الانترنيت والصحافة > آب/اغسطس > 2001

سيرج حليمي

حرية الصحافة ورقابة المال

ألا ننسى من فرط دفاعنا عن "حرية الصحافة" المهددة في روسيا او سنغافورة، ما الفائدة من هذه الحرية المستعادة؟ لقد أدت قضية تيميشوارا او حرب الخليج الى اعادة النظر في آلية عمل الصحافة، فتوالت الندوات والمؤتمرات واقتراحات القوانين حول الآداب الصحافية. لكن الامور عادت الى بدايتها مع الجنون الذي احاط بمقتل الاميرة ديانا واكاذيب حرب كوسوفو والهيجان حول "لوفت ستوري" (قصة شقة). من دون ان ننسى الامتلاء الدعائي ومبدأ التأثير الرخيص (يوما يحكى عن "جوسبان التروتسكي" ويوما آخر عن رحلات شيراك") المعتمد في الظاهر على اختيار العناوين الرئيسية في الصفحات الاولى.

هل من باب الصدفة ان تستخدم الصحافة الغربية كلمة "اخلاق" في جميع الاتجاهات؟… من الضرورات الاخلاقية التي يفترض ان يلتزمها المسؤولون السياسيون الى الاعلان عن سيادة عهد الاخلاق في القانون الدولي، مرورا بالمثقفين من دون نتاج من منظّري "الشرّ" واساتذة الاخلاق المهيمنين على "النقاشات" الاعلامية. منذ أكثر من قرن كتبت المجلة النمسوية الساخرة "دي فاكل": "ان المشهد الذي تقدمه لنا الصحف يشبه ملايين المكانس في أيد قذرة على استعداد دائم للكنس امام ابواب الآخرين [1] ".

"اياد قذرة" او بالاحرى اياد تتخيل انها على درجة من الطهارة تمكنها من استخدام المبضع. في حزيران/يونيو الماضي اعلنت شركة "الكاتل" انها تنوي اغلاق غالبية معاملها. فلم يتوان السيد دونيز جامبار عن التعبير عن صدمته من التراخي العام ازاء الموضوع: "يعيش الحاكمون تحت سلطان الاسواق والشركات المعولمة. في المختصر لم يعد للسياسة من وجود [2] ". لكن صاحب هذا المأخذ المتبصر هو في الوقت نفسه مدير مجلة "الاكسبرس" ورئيس قطب الاعلام العام في شركة "فيفندي-يونيفرسال للنشر" (شركة هافاس السابقة وهي مجموعة كانت تمتلكها الكاتل [3] …) هل يمكنه، هو الملازم في احدى اهم الشركات المتعددة الجنسية في العالم، ان يعالج باسهاب تطورات احداث من هذا النوع كأنها غريبة تماماً عنه؟ تتحول يوماً بعد يوم مجموعات الاعلام المندمجة هي ايضاً "شركات معولمة" تعيش تحت سلطان السوق". وفي هذه الحال الا يفترض من وقت الى آخر اعمال المكنسة امام هذه الابواب ايضاً [4] ؟.

يتزايد كل يوم قيام الصحافة بدور حامل الذيل [5] عند اصحاب النفوذ التي يفترض بها مراقبتهم. وفي عدد متكاثر من البلدان بات من يملك وسائل الاعلام هو الذي يهيمن على الدولة والسياسة. وقد أعلن الصحافيون هذا التحول "نهاية للتاريخ" وتتويجا لـ "حرية الصحافة". لكن الانتصار لم يمثل بالنسبة اليهم سوى مرحلة على طريق التبعية المرسخة. فجدران رقابة الدولة التي سقطت، استبدلت بجدران اقل ظهوراً للعيان. اذ انه ما الفائدة من فرض ارتداء الزي العسكري على مقدمي الاخبار كما حصل في بولونيا خلال عهد الديكتاتورية طالما انه يوجد في تصرف السلطة الحقيقية صحافيين بدون قيود ظاهرة يتكلمون لغة البزة الرسمية. ففي ايامنا هذه تحمل كسوة الخدم شعارات الاسواق.

اذا كان التمرد ضد عبودية البضائع ما زال في بدايته، فالعكس تماماً يحدث في الصحافة. سواء في صحيفة يومية محترمة ام في اذاعة رسمية كبيرة ام محطة تلفزة خاصة، يبدو الهدف التلفظ قدر الامكان بعبارات "ماركة" او "منتوج" في سياق التعريف بما كان الصحافيون يفضلون منذ فترة وجيزة تسميته "معلومة" [6] . صحيح انهم كانوا ينسون ان الرأسمالية تفتحت مع "حرية الصحافة" وان المعلومة" في الاقتصاد تستخدم اولا لبيع البضاعة وبيع الذات: الى القارىء والمعلن وحامل الاسهم.

ويذكّرهم المؤرخ باتريك ايفنو بذلك بحماسة تقارب الصدق: "لم يبق شيء عمليا من ترسانة التضييق على وسائل الاعلام التي جرى العمل بها بعد تحرير فرنسا. فباستثناء مكاتب توزيع الصحف الباريسية (NMPP)، و"وكالة الصحافة الفرنسية" وبقايا هيئة الاذاعة والتلفزيون الفرنسي (ORTF) والتي عليها تحديث نفسها ايضا، فان وسائل الاعلام الفرنسية قد استعادت حرية الحركة من خلال قطع حبل الصرة الذي كان يربطها بالدولة في شكل وثيق. تتحسن الصحافة لان الاعلانات تتدفق وايضا لان لديها مشاريع في القسمين التحريري والتجاري(…). لقد دخل الاعلام الفرنسي عصر الحداثة الرأسمالية والديموقراطية(…) ان الوصفة الوحيدة الناجحة من اجل المحافظة على استقلال الصحيفة، هي الارضاء المشترك للقارىء ولحامل الاسهم [7] ". هكذا، فان الحرية والاستقلال "المتفلتين" اخيراً يسيران في سياق المعلنين والمالكين. لقد باتت هذه "الفلسفة" اعتيادية. وفي بعض قاعات التحرير هناك اسئلة لم تعد تطرح حتى لكثرة ما باتت الثياب العادية تشبه البزة الرسمية او كسوة الخدم. منذ سنوات مثلاً يصار الى تقطيع برامج الاذاعة والتلفزيون بالوقفات الاعلانية الاكثر ضجيجاً وازعاجاً [8] . بدورها تبث هذه البرامج في المقاهي والمطاعم والمحال التجارية الكبرى. ويحدث ذلك كله في صورة طبيعية، من دون مقاومة. هل نتخيل ردة فعل مسؤولي وسائل الاعلام والمستمعين والمارة اذا تدخل الناطق بأسم الحكومة كل عشر دقائق في جميع البرامج ـ أي ايضا في المقاهي والمطاعم والسوبرماركت ـ من اجل قراءة بلاغ رسمي؟ ستكون الفضيحة هائلة وسترتفع الاصوات مستنكرة تدجين الموجات والديكتاتورية. وسيكون الموقف محقا. هل يكون الحق في اقتحام العقول والنفوس اقل خطراً لانه مبيع للمزايد الاعلى أي للاكثر ثراء؟ هل بات حق المال يغفر جميع ذنوب التلاعب بالعقل؟؟. [9]

ليس دقيقاً القول ان الصحافيين لا يطرحون الاسئلة: فالبعض منهم قدّم الاجوبة. قبل عامين وفي مقابلة اجرتها معه مجلة L’Evenement، احدى منشورات مجموعة "هاشيت" اوضح آلان جنستار (كان في ذلك الحين مديراً لصحيفة Le Journal du dimanche التابعة لمجموعة "هاشيت" وهو اليوم مدير مجلة "باري ماتش" من "هاشيت" ايضاً ومعلق دائم في اذاعة اوروبا الاولى المملوكة كذلك من المجموعة نفسها) علاقته بالشركة بهذه العبارات: "اعمل كصحافي لدى هاشيت منذ 18 عاماً. احب العمل مع العاملين فيها واتفاهم جيداً مع المسؤولين. في هذا الزمن الذي تشهد مجموعات الصحافة الدولية تطوراً بالغ السرعة اتمنى لمجموعتي ان تصير قوة كبرى [10] ". لا احد يشك في سعادة السيد جنستار لاستعادة الصحافيين حريتهم عندما توقفت الدولة عن "التضييق على وسائل الاعلام". ألم يصير حراً في التعريف عن نفسه بانه "صحافي لدى هاشيت" وان يقدم البرهان على ذلك من خلال المنشورات التي يديرها؟

ان "حرية الصحافة" المناسبة الى هذا الحدّ لعمالقة الاتصال لا تزعج كثيراً منظمة "مراسلين بلا حدود". ويوافق مديرها روبير مينار قائلاً: "من اجل الدفاع عن الصحافيين في العالم نحن في حاجة الى دعم توافقي من اوساط المهنة بينما يثير البحث في مهنة الصحافي الجدل بطبيعته. كيف يمكن، مثلاً، تنظيم نقاش حول تمركز وسائل الاعلام والطلب من ثم من هافاس او هاشيت رعاية الاحداث الاعلامية [11] ؟. بما ان "الدفاع عن الصحافيين" في الصين او الشيشان يفرض المسايرة تجاه هاشيت وهافاس- ولكن ايضاً برلوسكوني وموردوخ وبويغ…- فلم العجب اذا لم يرد بين "مفترسي حرية الصحافة"، الذين اختارتهم منظمة "مراسلين بلا حدود" والذين كشف النقاب عنهم في محال Fnac يوم 4 ايار/مايو الماضي، أي اسم قادر على "رعاية" الاحداث الاعلامية؟ وبالتأكيد لم يرد اسم فرنسوا بينو، صاحب شبكة محلات Fnac.

الحقيقة ان التحالفات المتشابكة جعلت من الصعب توجيه التهمة الى أي من اصحاب شركات الاعلام، حتى من وسيلة اعلامية لا تنتمي حاضراً الى مجموعته. فالسيدان جان-ماري ميسيه وروبرت موردوخ قاما أخيراً بتوحيد الباقات التلفزيونية المدفوعة العائدة اليهما في ايطاليا. السيدان سيلفيو برلوسكوني وموردوخ مساهمان في الشبكة الخاصة T.V.Breizh [12] المتخصصة في شؤون مقاطعة برتانيه، الى جانب السيد بينو ومحطة ت.أف.1. لاغاردير وفيفندي هما شركاء في قنال-ساتليت. اما "هاشيت" و"لوبوان" (مجموعة بينو) و"لوموند" و"لوفيغارو"- بانتظار انضمام "ليبارسيون" اليهم ربما- فانها مرشحة داخل شركة مشتركة لحيازة محطة تلفزيونية مركزها العاصمة باريس [13] .

في محيط كهذا من اشكال التواطؤ الصناعي وحيث نقع باستمرار على الاسماء نفسها والمصالح الطبقية نفسها، يضمحل بدوره امكان التمييز بين ما هو عام وما هو تجاري. في ايطاليا بالطبع، بما ان السيد برلوسكوني، الرجل الاكثر ثراء في البلاد وصاحب المحطات التلفزيونية الخاصة الثلاث، قد صار رئيساً للوزراء. وفي امكنة اخرى ايضاً، اشترى روبرت ماكسول صحيفة في كينيا بعدما كان شريكاً في الاعمال للرئيس آراب موي وبالطبع لم تتوقف الصحيفة عن امتداح الرئيس. عائلة مارينهو المسيطرة على وسائل الاعلام البرازيلية لها مجموعة غير رسمية نيابية داخل البرلمان اوسع نفوذاً من المجموعات الحزبية. وقد اقر فرنسيس بويغ انه اشترى محطة TF1 من اجل الحصول على سلطة نفوذ سياسي وثقافي. من جهة اخرى يقول احد المقربين منه: "يشعر فرنسيس باحتقار كبير للسياسيين وهو يعرف ان في امكانه شراءهم. وهو يدرك انه بامتلاك شبكة تلفزيونية لم يعد مضطراً لتوسلهم بل هم سيطلبون رضاه [14] ".

من يرفض هذا العرض؟ ليس المعارضون الذين لا يتوقفون عن الاطلالات الاعلامية المنتقدة لليبيرالية المتطرفة والتي توفر دائماً تقريباً شركات الاتصالات المتعددة الجنسية والتوجه المركنتيلي الذي تطبع به الاعلام. وليس المثقفون الذين يلبون الدعوات التي توجه اليهم رغم احتقارهم ما تخصهم به وسائل الاعلام من موقع متراجع. لكن جيل دولوز كان قد حذرهم منذ اكثر من ربع قرن من تقنيات "التسويق الفلسفي" الذي يشيعه برنار-هنري ليفي واصدقاؤه ومن مخاطره: "صار المطلوب الكلام عن الكتاب واثارة الكلام حوله اكثر مما يحتمل او ما لديه يقوله. الى حد ان وفرة المقالات الصحافية والمقابلات والندوات وبرامج الاذاعة والتلفزيون يجب ان تحلّ محلّ الكتاب الذي يمكن ان لا يكون موجوداً على الاطلاق(…) فالمثقفون والكتّاب وحتى الفنانون مدعوون تاليا ليصيروا صحافيين اذا ارادوا التماشي مع المعايير السائدة. انه صنف جديد من الفكر، الفكر-المقابلة، الفكر-المحادثة، الفكر الجاهز [15] ".

هكذا فان تمجيد "حرية الصحافة" يستخدم غالباً كستار للاستبداد الصامت التي تريد وسائل الاعلام واصحابها فرضه على الحياة السياسية والثقافية [16] . بيد انه ليس من الصعب تقدير الاخطار. ففي العام 1996 مثلاً، خصص الكونغرس الاميركي موجات برامج مجانية تقدر عموما بسبعين مليار دولار، بعدما الغى المساعدات الفيديرالية للفقراء. وكان المستفيدون الرئيسيون من قرار تخصيص الموجات شركات "فياكوم" و"ديزني" و"جنرال الكتريك" وهي تملك على التوالي شبكات "سي.بي.أس." و "أي.بي.سي" و"ان.بي.سي". وفي سياق اعتراضه على هذه الهبة اعلن السناتور جون ماك كاين خلال المناقشة البرلمانية: "لن تسمعوا بهذه القضية من التلفزيون او الراديو لانها تعنيهم مباشرة". وبالفعل لم تكرس محطات الاخبار الرئيسية الثلاثة سوى ما مجموعه 19 دقيقة للموضوع وذلك طوال الاشهر التسعة الفاصلة بين اقتراح القانون واقراره النهائي. لكن أيا من الدقائق التسع عشر لم تتطرق الى قدرة شركات الاعلام الكبرى على دفع بدل الموجات المقدمة من الدولة.

ومع ذلك هل من بلد يضمن "حرية الصحافة" افضل من الولايات المتحدة الاميركية؟


[1] Jacques Bouveresse, Schmock ou le triomphe du journalisme, Seuil, Paris, 2001, p. 72.

[2] حتى العام 1995، كانت شركة الكاتل تسيطر في الواقع ومن خلال La Générale Occidentale على 50 في المئة من سوق المجلات الفرنسية الاسبوعية غير المتخصصة ومنها "لو بوان" و"الاكسبرس".

[3] شركة "فيفندي يونيفرسال للنشر" باعت أخيرا اسبوعية "كورييه انترناسيونال" الى صحيفة "لوموند" "مقابل مبلغ لم يكشف عن قيمته". هل ان الصحف المعتادة على المطالبة بالشفافية عند الآخرين قادرة على التأقلم مع الغموض عندما يتعلق الامر بها؟

[4] يحمل ذيل ثوب البابا او الاسقف او الملك في الاحتفالات، والمقصود بها فعل التملق…

[5] السيدان جان – ماري كافادا، مدير عام اذاعة فرنسا وميشال دونيزو، المدير العام المفوض في تلفزيون "قنال بلوس متخصصان في مردات التجارة هذه. فمن اجل تبرير البث الدوري لبرنامج "كارل زيرو"، اعلن دونيزو: "ان كارل زيرو ماركة قوية يجب تقريبها من موقع الماركات القوية" (صحيفة Le Parisien بتاريخ 11/7/2001).

[6] Patrick Eveno,, Le journal Le Monde : Une histoire d’indépendance, Odile Jacob, Paris, 2001.

[7] طلبت محطة ام 6 (مجموعة برتلسمان) من المجلس الاعلى للوسائل السمعية البصرية ان يرفع من 6 الى 9 دقائق معدل الاعلانات في الساعة.

[8] . يوم 21 آذار/مارس 2001، لونت صحيفة "ليبيراسيون" صفحاتها بلون الخوخ بناء على طلب احد المعلنين فصار من الصعب قراءة مقالاتها. بلغ حجم الاعلانات التجارية والاعلانات المبوبة في الصحافة المكتوبة 71 مليار فراك فرنسي للعام 2000 أي ما نسبته 5،45 من رقم اعمالها. ويعتبر هذا الرقم هو الاعلى نسبيا منذ عشر سنين.

[9] L’Evénement, 22 juillet 1999

[10] Robert Ménard, Ces journalistes que l’on veut faire taire, Albin Michel, Paris, 2001, pp. 63-64

[11] ويملك رأسمالها كل من ارتميس (السيد بينو)، 27 في المئة، ت.أف.1، 22 في المئة، بنك التسليف الزراعي في مقاطعة بريتانيه، 15 في المئة، ; News International PLC (السيد مردوخ)، 13 في المئة، Médiaset Investment (برلوسكوني) الخ… كذلك ان السيد بينو، صاحب اسبوعية "لو بوان" وشهرية L’Histoire هو ايضا احد كبار المساهمين في ت.أف.1

[12] Jean-Marie Colombani, “ Nous allons nouer des liens forts pour bâtir un réseau européen ”, le Nouvel Hebdo, 13 juillet 2001

[13] . Pierre Péan et Christophe Nick, TF1 : un pouvoir, Fayard, Paris, 1997, p. 193

[14] Gilles Deleuze, A propos des nouveaux philosophes et d’un problème plus général, Editions de Minuit, Paris, 1977

[15] La pire des censures ”, Pour Lire Pas Lu, juin-août 2001, Marseille

[16] Bill Moyers, “ Journalism and Democracy ”, The Nation, 7 mai 2001

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان