
افتتاحية > آب/اغسطس > 2001إنياسيو رامونهرؤساء مطاردون جاك شيراك ليس الرئيس الوحيد المطارد في العالم، يلاحقه القضاة وتنكده وسائل الاعلام. لم يعد ذلك بالامر الغريب. ففي الانحاء كافة وفي اشكال مختلفة يتعرض الرؤساء الحاكمون والمنتخبون ديموقراطياً للمضايقة والاتهام والملاحقة من دون اعتبار لوظيفتهم التي كان ينظر اليها على انها شبه مقدسة وتجعل منهم اشخاصاً لا يمسون. انتهى ذلك كله. لا يخطئ تماماً من يتحدث عن "النهاية الاخيرة للعهد القديم" كوننا نشهد بام العين نهاية ما يمكن اعتباره فخامة الوظيفة الرئاسية التي يقطع رأسها بالمعنى الحرفي. حتى "اسياد العالم" ما عادوا بمنأى عن المضايقات. هكذا تواجه الرؤساء المجتمعون في جنوى بين 20 و22 تموز/يوليو لمناسبة انعقاد قمة الدول الغنية السبعة في العالم (G7) بتظاهرات غضب واسعة النطاق. لم يكونوا هم المقصودين بها مباشرة بل بصفتهم يمثلون العولمة التي لا وجه لها. فقد خلّفوا لدى الرأي العام في بلدانهم صورة كريهة عن النادي الذي يؤلفونه وهو مكوّن من اثرياء متعجرفين، يحتجزون انفسهم على متن مركب سياحي فاخر وراء جدران ارتدت الوان الحرب، على غرار أي مترف من زمن مضى، مقطوعين عن الشعب الغاضب وتحرسهم شرطة في حال استنفار حربي لم تتردد في قتل احد المتظاهرين الشبان، كارلو جيولياني، 23 عاماً… بعدما وجدوا انفسهم مطوقين بما يقارب المئتي الف متظاهر، اكتفى رؤساء الدول السبع (G7) الذين تجاوزتهم الاحداث على ما يبدو، بتكرار حجة واحدة دفاعاً عن انفسهم: "لقد انتخبنا بصورة ديموقراطية". كأنه ما زال لهذه الفكرة سحر ما! فالمواطنون يعتبرونها من باب تحصيل الحاصل من دون ان يعني اطلاقاً ان في امكان الرؤساء التنكر لوعودهم الانتخابية وللمصلحة العامة. او الاستجابة مهما كان الثمن لمطالب الشركات التي مولت حملاتهم الانتخابية. اثنان من اصل سبعة على الاقل ـ السيدان جورج دبليو بوش وسيلفيـو برلوسكوني ـ هما كما يعرف الجميع يمثلان الشركات الكبرى واوساط رجال الاعمال اكثر مما يمثلان مواطنيهم. واول المستهدفين من بين الحاكمين هم رؤساء الجمهورية او الحكومات المتهمون بارتكاب جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية. كالجنرال بينوشيه، الديكتاتور التشيلياني السابق الذي اعتقل في لندن عام 1998 بسبب شكوى قدمها ضده القاضي الاسباني بلتازار غارثون، والذي اعيد الى بلاده في آذار/مارس 2000 حيث اتهم من جديد على يد القاضي غوزمان، الى ان علقت الملاحقة في حقه في 9 تموز/يوليو المنصرم بحجة "تدهور الحال العقلية للديكتاتور السابق". لقد غيرت قضية بينوشيه في العمق معطيات النضال ضد الافلات من العقاب على المستوى الدولي. فشهدنا بعدها في الانحاء كافة استدعاء قضاة التحقيق لمسؤولين سابقين، مثل الجنرال خالد نزار الذي وجه اليه احد القضاة في باريس تهمة ارتكاب جرائم حرب. او وزير الخارجية الاميركية السابق هنري كيسنجر الذي استدعاه احد قضاة التحقيق في باريس بسبب مشاركته المفترضة في انقلاب ضد سلفادور اليندي في تشيلي. او رئيس الوزراء الاسرائيلي، آرييل شارون المضطر لتفادي المرور في بلجيكا حيث قدمت ضده شكاوى بتهمة التواطؤ في ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982. كذلك رأينا كيف جرى في 3 شباط/فبراير 2000 الحكم على رئيس تشاد السابق حسين حبري بتهمة "التواطؤ في اعمال التعذيب" وحكم عليه بالاقامة الجبرية في السنغال حيث كان لاجئاً. وفي تطور قريب حكم في تموز/يوليو 2001 على الجنرال الارجنتيني خورخه فيديلا، قائد انقلاب العام 1976، ووضع في الاقامة الجبرية بتهمة المشاركة في "خطة الكوندور" وهي عقد الموت الذي اتفقت عليه ديكتاتوريات اميركا اللاتينية في السبعينات بهدف التخلص المنهجي من جميع المعارضين. وقد حصل اخيراً، في 29 حزيران/يونيو الماضي، التسليم المثير للجدل [1] للرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش الى محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي، بتهمة ارتكاب "جرائم ضد الانسانية". لكن الملاحقة لم تقتصر اليوم على الجرائم الدموية، فالعدالة تطارد ايضاً رؤساء منتخبين بصورة ديموقراطية بسبب مشاركتهم في الفساد. وتبرز هذه النزعة الاخلاقية على الصعيد الدولي. ففي حزيران/يونيو المنصرم تم توقيف الرئيس الارجنتيني السابق كارلوس منعم ووضعه في الاقامة الجبرية بسبب اقدامه على بيع الاسلحة بصورة غير مشروعة وتقاضي عمولات سرية وصلت الى عشرات ملايين الدولارات. كذلك رئيس البيرو السابق المنتخب ديموقراطياً ايضاً، البرتو فوجيموري، لجأ الى اليابان في تشرين الثاني/نوفمبر 2000 هرباً من العدالة التي ادانته بالفساد والقتل. كذلك تم في حزيران/يونيو الماضي توقيف مساعده السابق ورجل النظام القوي فلاديميرو مونتسينوس واعتقاله. في الفيليبين عزل الرئيس جوزف استرادا تحت ضغط الشارع في 25 نيسان/ابريل الماضي بتهمة اختلاس 80 مليون دولار من موارد البلاد الاقتصادية… يمكن متابعة سرد الامثلة على الرؤساء المطاردين في الاكوادور واندونيسيا والمكسيك… ان توجيه التهم الى المسؤولين السياسيين ليس حصراً على البلدان الديموقراطية المتقدمة في الشمال بل بات يمتد الى العديد من بلدان الجنوب، كأن عولمة اخلاقية تواجه العولمة المالية. وذلك بسرعة مشابهة للسرعة التي شهدت تحول الحركة المناهضة للعولمة خلال عامين، بين سياتل وجنوى، من اعتراض فولكلوري الى تمرد جيل، ومن الرفض في مواضع محددة الى الحرب الاجتماعية الكونية.
[1] اقرأ Catherine Samary, "Les incohérences du Tribunal pénal international", www.monde-diplomatique.fr/fichier/k...
|