
جدران وحدود > آب/اغسطس > 2001مارك اوجهعالم الاتنولوجيا فوق آثار جدار برلين منذ اربعين سنة أعلن والتر اولبرخت، رئيس جمهورية المانيا الديموقرلطية آنذاك للتلفزيون أن جدارا سيفصل من الآن وصاعدا القسم الغربي من برلين عن القسم الشرقي. وابتداء من 13 أب/أغسطس عام 1963 أغلقت جميع المعابر باستثناء سبع نقاط منها المعبر الشهير "تشيك بوينت تشارلي" المخصص للحلفاء والديبلوماسيين، وبذلك افتتح جدار برلين مرحلة من التوتر المأسوي. فمنذ 1961 الى 1989 سقط أكثر من مئة قتيل في محاولات الفرار الى الغرب. ماذا بقي من هذا الجدار الذي سقط في 9 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1989؟ هنا يكتشف أحد علماء الاتنولوجيا، في جولة فوق أنقاضه، آثار الجراحات التي طالما طبعت مخيلة الأوروبيين. إن للمدن، الكبرى منها خصوصا، علاقة خاصة بالتاريخ. التاريخ يلقي بثقله عليها تخليدا واحتفاء بالانتصارات والفتوحات. والهندسة المعمارية تلازم التاريخ مثل ظله حتى عندما تنتقل مراكز السلطة كما تريد لها التطورات والثورات الداخلية. والتاريخ هو أيضا العنف الذي غالبا ما تتلقى مساحات المدن الكبرى ضربات سوطه اللاذعة تاركة فيها الندوب. وما في المدن من قابلية العطب ومن ذاكرة تشبهان الى حد بعيد ما في الجسم البشري وهما اللتان، بدون أدنى شك تقرباننا من المدن وتحركان مشاعرنا. ان تغير "شكل المدينة" عندما يحدث يطاول ذاكرتنا وهويتنا، فلا يصعب علينا أبدا تخيل ما تمثله التغيرات الأكثر وحشية بالنسبة الى من وقعوا ضحيتها. وبرلين هي الى حدّ بعيد مدينة تجارب، نتلمس فيها قوة الماضي وقوة النسيان، ومدى الأعمال الارادوية وحدودها، والعلاقات بين المدينة والمجتمع كما بين المدينة والفن إذ ان عاصمة المانيا الموحدة هي مختبر ومتحف، كما كنا نتبينه، من رسوم الجدار ذي الهندسة العدائية في ساحة بوستدامربلاتز، او من نزعات ما بعد الحداثة وصولا الى الثقافة البديلة. فهي في حد ذاتها مختصر تاريخ القرن المنصرم وشاهد حي على القرن الطالع. أردت إذن أن أذهب كي أشهد عن قرب، لأنه قيل لي انه سرعان ما تعود المدينة الى الانصهار ماديا وانه لم يتبقَ نهائيا من القطيعة السابقة، سوى بعض الجراحات التي يصعب اندمالها. وأول ما أردت القيام به طبعا، وهو الأمر الأسهل، كان زيارة أطلال الجدار، وإن كان هذا من نوع العمل الاستعراضي الأخرق. فاذا ببعض التوضيحات التي قدمها المرشدون تشير الى أن هذه الأطلال قد اكتسبت وضع "مواقع الذاكرة"، ومساحات الذاكرة كما نعلم، منذ بيار نورا، ليست حكما مكانا للذاكرة الحقيقية الدائمة المثول. وبديهيا بدأت بمركز التفتيش "تشارلي" (Checkpoint Charlie) الذي زرعته الآداب والسينما فينا كنوع من الذكرى حتى وإن لم نزره قط من قبل. قصدت المكان راجلا تحت شمس ساطعة منطلقا من الحي الغربي الفخم "شارلوتنبرغ"، الذي كنت قد أقمت فيه بالقرب من "كورفورشتندام"، "الكودمان" الشهير، وهو واحد من الشوارع الفرعية التجارية الأكثر رقيا في العاصمة، وذلك كي يتسنى لي مراقبة التناقض وعملية التحول الجارية. وفي الواقع، عندما نتقدم نحو الغرب عبر شارعي تيركارتن وكرويزبرغ، نتحسس تدريجيا تغيراً في الأحوال، ويبقى شيء ما من اجواء "الثقافة البديلة"، حيث تبدو الأوشام وثقوب الحلق هي القاعدة، وحيث تنتشر الخمارات الرخيصة الأسعار. لكن ما إن نصعد في اتجاه الشمال لدخول ساحة بوستدامبلاتز الشهيرة على خط الجدار سابقا، حتى يتغير الديكور، وهناك المفاجأة، فمن الغرب يمكن رؤية الساحة في نظرة شاملة تحت ضغط المباني من أكثر الانماط حداثة، وحيث القطاع الخاص بشركة مرسيدس بنز، الكتلة الزجاجية الضخمة التي صممها المهندس رينزو بيانو، وحيث تبرز بدون أي خفر أسماء ملاكي المكان (سوني ومرسيدس وسينتلابو وهيات...). وقد يشعر الواحد انه في هونغ كونغ او طوكيو أو فانكوفر، انما لا، فهذا المرتفع يشرف على مساحة واسعة من الاراضي البور تزدحم فيها رافعات البناء. فالجرح لم يندمل، وللمفارقة ليس هناك ربما أي مكان ينكشف فيه الجرح كما في هذه المنطقة ذات الهندسة المتباهية. يتيح "مركز المعلومات" منذ الآن استشراف ما سيكون عليه المشهد مستقبلا، انما لا نعلم ما إذا كان الشعور "الحدودي" المسيطر هنا هو نتيجة امتداد ساحة التعمير ام نتيجة الضخامة المنفلتة في ما أنجز بناؤه حتى الآن بكثير من الوعي تقريبا، كأن نعتبر مثلا أن حي الديفانس الجديد في باريس قد شيد في ساحة الكونكورد تعبيرا عن رفض أو استنكار التعارض بين ضفة يمنى وضفة يسرى لنهر السين. يقع مركز "تشارلي" للتفتيش الى الجنوب قليلا، ما وراء البوستدامربلاتز. فاذا سلكنا شارع لايبتزيغ (لايبتسيغرشتراس) في اتجاه الشرق وانحرفنا يمينا عبر شارع الجدار (ماورشتراس)، ندخله مواجهة كما كانت الدبابات السوفياتية تواجه الدبابات الأميركية. وقد تحوّل مركز تشارلي للتفتيش مكانا فولكلوريا، واللوحة الشهيرة البارزة فيه "أنت تغادر القطاع الأميركي" مترجمة باللغات الثلاث المعنية، نقلت على العديد من البطاقات البريدية، كما ان هذه المنطقة شكلت مادة موحية لعدد من الاعلانات المرحة، ففي شارع الجدار وفي مواجهة مبنى "لوريال" نجد صالون حلاقة يحمل اسم "شعر مركز تشارلي" (هير بوينت تشارلي). ويفضي هذا الشارع الى شارع فريدريتش (فريدريتش شتراس) الماثل دائما في وسطه كوخ مراقبة عسكري أميركي ("نقطة تفتيش للجيش الأميركي") محمي بأكياس من الرمل... وعندما بلغته كانت سائحة أميركية مرحة وثرثارة تتصور فيه ممثلة دور الحارس. وكان هناك باص متوقف في مكان قريب من متحف مركز تشارلي حيث يمكن الاطلاع على صور وأفلام عن تاريخ الجدار وعلى بعض الأغراض التي استخدمت في عمليات الفرار الناجحة وعلى شهادات في النشاطات اللاعنفية التي مورست من أجل حقوق الانسان في العالم. وعلى مدى يومين تتبعت باصات السياح مستعينا بها في بحثي عن بقايا الجدار، فكلما اعتقدت وأنا أحمل الخريطة في يدي، انني اقتربت من الهدف كنت أصادف واحدا أو اثنين منها متوقفة في المكان كأنما ليحددا لي الموقع بدقة. وليس أكثر من ذلك إذ ان السياحة في برلين ليست كما هي عليه في باريس. فالشوارع الواسعة وقلة الازدحام وعدد السكان المتدني نسبيا (ثلاثة ملايين نسمة ونصف مليون على مساحة تساوي ثمانية أضعاف مساحة باريس)، كل هذا يجعل منها مدينة تستطيع التنفس فيها ويطيب السير فيها وهي أحيانا شبه مزدحمة وأحيانا شبه مقفرة. والسياح جميعهم تقريبا من الألمان، باستثناء بعض الأميركيين وحفنة من الفرنسيين. وما وجدته معزيا في الاجمال هو ان الجدار، من تشييده الى تدميره الى ذكراه، يعتبره الألمان قضيتهم الخاصة بالرغم مما رافقه من صور شاعت على مستوى العالم، من عبارة "أنا برليني" لجون ف. كينيدي في العام 1963، الى فيولونسيل روستروبوفيتش عام 1989. في اليوم التالي كانت تمطر فتنقلت بالمترو. والرحلة شمالا في قطار أس.باهن، يمر بمحطات على طول الجدار، فوق الارض. في الجهة اليمنى ترى بقايا صناعية وسككا حديديا مهجورة، وتنكشف الورش في فوضى لا يمكن تفسيرها وحيث تبرز أحيانا كتل من الباطون أكثر ضخامة ربما هي بقايا بعض الحصون التي لم يعد لها وجود، وأطلال من الجدار يصعب الى حد بعيد تبين معالمها، حتى وان كان من المحتمل الخلط بينها وبين جدارات أخرى لا يمكن التأكد من طبيعتها مع الكتابات والرسوم التي خطت عليها بضراوة، وهي تمر مصادفة في المشهد كأنما لتعوق اللعبة وتضلل نظر العابر الفضولي. إن مشهد هذه الأرض المهجورة يحسم كل جدل. فالى اليسار هناك الريف، كما في برلين غالبا (شاهدت أرانب برية على بعد خطوات من بوابة براندبورغ)، وعلى مدّ النظر أغصان تشلّعها الريح. والشعور المختلط نفسه عاودني في طريق العودة (الضواحي الأليفة والاراضي البور والحدود المضللة). نزلت في محطة الشمال (نورباهنوف) كي أصعد في شارع برناورشتراس، أحد اهم الأماكن في الجدار إذا جاز لي القول، وحيث نجد نصبين حقيقيين، أولهما النصب التذكاري (عبارة عن شقة من جدار معدني صقيل وكامد اللون يشكل امتدادا، وحدّا لجزء من الجدار الأساسي، مبيض اللون حتى يبدو زجاجيا وقد محيت عنه الرسوم والنقوش نهائياً)؛ والثاني هو كنيسة المصالحة الجديدة التي أنشئت مكان القديمة التي دمرت في العام 1985 بغية كشف حقل الرماية. ولدى خروجي من المحطة تهت قليلا في شارع الحدائق (كارتنشتراس) حيث بعض الجدران ايضا مطلية بالكتابات والشعارات ثم سلكت شارع براورشتراس (مستهديا بباص يبعد عني قليلا). وعندما احتميت من المطر في رواق على الطريق فوجئت بأنني أستند الى الجدار من دون أن أدري، جدار برلين الحقيقي، وقد عرفته من قمته المستديرة ومما عليه من الرسوم، على طول خمسين مترا، وقد سلمت من إعادة التأهيل الجذرية في منطقة النصب التذكاري. وفي الخلف وعلى مد النظر تمتد مقابر الجنود غارقة بين أغصان الشجر واوراقها ، وحيث نتبين أيضا بعض أجزاء الجدار التي ساهمت في ذاك الصباح الماطر في إضفاء الطابع الخيالي الى حد ما على المشهد. داخل المتحف الصغير تقف أمام سلسلة المعروضات العادية، من بطاقات بريدية وتذكارات وكتب وأفلام، كما يمكن مشاهدة بعض الصور، منها صورة وزير الدفاع الفرنسي الأسبق، شارل ارنو، تعود الى العام 1984 وهو في وقفة خاشعة أمام النصب التذكاري الذي أقيم في المكان في تلك الحقبة، أي أن زيارته لم تفت العين الساهرة للفوبوس (الشرطة العسكرية في جمهورية ألمانيا الديموقراطية) وكاميراتها ، وهي على الأرجح لم تكن تتخيل أنها تساهم بذلك في الصور المستعادة لاحقا في المدينة الساقطة الجدار. وفي طريق العودة توقفت من جديد في البوستدامربلاتز لأستكمل ما بدأته في العشية من أبحاث. والواقع ان هناك، ليس بعيدا عن مركز تشارلي للتفتيش، قسما مهما من الجدار في شارع "نيدركيرتسنشتراس"، مزينا بالرسوم والنقوش الجدارية الا أن الباصات التي كانت تتوقف عنده كانت تقصد مكانا آخر، هو معرض "طوبوغرافيا الرعب"، المخصص للرايخ الثالث، الذي استقر موقتا عند قاعدته في الجهة الشرقية من برلين، في الدهاليز التي خرجت منها في ما بعد أساسات المبنى السابق للغستابو. ومعرض الصور هذا (والتعليق عليها بالالمانية ومن دون ترجمة) بالغ التأثير، على الأقل بسبب قيامه تماما في قلب العاصمة النازية التي يحيي صورتها، وبالقرب منه مبنى وزارة الطيران في ايام غورينغ والذي بقي سليما وتشغله حاليا وزارة المال. غورينغ وتشاكبوينت تشارلي وبوستدامربلاتز وبعض السياح التائهين، انها صور قرن متداخلة في جدران برلين. في المساء استقللت مجددا قطار أس. باهن قاصدا أثراً أخيرا من الجدار يلفت اليه الزوار. وفي ساحة الكسندربلاتز ( سطحها ستاليني الهندسة جدا، وفي نفقها حشد مختلط جدا يفسح المجال أمام بعض حليقي الرؤوس بالزي العسكري) انحرفت نزولا الى محطة الشرق (أوستباهنوف)، حيث شارع "كومونة باريس" (افترض انه كان يحمل هذا الاسم قبل العام 1989) ينزل في اتجاه شارع المطاحن (موهلنشتراس) حيث ينكشف، على بعد يزيد قليلا على الكيلومتر، الجانب الشرقي من الجدار. وفي شارع المطاحن يتخذ الوضع طابعا متميزا الى حد ما، فهو يحاذي نهر "سبْري" الذي يعبر برلين وكان قد ترك مفتوحا للملاحة، وبينه وبين الجدار تمتد، بعيدا بعيدا، أرض بور شاسعة. والواجهة الشرقية من الجدار خالية هنا من الرسوم المرتجلة، فالنظام كان سائدا، واضافة الى ذلك يقع الجدار عند طرف المنطقة المحظرة. لكن في العام 1990 ترك القسم الذي سلم منه في شارع المطاحن لمختلف الرسامين الذين زيّنوه، وأطلق عليه اسم "غاليري الجانب الشرقي" كما أن العديد من هذه الرسوم نقلت في مختلف الكاتالوغات، وبعضها لا يزال في حال جيدة، فيما تلف البعض الآخر أو رسمت فوقه بعض الصور الأقل ابداعا. وأكثر ما يلفت هنا، تحت السماء الرمادية لتلك الأمسية الصيفية، هذا الشعور بالعزلة والتخلي. فأنا لم أصادف سوى مجموعتين أو ثلاث من الشبان لم يلتفتوا أبدا الى الجدار، فهو يشكل جزءا من ديكورهم المألوف، وهو ديكور غريب في الحقيقة، فعلى جانب من الطريق يقوم الجدار حيث غاليري "الجانب الشرقي" وما وراءه تتراءى في البعيد البعيد سطوح برلين الغربية، وعلى الجانب الآخر رصيف متشقق كساه العشب، وحفر وأراض بور على طول المنازل المهجورة التي ظلت نوافذها بدورها مطينة على غرار المساحة المقابلة لها. ويتوقف الجدار عند تقاطع شارع المطاحن مع الجسر القائم على نهر سبْري ( انه الأوبرباونبروك، احدى نقاط العبور السابقة الشهيرة بين الشرق والغرب). عبرت الجسر وعدت سيرا مجتازا شارع كرويزبرغ، حيث تبرز في أكشاك الصحف الجرائد التركية بقدر الألمانية، وحيث تتسوق بعض النساء المحجبات قبل العشاء، وقد استفاد بعض الازواج من الطقس الجيد ليشربوا الجعة المبردة. في اليوم الثالث، عشية عودتي، تخليت عن جولاتي الاستقصائية ورحت أهيم على وجهي في برلين متجاوزا مرات عدة على الأرجح خط الفصل القديم من دون أعير الأمر انتباها. قفزت الى شلوس شارلوتنبرغ، قصر فريديريك الأول وفريديريك الثاني، حيث تسنى لي العودة الى الهندسة الأنيقة من عصر الأنوار، ودقة القرن الثامن عشر المصونة بشكل جلي في هذا المكان حيث اعمال واتو والرسامين الفرنسيين الآخرين كانت تحتل المباني الملكية. في الرايشتاغ (مبنى مجلس النواب) أعجبني فن ترتيب الآثار بما يتلاءم أكثر مع الهندسة المعاصرة، وقد اعيدت الى مكانها في قلب القصر المجدد، القبة الزجاجية التي كان النواب يجتمعون تحتها، كرمز القوة والشفافية، وعلى بعد خطوات من الحدود السابقة التي لا يزال بالامكان تبين آثارها. ويتجلى هذا الفن أيضا في الكنيسة المخلدة لذكر الامبراطور غيوم حيث البرج الجديد يبدو متكئا على قبة الجرس القديمة المتحطمة والمنفتحة على السماء. وعلى الأرجح ثمة في هذه الأمكنة، حيث الماضي يتجاوز الحاضر من دون أن يسحقه، ما يقال في برلين وفي ألمانيا، فهناك تطلّع الى الحداثة بأقصى ما تكون والأشد استهلاكية (اثنان من أكبر المراكز التجارية الأوروبية قائمان بالقرب من الكنيسة التذكارية)، انما تطلع غير بسيط أبدا وليس دائما من دون تردد أو ندم. ففي حين أن مطاعم ماكدونالدز ليست في أي مكان أكثر تواضعا مما هي عليه في برلين حيث تتماهى مع الهندسة الوظيفية للاحياء الجديدة، فان مشارب الجعة مقصودة اكثر من غيرها حيث تستهلك على مدار الساعة المأكولات التقليدية. ان مدى هذه المدينة هو على مستوى هذه التناقضات والتوترات، ولا اعتقد أن الحدود بين الغرب والشرق في برلين ستمحى أبدا، وعلى الأرجح لم تكن بحاجة الى الجدار كي ترتسم، وعلى الأرجح أيضا انه من باب الاستخفاف ان نعزو كل حالات القطيعة الواضحة هذه، في برلين، الى تقسيمها سابقا بين الدولتين، فهناك الكثير من الجدارات الضاربة في العواصم الكبرى في عالمنا الحالي فاصلة بفظاظة الى حد ما بين الأغنياء والفقراء، وبين السكان الأصليين والمهاجرين، بين الشبان والعجزة وبين العقلاء والمتمردين... لكن في برلين حفرت هذه التعارضات على أرض تعكس جراحاتها أحداث القرن العشرين الجنونية، وتبقى برلين كما كتب ايمانويل تيراي "جنة الظلال" [1] . رغم الأمان الذي توحيه مباني ساحة بوستدامربلاتز والنشاط الدائم في الطرق، فان شعور الترقب، والحزن أحيانا، الذي يثيره عدم اكتمال المدينة، كما في محيط روما ولشبونة تحت كاميرا ناني موريتي وفيم وفندرز وهما يرودانها، ينضاف هنا ربما الى حال الخوف الغامض وغير المبرر: الخوف من أن تكون الأعمال الجنونية في العصر الذي دخلناه من عيار تلك التي نحاول التخلص منها اليوم ونحن نستذكرها.
* مدير دراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (باريس). من مؤلفاته
Fictions, fin de siècle, Fayard, Paris, 2001
[1] اثر اقامة في برلين لمدة ثلاث سنوات، كتب ايمانويل تيراي، "الظلال البرلينية" وقد صدر في باريس عام 1996 عن دار اوديل جاكوب
|