فنّانٌ عربيّ > أيلول/سبتمبر > 2007

فنّان عربيّ

خالد العبد المغني

سامي محمد ... نديم الحرية

الكويت

عندما تتأمّل نتاج الفنان سامي محمد من نحتٍ ورسم، تدرك منذ الوهلة الاولى ما يشغله ويفكر به ويضنيه، حيث مرارة القهر، وقسوة الأغلال، وكابوس الظلم الواقع من الإنسان على الإنسان .

فمساره الفني التشكيلي اتضحت معالمه منذ ولادة مرحلة " الصناديق " في نهاية السبعينيات، وهي المرحلة الاكثر بروزاً في مشواره الفني وشهادته صريحة بذلك: "ابتداء من تلك المرحلة وفي كل ما تبعها أصبح الإنسان هو وعيي وهاجسي وقضيّتي".

إن ما تميّز به نتائج الفنان سامي محمد التشكيلي، هو الروح الكامنة في صور التحدّي والمقاومة، لا الخنوع والخضوع، وكذلك الفعل المبني على ثنائية الصمت والرفض، لا الصراخ والاستكانة. ولعلّ التسميات التي يعرّف بها الفنان على أعماله تكشف عن عوالمه الإنسانية بلا مواربة، وانحيازه المطلق إلى صفّ المقهورين والمكبّلين والضعفاء بلا تردّد. ففي مرحلة "الصناديق" قدّم أعماله الست المرقمة باسم "محاولة خروج"، وهي ترصد لحالات إنسانٍ يسعى للإفلات من داخل صندوقٍ من البرونز، حيث اليدان التي تثقبان الحائط المطبق الصلب، لتحدث الصدع في أركانه للانعتاق نحو الحرية و الهواء الطلق.

إنّ أعماله النحتية تجمع بين النقيضين، صرامة النسب وحرية التعبير المطلق، ومزيج بين الواقع المرّ وبين الخيال الحالم؛ فهو لا ينحت لكي يصنع الصدمة للمتلقّي، ولكن من أجل أن يثير مشاعره حتى الاندماج، ويحرّضه حتى الانصهار.

وأضحت مواضيعه إنسانيّةً بشكلٍ مطلق ، تسمو خارج وطنه الصغير لا بل خارج إقليمه الممتدّ من الخليج إلى المحيط، ولتشمل الإنسان في أرجاء الأرض.

وكما لا يتفاعل سامي محمد مع قسوة الحدث عن قصدٍ دعائي، وإنما يتمثل الحدث في إبداعه بلا تكلّف، لتخلّد أعماله مرارة المأساة برمزيّةٍ وقدسيّة، كما في رائعته تمثال "صبرا وشاتيلا": جسدٌ لشهيدٍ مستلقٍ على قاعدة من البرونز، تتدلّى يد واحدة، وأما باقي الأطراف فتبدو مقيّدة، وثمة عصابة حول الرأس والعينيين.

وأمّا في أعماله الزيتية، فيتناغم الفنان سامي محمد - كما في النحت - في صفّ الشهيد لا في صف الشاهد، في صف الضحيّة لا في صف الجلاّد؛ فبوصلته هي الإنسان في كلّ مكان، يجزع لكرامته وينهض لحريّته، كما في مجموعة "المكبّلين" التي ترصد قسوة التعذيب في مناخ ميلودرامي صارخ، لكي يزاوج الرسم بالنحت أو النحت بالرسم، ولربما التوحد والتوأمة بين الاثنين.

وعندما تستكين روحه من عناء النحت بين حينٍ وأخر، يلجأ لمتنفّسٍ آخر ورسم مختلف، كما يستريح المحارب بعد ساحة المعركة أو الناسك بعد قيام الليل، فيستظلّ سامي محمد في أحضان الموروث الفطري، حيث الرسم من وحي فن "السدو"، (وكلمة "السدو": تطلق علي عملية الحياكة وآلة الحياكة نفسها لتصنع بها المنسوجات الصوفية المختلفة مثل بيت الشعر – الخيمة - والمسند والبساط وغيره، وهو نشاط ٌفطري اقتصادي تقوم به النساء في البادية).

وجد في فن السدو ضالّته واستراحته، فاستلهم منه مفرداته، وصاغ من الموتيفات التقليدية الموروثة لوحات تشكيليّة تجريديّة، وقدّم المثلثات والمربعات والخطوط المتقاطعة في صيغٍ غير مألوفة، حرّرها من التكرار إلى الديمومة، فاستخدم اللون الأحمر الموروث في مساحاتٍ لونيّة، وكما صاغ له ألوان خاصة به، مثل الأحمر القاني والأزرق والأخضر. وكانت تجربته التجريدية التشكيلية في رسم السدو مواكبه لمسار تجاربٍ تشكيلية أخرى في الوطن العربي، مثل اللوحة الخطيّة أو الحروفيّة التي ارتكزت على الخط والحرف العربي.

ولد الفنان سامي محمد في الكويت عام 1943م؛ بدأت ملامح اهتمامه بالرسم والنحت في نهاية الخمسينيات، عندما شارك مع زملائه في تصميم نماذج لجنود ونساء بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، وفي عام 1962م حصل على التفرّغ الكامل في المرسم الحر التابع لدائرة المعارف، وفي عام 1966م التحق بكليّة الفنون الجميلة في القاهرة. وتعتبر إقامته بمصر محطة ارتكازه الفنّي بإطّلاعه على فنون الحضارة المصرية القديمة. وبعد عودته بسنوات قليلة أوفد في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأميركية (1974-1976)، اطّلع خلالها على التجارب الحديثة، وزار المتاحف والمعارض باختلاف مدارسها، وبعد عودته تشكّلت ملامح فنّه وتفجرت موهبته، واختار موضوع "الإنسان" قضيّته وهاجسه ورسالة لا يحيد عنها.

يحكي سامي محمد "عندما كنت طفلا بدأت علاقتي بالطين، اجلس صامتا أراقب حوائط بيتنا المبنيّة من صخر البحر واللبن، شيءٌ ما حرّكني، فامتدت يديّ إلى الطين ، وأبداً لم أدرك وقتها ، أنّني إنما كنت أمدّ عمري بكامله!".

هكذا بدأ وما زال متواصلا بمسيرته الفنية ... نديماً للحرية .


حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان