
مقالات > آب/اغسطس > 2001كاميكاز علم الأعصابماريانو سيغمانبحاثة يابانيون يصنّعون دماغاً جديداً في العام 1963 بعث سيدني برينر الذي كان قد اكتشف بالتعاون مع فرنسيس كريك، النظام الجيني، برسالة تلخص حال العلوم في العقود الأخيرة [1] ، الى ماكس بيروتز، رائد علم التبلّر (Cristallography) الذي سمح لكريك نفسه باكتشاف التركيب الحلزوني المزدوج لذرة حامض الديزوكسيريبونوكلييك المعروف بالـ أ.د.ان (ADN) [2] . وكان برينر وكريك يعملان لصالح مختبر علوم الأحياء الجزيئي الشهير في كامبريدج، الذي كان يديره ماكس بيروتز. في رسالته كشف برينر عن قلقه زاعما ان علم الأحياء الجزيئي قد انتهى، واقترح دراسة علم الأعصاب كمسألة أساسية جديدة. وهو لم يكن على خطأ في ذلك فالمسائل الأساسية لعلم الأحياء الجزيئي كانت قد وجدت حلولا على أيدي جيروم مونو وفرنسوا جاكوب في فرنسا، وعلى يد جيمس د. واتسون وفرانسيس كريك وسيدني برينر في انكلترا. وكان علم الأحياء الجزيئي على وشك دخول طور التصنيع وأراد الباحثون الانطلاق في ارتياد آفاق جديدة، أما اليوم فان علم الأحياء الجزيئي قد دخل فعلا حيّز التصنيع، والأحلام المتوهمة التي يثيرها ناتجة من عملية تصنيعه أكثر منها ابتكاراته المفهومية. فتجربة آيان ويلموت في اسكتلندا، حين استنسخ النعجة دوللي [3] قد أثارت جدلا إعلاميا واسعا. ومع ذلك لم يكن الاستنساخ حديث العهد، فقبل خمسين سنة كان جون غوردن (الذي يعمل الآن في كامبريدج) قد استنسخ أصلا علجوما بالتقنية نفسها التي استخدمها آيان ويلموت والمستخدمة اليوم في استنساخ الابقار والنعاج والماعز والفئران والتي يمكن أن تستخدم مستقبلا لاستنساخ البشر [4] . وما ليس معروفا هو أن اليابانيين قد حققوا أيضا تقدما هائلا في مجال الاستنساخ حتى باتوا لا يضاهون في قطاع تكتسب فيه المهارة التقنية أهمية أكبر من الابتكار المفهومي. وفي الواقع حقق اليابانيون تقدماً هائلا في الحقل التكنولوجي من دون أن يأتوا بأفكار جديدة في مجال العلم المحض، والدليل على ذلك هو أنهم لم يحصلوا الا على خمس جوائز نوبل للانجازات العلمية مقابل 191 جائزة للولايات المتحدة الأميركية أو 152 لبريطانيا وألمانيا وفرنسا، ومع ذلك فان البحاثة اليابانيين قد استنسخوا في إطار هذا العلم عجولا [5] وفئرانا [6] ، وفي أوائل العام 2000 سبقوا غيرهم الى استنساخ جاموس كان هو بدوره مستنسخا... أي أنهم نجحوا في استنساخ المستنسخ، وذلك كي يتبينوا كيف يشيخ المستنسخ حين يستولد من كائن متقدم في السن أساساً [7] . لكن كما ذكرنا من قبل، ان محاولات الاستنساخ قديمة العهد، أما القطاع العلمي الذي يمكن أن تتحقق فيه ثورة كبرى فهو قطاع علم الأعصاب ودراسة كيفية عمل الدماغ والعمليات العقلية والوعي والذاكرة والفكر والمخيلة والأحلام. وهذا ما كان برينر قد أعلن عنه في رسالته الشهيرة، ولكنه كان قد استشرف أيضا العائق الأساسي في وجه بيولوجيا الأعصاب: "يبدو لي أن العجز عن تحديد مسار فكري موحد في عملية معينة هو من الصعوبات الكبرى." وقد تقدم علم الأحياء الجزيئي في تحليل آلية عمل الجينات، لأن علماء النظام الجيني قد استنبطوا المفهوم القائل بأن "كل جينة = أنزيما(خميرة)"، ولأن التجليات التي أمكن تقميشها من الجينات في مجال لون العيون وطول الأجنحة،الخ، يمكن اختصارها في وحدات بسيطة يسهل تحليلها. وما يمنع تحقيق قفزة كبرى في مجال علم الأعصاب هو أنه ليس هناك فكر يوحّد مجموعة مختلفة من الأشخاص، ومع ذلك يبدو هذا التطور المهم في متناول اليد، ففي العقد المنصرم، المسمى عقد الدماغ، لم تتحقق الطموحات كليا، إلا أن علم الأعصاب ظل غزير الانتاج، ليس في مجال ابتكار الأفكار انما في مجال المعطيات والتقنيات. فبيولوجيا الأعصاب هي اليوم في حال شبيهة بما كانت عليه البيولوجا الجزيئية في أواخر الخمسينات أو علوم الفيزياء في مطلع القرن العشرين، أي في حال البحث الأساسي. أما الجديد المهم هذه المرة فهو ان اليابان قد انطلقت مشاركة في السباق وتحمل برنامجا طموحا رائعا. وهذا الجهد الياباني يحمل اسما هو مؤسسة "ريكن" للادمغة، التي انشئت في العام 1917 كمؤسسة خاصة، ومنذ خمسين عاما بات تمويلها يؤمن من الأموال العامة والخاصة في آن. وأول ما يميزها بحسب رئيسها السيد شون- إيشي كوباياشي، أنها تملك هدفا وبرنامج أبحاث وطموحا جبارا:" فكما ان انسانا من دون طموح في الحياة هو مثل المركب التائه، فان برنامج أبحاث من دون أهداف كبرى ستغرقه عاصفة التطور العلمي المطرد وأمواجه [8] ". موقع المؤسسة هو في واكو، على بعد نصف ساعة في القطار من طوكيو، وللغرابة هو في محاذاة قاعدة عسكرية أميركية... وهذا المبنى الضخم، ذو المظهر الخارجي المتقشف مخصص كليا لدراسات علم الأعصاب، فكل البحاثة في مؤسسة ريكن، "الشمس المشرقة" في عالم بيولوجيا الأعصاب، يعملون كليا على أهداف مركزية ثلاثة: فهم تركيب الدماغ، وحماية الدماغ وتصنيع الدماغ. ولتحقيق هذه الأهداف تم وضع البنى الضرورية، مثل الارتباط المباشر تقريبا بمؤسسة ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة (ام.أي.تي) لتحقيق السبق على بقيّة العالم، وتطوير مركز تكنولوجي يتعاون مع مجموعات الباحثين من أجل تنفيذ التقنيات الضرورية وانشاء مركز معلومات مهمته توظيف كميات المعلومات التي يتم التوصل اليها في العالم كله. وفي ما خص كل من هذه الأهداف، اي فهم الدماغ وحمايةه وتصنيعه، خططت ريكن للنتائج المحتملة على مدى السنوات الخمس او العشر أو الخمس عشرة او العشرين المقبلة. ففي ما يتعلق بالهدف الأول، أي فهم تركيب الدماغ، فان البحاثة اليابانيين يأملون أن يتوصلوا، خلال خمس سنوات الى تفكيك آليات الذاكرة والتعلم، واكتشاف تمظهر اللغة. كما أنهم يتوقعون، من الآن وحتى عشر سنين، أن يفكوا رموز الآليات التي تنتج الأحاسيس والعواطف وبقية التصرفات المتنوعة، إضافة الى الانتظام البيولوجي وادراك الوقت وكيف تكتسب الكلمات التي تشكل اللغة صفتها الرمزية. ويطمح البرنامج إلى أن يتوصل، بعد خمس سنوات، الى جلاء جميع الأسرار المتعلقة بآليات الانتباه والتفكير كما باكتساب اللغة. وأخيرا هم يعتقدون أنهم سيتمكنون، في ما لا يتعدى العشرين سنة (وهي لا شيء في مقياس الزمن) من التوصل الى اكتناه آليات عمل الوعي الاجتماعي والفردي. أما المشروع الثاني لريكن، أي حماية الدماغ، فهو بدوره يتطور بشكل هائل، فمن المتوقع أن يتم التعرف خلال خمس سنوات الى الجينات التي تساعد في تطور الدماغ وآليات الأمراض النفسية، وان يتم التوصل، خلال عشر سنين، الى معرفة كيفية ضبط النمو الطبيعي لعقل الحيوان، والتحكم بشيخوخة الخلايا العصبية المزروعة، والتمكن من تحقيق عمليات نقل عبر زرع الأنسجة العصبية. ففي حدود العام 2015 سوف يكون من الممكن أن تطبق على الانسان طرق تأمين النمو الطبيعي للعقل، وأن يتم التحكم بشيخوخة الخلايا العصبية في دماغ الحيوان، كما ستتقدم بشكل هائل الطبابة الجينية في معالجة الأمراض النفسانية والعصبية. ومن المتوقع أن يتم التوصل في غضون عشرين سنة الى التحكم بمسار الشيخوخة البشرية والى تطوير أنسجة اصطناعية (عصبية وعضلية) والى القضاء على الأمراض النفسانية والعصبية. واكثر ما يبهر هي النقطة الأخيرة أي تصنيع الدماغ. فالسنوات الخمس الأولى ستكون كافية لتطوير "براغيث" الكترونية كفيلة التعرف على الاشياء وأنظمة للذاكرة هي بمثابة نسخة مطابقة لطريقة العمل الدماغي. وحوالى العام 2010 ستكون قد أعدت تركيبات مؤهلة للتفكير (لاحظ ان ذلك سيسبق فهم الدماغ)، وستصنع آلات مزودة ذاكرة من دون الاضطرار الى برمجتها، ومزودة ايضا تفكيرا حدسيا وتحليلا منطقيا. وفي غضون خمس عشرة سنة ستصنع كومبيوترات تتحلى بصفات ثقافية وعاطفية وقادرة على الشعور ببعض الأحاسيس مثل الرغبات. أما بعد عشرين سنة فستخترع كومبيوترات فائقة الذكاء قادرة على إقامة علاقات صداقة مع المجتمع البشري. وفي الحقيقة قد ينشيء البحاثة علاقة تكافلية بين البشر والكومبيوترات، كما أنه سيكون هناك بشر آليون قادرون على المشاركة في الحياة الفكرية الانسانية. وبتضافر المواهب الهائلة المتمركزة في مؤسسة ريكن، يصبح تصور ما سيكون عليه العالم بعد عشرين سنة أمراً مدوخاً، ومرعبا بشكل ما، فهنا يبدو العلم نوعا من ادب الخيال العلمي، وإذا ما تحققت أهداف مؤسسة ريكن، وإذا ما تحكمت هذه الأبحاث بما سيكون عليه المستقبل فإننا سنتوغل في حدود العام 2020 في خفايا الدماغ (والفكر). نجعل الفكر خالداً ونصنع له عوناً تقنيا بديلا بفضله سيتمكن من الاستمرار في التعبير والوجود. يكون اليابانيون قد فعلوها، وذلك قبل كل شيء لأن المسؤولين عن المشروع قد وظفوا ابحاثهم في قطاعات المعلوماتية والالكترونيات، وهي القطاعات التي يتفوقون فيها على بقية العالم، فهم حاليا الوحيدون الذين أنجزوا صناعة روبوت كاواتو الذي يرقص باليه اوكيناوا الفولكلوري بتعبير انساني ساحر. ربما أن الانجازات العلمية التي يتخيلها البحاثة اليابانيون للسنوات العشرين المقبلة ليست فقط حلما ولا كابوسا، وهي تستدعي تطورات خارجة عن المألوف اكثر بكثير مما هي عليه في مجالات النظام الجيني أو الانترنت أو الاستنساخ، إنها تشكل التحدي الأكبر الذي لم يسبق ان أنجز في مواجهة الهوية الانسانية، وهي تهدد برمينا في المقلب الآخر، ما بعد الانساني...
* باحث في علم الاعصاب في جامعة روكفلر، نيويورك.
[1] . WB Wood and the community of Celegans researchers, The Nematode Caenorhabditis elegans, ed. Cold Spring Harbor Laboratory Press, Cold Spring Harbor, 1988 [2] James Watson, The Double Helix : A personnal Acccount of the discovery of the Structure of DNA, W.W. Norton & Company, 1981 [3] Wilmut I., et al. “ Viable offspring derived from fetal and adult mammalian cells ”, Nature, n°385, pp. 810-813, 1997 [4] J.B Gurdon et Alan Colman, “ The future of cloning, ”, Nature, n°402. pp.743-746, 1999. [5] Yoko Kato, Tetsuya Tani, Yusuke Sotomaru, Kazuo Kurokawa, Jun-ya Kato, Hiroshi Doguchi, Hiroshi Yasue, and Yukio Tsunoda, “ Eight Calves Cloned from Somatic cells of a Single Adult ”, Science, pp. 2095-2098, 1998. [6] T. Wakayama et.al “ Full-term development of mice from enucleated ovocites injected with cumulus cell nuclei ”, Nature, pp. 394, 369, 374, 1998 [7] New-York Times, 25 janvier 2000 [8] http:/www.riken.go.jp/engn/index.html
|