
جدران وحدود > آب/اغسطس > 2001دنيز دوكلوهل العولمة ستوحّد العالم؟ يعتبر شموليا كل ما هو مشترك بين البشر جميعا، ويمتد في كل مكان ويخص الجميع على كل مساحة الكرة الأرضية. والعولمة الاقتصادية الحالية تقدم نفسها على أنها مشروع جديد ذو توجه كوني، وتهدف الى توحيد العالم بطريقة مباشرة او غير مباشرة. والكوني، صخرة التوجه الانسانية، قد اعتبر عادة ذا قيمة ايجابية رغم سلسلة من الانحرافات مثل الحالات الامبريالية. وكل مشروع كوني يولد النزاعات، وهو غالبا ما يستنكر على أنه محاولة لتدمير التمايز والهويات ويثير ردات فعل انفعالية. ويبدو أن الكوني هو مثال جذاب ومكروه في آن واحد يجعل المجتمعات مترددة إزاءه وضائعة بين التقدم الجريء والانكفاء المذعور. ففي عصر العولمة، يبدو ان مجرد العيش في عالم موحد، بدون "أرض مجهولة" وبدون اعداء خارجيين هو فكرة مرفوضة بقدر ما هي جذابة. أن النظرة الكونية تجذب وترعب لأنها تمثل بالنسبة الى البشر "إلغاء الغيرية"، وهذا ما يعتبر نزعة نرجسية عميقة الا انها تثير في التصرف نفسه اقوى حالات القلق [1] ، فالسؤال الذي يطرح عندها هو: من نحن الذين ألغينا الآخر؟ وماذا سيحدث لنا إن نحن، المتساويين والخاضعين للقانون نفسه، بقينا مع ذلك وحيدين في مواجهة كون واجم؟ فقبل أن نعرف كيف نرسم خط الفصل الجنوبي على سطح الأرض بزمن طويل، كان البحارة والمراسلون يشكون في قدرتهم على الاحتفاظ بوهم "الاختلاف" الجذري بينهم وبين "البشر المتوحشين" الذين اكتشفوهم في الجانب الآخر وراء خط الاستواء. لذا كان المطلوب اشاعة فكرة الاختلاف هذه عن طريق ايديولوجيات طوعية، ومع ذلك لم يستغرق الأمر سوى عقود كي يجبروا على الاعتراف بان لهؤلاء البشر روحا. وبعد أقل من ثلاثة قرون على انطلاق فورة العبودية لم يعد في الامكان التمييز رسميا بين "أعراق متفوقة" و"سكان محليين". وقد جاء علم الاناسة (الانتروبولوجيا) ليساعد حتى في تبيّن اشكالية تصنيف المجتمعات البشرية بين "الثقافات الراقية" و"الجماعات البدائية"، وإذا ما أخذنا بمغزى الفيلم الرائع " ليتل سنغال" (السنغال الصغرى) [2] لا نجد كلا من الحضارة والتوحش حيث نتوقع لهما ذلك، اي الحضارة في الغرب والتوحش في إفريقيا، بل ربما وجدنا الأمر معكوساً. وما هو أكيد أن المجتمعات السيدة تحافظ على تمايزها عبر السيطرة، سواء بابقاء الجنوب تحت الوصاية أم بالتقنين في عملية مدّه بالأدوية. غير أن هذه الشرعية تفقد أيضا شيئا من قوتها. ففي اختصار، إن الآخر ( الأدنى، الضعيف، العالم الثالث أو الرابع الخ) مدعو، مهاجرا كان أم لا، الى أن يكون من صنفي، مماثلا لي. فاما أن تكون الكونية تماثلاً في كل شيء واما لا تكون. فإزاء عدم الفاعلية المتنامية في نماذج التوزيع المجحف التي ووجهت بها نهضة "الكوني"، كان أن اخترعنا تقسيمات أفقية بين الشعوب أو الجيوش المتساوية الى حد ما على "المستوى الحضاري". وقد اندفعنا، بعضنا ضد بعض، بحمية كانت تشتد بقدر ما كنا نشعر بتقاربنا، تميّز بيننا رموز دقيقة (الثقافة او "الكولتور" الالمانية مقابل "الانوار" الفرنسية) أو تفاصيل في الرأي (ديكتاتورية السوق مقابل ديكتاتورية الدول). وهنا أيضا كان الفكر الذي يصنع التاريخ أسرع من محاولاتنا لترسيخ "المنافسات الاستراتيجية"، فاذا الكونية التي كان كل واحد يزعم أنه وحده دون الآخرين جميعا يجسدها تنطلق في طريقها مسقطة كل التوقعات. وإن كان قد جرى التأكيد انها امبريالية وبريطانية، فقد أصبحت رأسمالية واميركية، وإذا كان الظن أنها "صنيعة الانترنت" ومراقبة عبر التجسس التجاري والعسكري الأميركي، فها هي تتفجر في البرامج الالكترونية الحرة وفي الشبكات المتعددة التي يصعب كثيرا تحديد مركزيتها. وإن قيل ان "القوة العظمى الوحيدة" تستوعبها، فها انها باتت موجهة الى "مجتمع ـ عالم" سيكون عليه هو وحده أن يعالج الازمات والعواصف والدمار العالمي الناتج من الفوضى الصناعية والمالية. في اختصار، كلما فرض الانجاز الكوني نفسه (ماديا واقتصاديا وعلميا وتواصليا وسياسيا)، بدت تقنياتنا القديمة للسيطرة عليه، أي بتجزئته وفصل السلطات وإبراز الحضارات، غير ملائمة، قليلة الاعتبار ولا معنى لها في النهاية. فالفلك الوحيد ماض تماما في تكوين نسيجه، ونستطيع تخيله كغلاف جلدي يلف الكرة الأرضية، اضف الى ذلك أن الادانات الأخلاقية "للتقوقع الذاتي" تزداد قوة وبات لها كياناتها القضائية (محكمة الجزاء الدولية) والبوليسية (قوات الأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي)، وذلك على قياس الطموح الى شرطة شمولية (حتى وإن كانت تعتبر على الدوام غير كافية.). وعندها إذا، لو صحّت فرضيتنا، لا بد ان يتفجر هذا القلق من الفناء في "الكل الكبير"، وسيتضخم هذا الرعب من الحلولية بين الآخر و"الذات"، فما الذي يمكن أن نخترعه "أيضا" لطرد فكرة التوحيد البشري المقترب أكثر فأكثر، الرائع جدا انما الخانق ربما؟ فإعادة تقسيم العالم بين صليبيي الكونية الانسانية والرجعية المتقوقعة على الهوية، يمكن أن تبدو حلا ممكنا، لكن في هذا الحل من جهة بعض الميوعة كونه يفرق تحت ستار الوحدة ويتهم الأقليات باسم الكل… وهي جزء من هذا الكل. ومن جهة أخرى فانه بتحويله العدو الخارجي مجرما داخليا يتضمن احتمال اعتبار أي معارضة للنموذج المشترك جنحةً، والتعامل مع كل مجابهة للنظام الموحد على انها خرق للقانون العام. وهذا ما لم يتنبه اليه جيدا هؤلاء المناضلون الشرفاء (المنظمات الانسانية غير الحكومية أو الاداريون الدوليون أو الكوادر العتيدون للدولة الشمولية) الذين يؤكدون نضالهم ضد أعداء المثال التوحيدي. وفي ذلك ايضا اثارة لردات الفعل المذعورة من نهضة الكوني مما يفضي الى اضطرابات العصر المتميزة. ويبدو أن ردة الفعل الحالية على الكونية، أي الخوف/الافتتان، تتخذ شكلين أساسيين مترابطين، فالتعبير عنها يأتي اولا عبر الارتعاب من رؤية أجسادنا مأخوذة بهذا الفكر العقلاني الذي يدعي إشراكها في الإدارة التكنولوجية لتشاطاتها وقريبا للحياة. وهذه الازدواجية نفسها التي تلازم الكوني تتجلى أيضا في الرغبة والخوف من تطويق مستقبل أولادنا وسلالاتنا الأبعد بمعايير محددة سلفاً. وما يمكن تبيّنه في سجل التجاوزات هو الخوف الذي بات مزمنا من التغير المناخي، المتصور على شكل غمر ضخم يغرق الأراضي المأهولة. ولا يجوز هنا الدمج بين الاقتناع العلمي بحقيقة الانحباس الحراري (حيث تصطدم عملية اقامة الحدود الجوهرية للنماذج المناخية) وبين ما يتخيل عن طوفان جديد، كوني هذه المرة، وعندها ترتسم خريطة تتوزّع عليها الانسانية، كون البلدان "المنبثقة" (ماديا هذه المرة وليس اقتصاديا بالمعنى المجازي)، ستكون قادرة بفضل انجازاتها التقنية على التكيف مع الانقلابات البيئية فيما هناك بلدان أخرى سوف تغرق فعلياً. أما بالنسبة الى حالات الرهاب الغذائي المتولدة من موجات الاوبئة الحيوانية (جنون البقر ثم الحمى القلاعية) فهي تعزو العدوى الكونية الى النشاط الانساني الذي تجاوزته قدراته الخاصة. اما اشكال الرد المستخدمة (الذبح والحرق الذي طاول مئات آلاف الحيوانات) فانها تضاعف الخوف من تقنيات العلاج الجماعي. كما أننا نشهد محاولات لاعادة تقسيم العالم بين بلدان "سليمة" وأخرى "موبوءة"، بين أميركا وأوروبا (الموضوعة في الحجر الصحي). لكن هذه المناورات العدائية المتجددة لم تستنفد التوهم الذي لا يتناول الانتاجية بقدر ما يتناول الطابع الوسيط (نقل العدوى) للانظمة الصناعية التي هي ترجمة مادية لكونيتنا. وتطاول الخشية انظمة النقل المعممة هذه القادرة على توسيع نطاق انتشار الاوبئة والتي قد تؤدي الى حالات خلل في العالم الطبيعي المنتظم عادة ببعض "الضوابط" مثل ضابط الاجناس. ثم أن المهن التي ترى نفسها مشاركة في فكرة العالم ـ الكتلة هي أكثر من يشعر بذنب هذه السياسة الكونية بما تشكله من واسطة تقنية، إذ ان حالات الرعب لم تصدر عن الشعوب (التي تستجيب مرغمة التحذيرات بالتخفيف من الاستهلاك)، بل هي صدرت عن أشخاص يحملون همّ "الممارسة الكونية"، من اوساط وسائل الاعلام والشخصيات السياسية الوطنية والدولية ومن الاداريين والقانونيين والعلماء والتقنيين. فهذه الشرائح المثقفة التي اضطلعت بكل وعي بمسؤولية التطور هي أكثر من أصابها الذعر اللاواعي مما تعتقد في أعماقها أنها هي "التي اطلقته". وألامر نفسه ينطبق على البعد الزمني لما يثيره الكوني من خوف منجذب، أي مدى انطباق النظرات المستقبلية على الفكر الشمولي الحالي. فهل في امكان الانسان البالغ في أيامنا أن يحدد علميا مستقبل الانساني "الطفولي" (غير الناطق)، فكيف بمستقبل الكائنات الحية (البشرية وغيرها) التي لم تولد بعد؟ ومهما بلغت قوة الانسانية نفسها في غمرة تطور الثقافة والمعارف الحالية، فهل تستطيع تحديد هذا المستقبل الغامض وفق مقاييسها وحدها؟ وازاء هذه الاسئلة المدوخة يجري التعبير عن الخوف في اتجاهين رئيسيين: 1) تهمة توجيه الاجيال الحية العتيدة انطلاقا من الخيارات الحالية في مجال تعديل الانظمة الجينية الانسانية والحيوانية والنباتية؛ 2) الشكوى من "تحطيم الطفولة" الانسانية باجبارها على اشكال متعة خاصة بالبالغين. ومن المؤكد أن المخاوف المتعلقة بالتلاعب بالكائن الحي جينيا وتلك التي توجه الاتهام للممارسات الحالية في مجال العلاقات الجنسية المخالفة للطبيعة، لا تنطلق من القواعد نفسها. وهناك على كل حال، ومن منطلق خفي، شعور بأننا نحاكم نزعة مماثلة تأسر المستقبل في الحاضر. ويبدو أن هذا السخط الهستيري المتفشي في مجتمعنا ينظر الى هذه الربط المزدوج بين البالغ- الولد/ الحاضر- المستقبل على أنه احتمال خانق. وطبعا هو يعزو خصوصا هذه النية الى شخصيات فردية شيطانية (الشاذون مع الأطفال مثلا) بدلا من عزوها الى طريقة التربية العامة في العلاقات الاجتماعية الحديثة، ويمكن تفهم هذا التحريف، فمن الأسهل التهجم على بعض "الوحوش" بدلا من تقبل الوحشية في مجتمعنا. وهكذا تجد حال الرعب المتفلت ازاء الشذوذ الجنسي مع الاطفال (دون الحديث عن التعسف وسوء المعاملة الحقيقيين) تفسيرا لها، فهي لا ترتبط الا بشكل عرضي ببعض الفاسدين المتميزين، بل انها تقلق، في العمق، من امور اخرى كثيرة مثل التلاعب الجماعي "المسرف" ليس بالاولاد وحسب، انما بالانسانية التي حوِّلت طفولية وضحية تحت النيران المتضافرة الصادرة عن الضمير الحي الاعلامي والرغبة في تربية متعددة الأشكال والترويض على الخضوع لنظام الأجور والاستهلاك على مستويات واسعة. فمثلا في برنامج "لوفت ستوري" (قصة شقة) الذي اكتسب شهرة واسعة، هناك استيهام المحرم ينفذه الأهل في دور مشاهدي التلفزيون والشبان الذين يمارسون الجنس في مشهد من الحميمية المصطنعة، ويتم إخراجه تحت رقابة تقنية اعلامية. فالخوف الكامن في ردات الفعل الفضائحية يتعلق بقدرة السلطة (وهي هنا الاعلام المركز) على مراقبة تخيلات الحياة الخاصة وعلى فرض أنماط محددة سلفا من المتعة وما يستتبعها بالضرورة (إقصاء المنافسين- لعبة الكراسي الموسيقية والتجارب المسلكية) كنموذج لطريقة عمل المجتمع، الخ. نحن اذا وفي آن واحد، مفتونون ومضطربون بسبب هذه المراقبة العامة بواسطة الفيديو للحياة الأكثر خصوصية، وهو المشهد المفترض به أن يسوي من الآن وصاعدا، بشكل متخيل، العلاقات المرجعية بين الأجيال. وبالتأكيد ليست هنا المبالغة في الحرية أو في "امتلاك الذات" هي ما يؤلمنا أو يحرضنا في هذا النوع من المظاهر، بل بالعكس هو التطور الحتمي للمثال الجماعي المنصهر، وتطور الوسائل التي يفرض بها نفسه كأفق وحيد أمام كل فرد. أن يتم التجاوب مع دعوات مقاومي متطلبات الكونية، يعني سماع بعض الشعارات الخافتة تبرز في موازاة المخاوف: " لن نمزج بين الاجناس الحية في كلٍ كبير واحد" أو أيضا: "لن نخلط بين الأجيال الحالية وتلك الآتية". فالانصات الى هذه الشعارات وهي تطفو مع الحالات العصابية يساعد أكثر في فهم عدد من التغيرات في تطور الذهنيات. وهكذا نجد أن ردات الفعل اللاواعية على النظام الكوني ليست دون تأثير على التقدم الجاري في مواضيع التلوث والهم البيئي، وفي تحريض الاوساط اللامبالية حتى الآن والتي يمكن أن تستمر في هذا الموقف طويلا لولا آلية تجريم الذات المتميزة هذه. كما أن ذلك يساعد مثلا في فهم ردة فعل المشاركين في نشر الكونية الافتراضية (وفي درجة أولى الأميركيين أنفسهم من مبرمجي الكومبيوتر والعاملين على الانترنت) حين يبدأون، ولو خاطروا بالتسبب بركود اقتصاد الشبكة، بالتعبير عن ريبتهم وتمييزهم إزاء مبدأ " الانترنت الشامل" ونموذجه للاتصالات العالمية الكلية على حساب "الحياة الحقيقية" للاشخاص في مواقعهم الفعلية. هل يجب من أجل ذلك القبول بالعودة الى أشكال انكفائية وخطيرة رافضة للكونية؟ أكثر من ذلك يجب النظر في الاشكال الحالية لمقاومة النظام الكوني على أساس تنوعها خصوصا أننا في الماضي وعند حدوث ردات مشابهة متزامنة مع حالات الانهيار الاقتصادي (1880، 1929، الخ.) كنا نشهد، لا العودة الى المنطق، انما بعد شيء من التردد، الاندفاع الجماعي الأكثر غضبا نحو التصلب في النزعة الكونية، كما في العودة الى التنكر الجنوني لكل ما هو كوني. إن الكره الشخصي الذي يكنه الرئيس جورج دبليو بوش للبريد الالكتروني (وقد الغي من البيت الأبيض) يمكن ان يبدو كرفض بسيط للرقابة الاعلامية على الخصوصية الرئاسية، لكنه يأتي في اطار مشهد من التمسك بالقديم حيث الدافع الى التراجع أمام الرؤية الكونية ليس الا بداعي التأكيد المتكرر مواقف الهيمنة مثل المعارضة المعلنة لحق المرأة في الاجهاض وتأكيد على حق القوة العظمى في تلويث الكرة الأرضية، وسياسة "الانعزال" التي هي الوجه الآخر للتسلط المباشر من الآن وصاعدا من جانب ثروات الولايات المتحدة الكبرى على الأميركتين (وهذا ما تبين في قمة كيبيك حول انشاء منطقة للتبادل الحر بين الدول الاميركية، وقد جاءت نسخة كاريكاتورية مجحفة عن المحاولة الاوروبية [3] ). أما بالنسبة الى نظرية بوش حول "القلعة الاميركية المحصنة" التي تبرر الانفاق الفاحش على الدرع المضادة للصواريخ، فانه يتبين فيها عودة الى المتخيل المرضي الرافض للكوني، انها "عقدة زاردوز". فمن المفيد تذكر هذا الفيلم الذي أخرجه البريطاني جون بورمن [4] ، إذ انه قبل الحديث عن حرب النجوم بكثير، صوّر "أرضا" مستقبلية تحكمها نخبة انكلوساكسونية مخلدة بواسطة الاستنساخ ومنغلقة على نفسها في محجر من نوع الجنة، محمي من بقية العالم المتروك عمدا في حال من البؤس والرعب بواسطة نظام من أشعة اللايزر. أما المغزى الفاضح أكثر من غيره الذي أراده بورمن فهو أن يلفتنا الى ان هذه النخبة المتصلبة لم تكن في الواقع تحلم الا بأمر واحد وهو بلوغ الموت وتحرير المستقبل... من أجل الآخرين. وقد تجاوز الوضع الحالي قلق السبعينات هذا بمعنى أن واقع تعددية الأقطاب والتنوع الثقافي في العالم باتا منذ الآن يتجاوزان كليا ترسيمة الهيمنة الوحيدة، لكن لا يزال في إمكان الحنين أن يحرك الحلم الامبريالي. خصوصا أن إعادة تقسيم العالم الاستراتيجية الرجعية لا تتناقض حتما مع شراسة العقيدة الداعية الى مجتمع عالمي يحركه المنطق التجاري. وقد ذكّر المؤرخ اريك ج. هوبسباون بأن الرأسمال البالغ الحرية والمعولم في "الحقبة الجميلة" (بداية القرن العشرين) قد سعى حثيثا أيضا الى تشكيل الأسواق الشعبية الوطنية التي عززت تاليا على مدى القرن العشرين، السلاح ذا الحدين أي التضامن الأخوي بين المواطنين والكراهية المتعصبة ضد الأغراب. والحال أن ملاحظته حول الوضع الدولي في العام 1902 (" إن نظام الحماية التجارية يعكس السعي الى عولمة المنافسة الاقتصادية [5] ") لا تزال، على بعض الصعد، صالحة في أيامنا هذه. فالقوى المتحكمة بالمال تدعو الى حرية مطلقة في التجارة العالمية، لكنها في الوقت نفسه تميز الى حد بعيد الأسواق القارية والامتيازات التي تحمي بعضها من البعض الآخر (معركة بوينغ/ايربوس، مشاريع فرض شراء الصويا أو المنتجات الثقافية الأميركية، الخ.). وما الحرب الخفية بين بين اليورو والين والدولار الا عامل مشجع في حد ذاته على أقصى حالات التعصب النقدي الوطني أو الاقليمي تكمن فيه كراهيات متفاقمة محتملة ( نظرة الرأي العام الأميركي الى أوروبا كمصدر خطر اقتصادي، السخط من الدين الأميركي المتضخم بفعل وزن الدولار، الخ). والأمر نفسه ينطبق على الأساليب الكلاسيكية المطبقة في تقاسم ثروات الدول الفقيرة بين القوى العظمى، فعندما تشتري الشركات المتعددة الجنسية الغربية بكثرة شركات في العالم الثالث، الا يمكن تطبيق ما قاله أيضا هوبسباون حول الدوافع الرئيسية للاستعمار في القرن التاسع عشر: "عموما كان من المسلم به أن الاستعمار قادر على ان يدفع ثمن الاصلاحات الاجتماعية. [6] ". ويمكن العودة ايضا الى أساليب القرن الثامن عشر ، حين كانت "شركات الهند" الانكليزية والفرنسية والهولندية والبرتغالية، الخاصة رسميا، تتحكم بثروات المقاطعات التي تحتلها من دون ان تتحمل مسؤولية مباشرة في الادارات المحلية. وإذا ما كانت شركة "ألف" قد اضطرت الى الاعتراف، الا انها ليست "شركة الهند" الوحيدة المعاصرة التي يقع على عاتقها دفع رواتب الدول العديدة المتحولة الى العالم الثالث، ففي الواقع تضطر مجمل المجموعات الكبرى المعولمة تقريبا اليوم الى دفع أجور النخب المحلية... الذين يودعون ما يوفرونه منها في شبكات مصارف الشمال، فيما السكان المحليون المحرومون أي رزق ذي قيمة اجتماعية فيستمرون في بيع قوة عملهم بأجور زهيدة. وفي هذا المجال لا يمكن الا الارتياح الى هذه السياسة الكونية الزاحفة، مثلا عبر قرار العدالة الدولية الذي سمح لجنوب افريقيا بتصنيع بعض الأدوية الاساسية مما يؤدي على الأرجح الى تغيير كامل في سوق الصحة العالمية وحتى في البلدان المتطورة. وفي الوجهة المقابلة هل نتهم بالرجعية هذه المقاومة النقابية والمؤقلمة لتقسيم العمل هذا [7] ، والذي يؤدي الى حصر الأعمال الفكرية النبيلة بالولايات المتحدة (المناصب الاجتماعية، الأبحاث، الخ)، فيما يحكم على بقية البلدان بانحطاط مستواها الفكري بسبب هجرة كوادرها؟ وهل نأسف للمعارضة في وجه سياسة الخفض العنيف للكلفة، ونقل المعامل، وعمليات الصرف الجماعية و"المرونة" التي طالما عانى منها الأجراء على مدى العقود الأخيرة من دون أن يتبين أنها كانت نافعة لاستقرار الأعمال؟ وهل نلصق وصمة "المعادي للتقدم" بالضوابط الموضوعة للتشبث بمنطق التداول الحر للمال وخصوصا في مجال الانتاجات ذات المنفعة العامة؟ ففي حين أن ولاية كاليفورنيا تعيد "تأميم" شركات الكهرباء التي أصيبت بالانهيار بسبب رفض المساهمين هناك الاستثمار فيها،يبدوكأنه من العدل منع شركات الكهرباء الأوروبية إعلان حرب أسعار لا هوادة فيها في ما بينها. إذ أن هذه المنافسة، وبذريعة التوصل الى سعر الكهرباء الأرخص، ستؤدي بشكل قاتل الى تحطيم ما كان يؤمن النوعية والأمان فيها، وخصوصا التضحية بالأبحاث التقنية الطويلة الأمد. فمتى سيطرأ أول نقص في الكهرباء في فرنسا؟ ربما قبل عشر سنين اذا نجحت السياسات "الامبريالية" للشركات التي تمارس باسم المثاليات المعولمة في فرط المعدات التي بنيت منذ أكثر من نصف قرن بأموال الشعب وثقته، وذلك بموافقة النقابات المتلونة التي انتقلت بعدتها وعديدها من اليسار الاحمر او الوردي الى معسكر الادارات المتزمتة. ومختصر الكلام أنه ليس هناك كونية جيدة أو سيئة في حد ذاتها، كما انه ليس في مواجهتها مقاومة جيدة أو رديئة. هناك طبعا أشكال جنونية من الاندفاع نحو الوحدة الانصهارية وواسطتها الاقتصادية هي المال، كما ان هناك بالتأكيد جوانب مؤذية في التشبث بالكيانات الانفصالية العدائية. والأصعب هو سلوك هذا الطريق المليء بعثرات الخوف والنزق الشديد المتضافرة في الغالب. فالمطلوب هو التعمق في تدارس صعوبات مقاربة الكونية ليس كعائق علينا إزاحته وانما كثابت لا غنى عنها من ثوابت وجودنا الانساني. كما علينا أن نلم بأن الكوني سيبقى موضوعا دسما للافتتان/الرفض، وبأنه يجب تطويع عوارض رفضها الحازمة واليائسة بدلا من استنكارها، وحتى يجب تقبلها احيانا كشروط للبقاء. وعلينا أن نتنبه في كل الأحوال الى أن علاقتنا بالكونية ستبقى على الدوام ربما ثنائية الأبعاد ومتناقضة. وكلما اقتربنا منها طرحت بقوة مسألة التعددية والتمايز، أقله بسبب إلحاح ردات فعلنا اللاواعية التي لا نقوى على كبتها.
* عالم اجتماع، مدير ابحاث في "المركز الوطني للابحاث العلمية" (فرنسا). من مؤلفاته Le Complexe du loup-garou. La Fascination de la violence dans la culture amricaine, La Dcouverte, Paris, rdition 2005.
[1] Françoise Sironi, “ L’universalité est-elle une torture ? ” N° 34, Nouvelle Revue d’Ethnopsychiatrie. Paris ( ?) 1998 [2] فيلم من اخراج رشيد بوشارب، نيسان/أبريل 2001 [3] Lire “ De l’alalska à la Terre de feu , le tout-commerce à l’œuvre ”, Le Monde diplomatique, avril 2001 [4] . "زاردوز"، 1974(من تمثيل شون كونري). [5] Eric J. Hobsbawm, L’ère des empires, 1875-1914, Fayard, Paris, 1989 p 140 [6] المرجع السابق ص.62. [7] Jacques Capdevielle, Modernité du corporatisme, Presses de Sciences Po, Paris, 2001
|