
اقتصاد ومجتمع > آب/اغسطس > 2001توم فرانكالسعادة في المركز التجاري يبدو ان موجة المراكز التجارية العملاقة القادمة من الولايات المتحدة تجتاح العالم. فقريبا تنتهي مجموعة تايم ـ وارنر من تشييد مركز تجاري ضخم في مدريد حيث بات اخيرا من الممكن ممارسة التزلج بعيدا عن الجبال والثلوج الطبيعية. ضمن ديكورات كاذبة يتجول فيها المارة المصنفون في خانة المستهلكين، تمتزج احابيل التسويق جميعها في سبيل تقديم ملهاة الغرائبية والاصالة. لكن الضجر بدأ يبرز في الولايات المتحدة امام اجتياح الباطون والتجارة والسيارات. في البدء كان منتجع بلازا السياحي في كنساس سيتي، فالبلازا الذي أنشئ في العشرينات كواحد من مكونات مجموعة من الأحياء السكنية الشاسعة هو الأول في العالم بين المراكز التجارية الكبرى في الضواحي والذي صمم كي يكون كلاً شاملا وكلاً منظما بأكمله على أساس استقبال السيارات. ويمثل نقطة تلاق في منطقة متحررة من الضوابط تقوم فيها المساكن المتنافرة، من النمط البروفانسي الفرنسي الى نمط القصور الريفية الاسكتلندية مرورا بنمط الشواطىء في ولاية فرجينيا. والمركز نفسه يبدو نسخة طبق الأصل عن سيفيل. ولم يكن أحد يستغرب أن لا توجد أرصفة في حي سكني من هذا النوع حيث تنتشر على الجانبين المزينات على الطريقة الأوروبية (الأعمدة والتماثيل والساعات الشمسية). وفي كل سنة يحتفل الناس بافتتاح موسم الميلاد التجاري فيتحلقون حول البلازا لمشاهدة إضاءة تجهيزاته الساطعة المشهورة عالمياً. وقد استبعدت فيه التجارات ذات الطابع الشعبي اللافت (الأفاويه والبولينغ) بغية تحسين صورة الحي المميزة. هذا كله شكل احدى المحاولات الأولى للانفصال عن حياة كنساس سيتي القاسية داخل المدينة، فقد انشئت اخيرا المدارس الجيدة والمسابح والشرطة الخاصة وبات السكان كليا تقريبا من العرق الأبيض، وهم متحدرون من طبقات راقية لن تفقد ممتلكاتها قيمتها بعد اليوم، وقد تبين أن أسلوب المنتجع الريفي ("الكونتري كلوب") فاعل الى درجة أن البلازا صار مقصد السياحة في وسط الغرب الأميركي. الى درجة ان الظاهرة التي افتتحها البلازا امتدت في اتجاه الجنوب والغرب، على بعد مئات الشوارع، مع اقتحام ضاحية كنساس سيتي ما كان في ما مضى أراضي زراعية. هناك نجد المناطق التجارية الواسعة ومباني المكاتب ذات الواجهات المتألقة والأحياء السكنية لذوي "المداخيل المرتفعة" وطرقا دائرية تلتف بصعوبة حول المدينة. أما المباني الفخمة فانها تكتسح التلال البعيدة وعند التقاطعات المزدحمة التي لم تكن تشاهد في العام الماضي تبرز مكاتب السمسرة والمطاعم الحديثة ومحال البقالة الفخمة. ويعتبر أواك بارك بمساحته التجارية البالغة 13 هكتارا أكبر المركبات التجارية في التجمع السكاني المديني في كنساس سيتي. ومن يتوغل في الأجواء المبردة الى أقصى حد في مخازن نوردستروم الكبرى وفي حوانيته المزخرفة، يصطدم ببائعين يرحبون به بكل حرارة وفي جو من الأخوة الذكورية الخاصة بالذين يتعطرون بعطر بولو ويضعون نظارات شمسية من ماركات باهظة الثمن، هذا كله على صوت الايقاعات الجذابة لأغاني الكاونتري روك الراقصة. وكلما تجولنا في هذا المركز لاحظنا سيطرة الشركات الدولية في هذه المملكة، كذاك المحل مثلا الذي يحمل اسم وارنر ستوديو، وهو الواجهة التجارية لشركة "الثقافة" العملاقة "آ.أو. أل. تايم وارنر" ( AOL Time Warner.)، حيث لا يهتمون ببيع المنتجات بقدر ما يهمهم أن يعرضوا على الزبائن عددا لا متناهيا من الاحتمالات التفاعلية مع الشركة وفروعها. وفي الطبقة الأرضية من المركز، في مبنى "بيلد اي بير" (إبنِ دباً) تدعو إحدى المضيفات بحميمية زائدة كل زائر الى التعبير عن شخصيته بصناعة دبه القماشي الخاص. وهو يستطيع الاختيار بين مجموعة من النماذج والحشوات والموسيقى البسيطة التي تسجل بداخله. ثم يدعى الى تدوين تأليفه الحر هذا في السجل الالكتروني الكبير للدببة القماشية. وهذا هو البرهان الأكيد على أن شخصيتنا تنكشف هي أيضا في شبكات التركيب. لم تعد المنتفعات القائمة في محيط كنساس فريدة أو مميزة، فالمركز التجاري المسقوف والمغلق كان قد ابتدعه في الخمسينات مؤسس من مينيابوليس هادفا الى تحقيق مبيعات قصوى انما أيضا الى الرفاهية في شتاءات الشمال القاسية. وخلال الأربعين سنة التالية انتشرت الفكرة بسرعة من نيويورك الى لوس انجلس، ثم توسعت في العالم كله وفق الخريطة الأساسية نفسها تقريبا، أي بناء ضخم ذو شكل مكعب الى حد ما مع مواقف واسعة جدا لاستيعاب العدد الأكبر الممكن من الزبائن. ويكون فيه على الأقل اثنان من الأسماء الشهيرة (واحد منها محل ذو انتشار على مستوى الوطن) يقامان عند كل طرف من البناء مع حيز تواصلي تكثر فيه المحال الصغيرة؛ ثم مساحة من المطاعم تؤمّن للمستهلكين خيارات واسعة من الوجبات السريعة. وتغيب كليا التزيينات الخارجية بل ان كل الابتكارات الهندسية الملائمة تتركز في الحيز الداخلي المنظم. والبلازا هو انجاز يدل على النشاط الانساني كان من وحي متعهد واحد. في المقابل ان المركز التجاري المعاصر هو المنظر الذي يلقى على الأرجح أكبر درجة من العناية في تزيينه. وقد باتت عملية تشييد المراكز التجارية وادارتها صناعة ضخمة حيث ان المستهلك المتحمس للشراء يبقى عنصرا حيويا للازدهار الأميركي كما الوقود الرخيص. فاذا بالتجار والاعلانيين يستعينون بعلماء الاناسة كي يراقبوننا خلال عملية الشراء [1] ، وتنتخب الأجواء الموسيقية بشكل يدفعنا الى التسكع تارة والى الاسراع طورا، وفي المحال يختبر بكل دقة ترتيب الواجهات والديكور الداخلي. ومن تنوير النباتات في الآنية الى التوزع المكاني للمحال ما من شيء في ذلك وليد الصدفة وما من شيء هناك لمجرد غاية جمالية وحسب. فالمراكز التجارية وتوسعها في محيطها هي احد التجليات المادية للرأسمالية الحديثة، معقدة وجشعة في آن واحد، فيما يزعم الأدب الأميركي الذي تحدّث عن ضواحي المدن أن انتظام هذه الضواحي حول المراكز التجارية هو نتيجة الرغبة الصريحة للارادة الشعبية. فالمراكز التجارية العملاقة وما تخصصه من مساحات شاسعة لمواقف السيارات والتمدد اللامتناهي للضواحي المنبثقة عنها، ذلك كله يبدو كأنه يتلاءم مع ما يطالب به الشعب عندما يسمح له بالتنقل والاختيار بحرية: "ان المركز التجاري هو انا". وتلائم هذه الحجة العدة العادية القائلة بـ"شعبوية السوق"، والتي بموجبها يعتبر المشهد الذي تبنيه الرأسمالية الجديدة انعكاس للفرد المتوسط والفاضل في حين يوصم أي انتقاد لتمدد الضواحي بالنخبوية البغيضة. فمن جهة هناك اليساريون المدعون والأنانيون، المهووسون بالتخطيط والمقتنعون بأنهم يعرفون أكثر من غيرهم في كل مجال، وفي مواجهتهم أناس حقيقيون يريدون بالطبع المراكز التجارية. ان هذه النظرة في الأمور باتت طبيعية الى درجة أن أحد متعهدي بناء المراكز التجارية الذين تعرضوا للنقد لم يتردد في اعلان نفسه "مهندس الشعب". أما حقيقة الشعب فمختلفة قليلا. فاذا ما سئل الناس فعلا ـ بدلا من الجزم بأن رأيهم متطابق مع رأي اصحاب المشاريع ـ عن رأيهم في توسع الضواحي، سرعان ما يتبين انهم يكرهون هذا النمط من الحياة، وقلة هم الذين يعتقدون ان حل مشكلات المدن هو في الانتقال للعيش في مكان ابعد قليلا حيث سيبنى سريعا مركز تجاري جديد وحيث ستتكوم المساكن الرديئة، وذلك كله من اجل تمضية النهار في سيارة ذات دفع رباعي للتقدم بطيئا في مكان مزدحم مزين بأشجار ضامرة. وقد بات الشبان القادرون يعودون بكثافة الى المدن التي هجرها أهلهم. يطمئنون نفسيا في الأحياء المزعومة "بوهيمية" ويتسببون في رفع أسعار العقارات في المدينة. أما الذين يبقون في الضواحي فهم خصوصا لا يتمنون أن تستمر في الاكتظاظ كي لا تتفاقم أكثر مشكلة السير في حيّهم. في كل مكان يجري التعبير عن هذه العقلية الجديدة المعارضة لـ "فكرة الضاحية" وعن هذه الرغبة في الهرب منها. فالمستهلكون بحسب الصحافة المحترفة محبطون وواضحون في الوقت نفسه بالنسبة الى نمط الحياة في الضواحي. فهم ما عادوا يريدون التردد للمرة الألف الى مركز تجاري مغفل. انهم يطالبون بالتعرف الى تجارب حية وليس الى المحال والمطاعم التي لا تنتهي. يستغرق الوصول الى مركز وودفيلد التجاري ساعة ونصف ساعة وهو في شاومبرغ (ايللينوي) جنوب مدينة شيكاغو. وقد شيّد في السبعينات ويضم خمسة اسماء تجارية معروفة وتبلغ مساحته المخصصة للمحال 20 هكتارا. منذ حوالى عشر سنين، كان وودفيلد اكبر مركز تجاري في العالم (انحدر اليوم الى المرتبة الثالثة). ما يروج له في المحال والمطاعم المتتالية هو نوع من الاصالة على العيار وتمرد على القياس ضد نمط حياة الضواحي. فالمعجزة المقترحة هنا هي انه في امكانك، من جهة، السكن في منازل متشابهة تماما وتمضية الوقت داخل مكعب، ومن جهة اخرى ان تتخيل نفسك، وبفضل المحال العديدة في هذه المساحة التجارية (او أي مساحة غيرها) معارضا للتقاليد والانظمة، مديني فردي متشبث، فرد مرفه وذئب مستوحش وسط قطيع الكائنات الثاغية. ربما ان لـ "شاومبرغ" من الخارج طابع مملكة لا روح فيها من الامتثالية والزيف. لكن شاونبرغ تزدهر لأنها تحديدا تقدم الترياق الثقافي المضاد للامتثالية ولفقدان الروح ولانعدام الاصالة. اما في وودفيلد، فيبرز للعيان أن كلا يلعب دوره. هناك "فريد"، البائع في أحد المخازن الكبرى وقد حلق شعر رأسه تاركا في مؤخرته جديلة على شكل ذنب الحصان. وفي مخزنه معرض لمجموعة من تماثيل عارضات من الشمع وموضوعه شعار جريء" أنا ما هو أنا عليه!". أما المراهقون الذين يترددون على هذه الأمكنة فتوحد بينهم الأوشام وثقوب الحلق والسوالف. أما محل الثياب الرفيع المستوى، "لورد أند تايلور"، فيعرض ربطات عنق زركشت بشعار "السلام للعالم". وحتى في محال لاين براينت المخصصة للنساء القويات هناك اعلان عن "ثورة الجينز"، اما الـ"تي شيرت" فهي تحمل رسالة مقتضبة " انا متمردة". إن روح الثورة هذه لا تكتسب أي معنى ان لم يجر التذكير على الدوام بالثقافة الفاترة الباهتة وما قبل التاريخية التي تحرض ضدها. ولهذا السبب على الأرجح تعرض محال وودفيلد ايضاحات حية حول عنجهية أسلافنا في الضواحي، وفيها تسفيه للطابع البليد للفن الدعائي المعتمد منذ خمسين عاما. وتقدم محال "فوسيل"، والله وحده يعلم ماذا تبيع، العديد من الصور الساخرة للرموز الدعائية والاعلانات، مثلا مضيفات باديات الحمق يشرن بأيديهن بفرح فيما يعتمر بعض الرجال المرحون قبعات متهدلة يبتسمون للعالم أجمع. مهلا"! ونحن؟ اننا البدلاء، الصادقون ، الطرف الآخر. في محال "فان" وهو واحد من محلين متخصصين الى حد ما في ألعاب "السكايت" (خشبة الدواليب للتزحلق) نجد بعض المراهقين يتزحلقون صعودا ونزولا على حلبة مائلة رصفت عليها ألواح الخشب المعاكس على شكل U . وليس لأكثر من بضع سنوات كانت لعبة السكايت سعيا لا يقاوم الى المغامرة، وها هي اليوم في المراكز التجارية مع ما يلي ذلك. أما المطاعم فمتخصصة وكل اختصاص يشكل قطيعة فادحة بالنسبة الى المتعارف عليه. فعندما يأكل أهل الضواحي خبزا أبيض صناعيا لا طعم له، يصير في الامكان بفضل مخابز "أو بون بان" ( الخبز الطيب) أن نلقي عن كاهلنا هذا العالم الخضوع وان نحلم بأننا ما بين المأكولات الأوروبية اللذيذة التي ننهشها نهشا. ففي مقهى "راينفورست" يمكن تناول طعام الغداء في أجواء أمازونية بكر، حيث نجد جميع أنواع المأكولات من يابانية وصينية وايطالية وكاليفورنية، تفصل بينها خطوات بسيطة. وفي كل مكان البيرة المتقنة التي تساعد في التخلص من بيرة "بادوايزر" التي لا طعم لها، وعلى كل حال فان هذه الشركة التي غاظها أن تعتبر في الضاحية مشروبا لا طعم له، قامت أخيرا بحملة مضادة في موضوع الاصالة تحت شعار جديد يحمل صفة واحدة: "حقيقية". في مطعم "في دو فرانس" (الحياة الفرنسية) يتمتع كل واحد ويتلذذ وهو يحتسي على السطيحة، في أجواء باريسية مصطنعة، "المرلوت" الحامض، وتأمل المراهقين بتسريحاتهم المدروسة بذكاء يتجولون بعصبية تحت أضواء النيون المطلية بالكروم. وبالنسبة الى أصحاب المراكز التجارية في الأماكن الأخرى، كان العقد الأخير في أي حال عقد الانقباض والتراجع والإغلاق. فبقدر ما كان يزداد عليهم ضغط أرباب العمل لم يكرّس الأميركيون وقتاً أقل للتجوال في الممرات المبردة في المراكز التجارية. فقد كانوا يميلون للاسراع بالشراء وبأسعار اقل. ولذلك فان بعض المخازن الاشبه بالمستودعات الكبرى، "ازدهرت" في البلد اذ اتبعت مبدأ خفض الكلفة العامة الى اقصى حد بالتخلي عن كل العناصر الزائدة من نوع الديكورات والواجهات المعدة فنياً. هنا تباع المنتجات كيفما كان في آنية عرض معدنية وتحت اضاءة عادية فجّة، وهي مجردة من كل سحر التسويق ومكدسة على علو عشرة أمتار كبقية الأشياء. واذا ما كانت هذه المخازن الكبرى قائمة في شكل عام على أرض رخيصة الثمن في محيط المدن، فان مركز "كوستكو" في كنساس سيتي يقع في المدينة نفسها، حيث كان قائما في ما مضى حي سكني ونواد ليلية. كان هناك مثلا نادي "الميلتون" وهو بار عريق يعتبر الأثر الأخير من مشاهد الجاز في الثلاثينات مع صور من استضافهم من مغنين مثل كاونت بايزي وشارلي باركر. وبعدما صمد طويلا عند طرف الشارع، متحديا الذهنية الفاترة والمحترمة التي سادت ذلك العصر، انتهى أخيرا الى السقوط امام التقدم، وموقعه القديم هو اليوم ساحة موقف السيارات لمركز "كوستكو" التجاري...
* مؤلف The Conquest of Cool, The University of Chicago Press, Chicago, 1997 وله ايضا One Market Under God: Extreme Capitalism, Market Populism
and the End of Economic Democracy, Doubleday, New York, 2000.
[1] اقرأ Michel Raffoul, “A la reconquête du client perdu" et Franck Mazoyer, “Consommateurs sous influence", Le Monde diplomatique, février et décembre 2000
|