسيرتها الداخلية، في حين تعلَقُ شخصياتٌ أخرى في أنانياتها، أمثال رمزي، الأخ الثاني لإقبال أو أيضاً أسامة، عشيق إقبال في صباها والذي تحوّل إلى "خرتي"، وهو تعبيرٌ يشير إلى دليل سياحي أو إلى انتهازيّ ومافياويّ صغير، أو ببساطة إلى "من لم يجد حلاًّ". شأنه شأن المصريّ اليوم.


[1] مجموعة نوادر وحكايات متحرّرة جداً للشيخ النفزاوي تعود إلى القرن الخامس عشر.

[2] ملاحظة من النشرة العربية: عرابي باشا، خاض تجربة غير مسبوقة من أجل الاستقلال والعدالة والحرية لبلاده، وهو ما أودى به إلى المنفى في سيلان لتسعة عشر عاماً.

La prairie parfumée de Mahmoud Wardan (traduit de l’arabe – Egypte – par Richard Jacquemond, Sindbad - Actes Sud, Arles, 2007, 183 pages, 21 euros.)

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان