
الانترنيت والصحافة > آب/اغسطس > 2001جان-كلود غيبوهل الانسان على طريق الزوال؟ كيف ندافع عن انسانية الانسان في مواجهة اشكال الفوضى الاقتصادية والعلمية البادية في الافق؟ لا يمكن مقاربة التحولات التاريخية الثلاث التي تهز الكرة الارضية ـ الاقتصاد مع العولمة والمعلوماتية من خلال الانترنيت والهندسة الوراثية عبر الاستنساخ ـ بصورة مستقلة الواحدة عن الاخرى. فهي تمتزج لتؤلف نظاما ويخشى ان تقود، تحت ستار الحداثة، الى تراجعات مضادة للديموقراطية. فيما يلي مرافعة من اجل مقاربة نقدية لهذه الثورات الثلاث. نحن امام مفارقة مذهلة. منطق خفي يسحب البساط من تحت اقدامنا يوماً بعد يوم. فالقيم والمفاهيم والاهداف الديموقراطية التي نرفع شعارها تتعرض للتفتيت في اعماقها، وها نحن نعيش و نفكر فوق الفراغ اذا امكن التعبير، ولكن هذا الفراغ ينتظرنا. اننا نؤمن في صورة مشروعة بحقوق الانسان ونحن مقتنعون بان انتصار هذه الحقوق التدريجي في مطلع الالفية الجديدة لا ينبئ بنهاية التاريخ بقدر ما يعلن هزيمة (ولو مؤقتة) لانظمة الاستبداد والتسلط. وداعاً للفاشية والشيوعية والنازية، وداعاً للديكتاتوريات البائسة، وداعاً للاحتجاز المفروض! نتشارك في الوقت نفسه بوعي اكثر حدة لما تكون عليه الجريمة ضد الانسانية. تلك التي تضيف الى قتل البشر انكار الصفة البشرية، وهذا ما يفاقم الجريمة ببتر المعنى. لا تزال ذاكرتنا طرية في هذا المجال. فمن اجل منع تكرار هذه المذابح والمآسي المادون بشرية، من اجل ابعاد خطرها، نريد انشاء قانون دولي جديد مع ما يتضمنه من انظمة جزائية ومحاكم، في انتظار ان يكون له "شرطته" الخاصة. تلك هي العقيدة الجديدة التي يتكرر اعلانها الى ما لانهاية. بيد انه في الوقت الذي نرمي فيه حججنا ودروسنا الاخلاقية، يجري من وراء ظهرنا التهامس باسئلة رئيسية نفضل عدم سماعها في الآونة الحاضرة. ما هو الانسان، بالضبط؟ ماذا يعني مفهوم الانسانية؟ اليست هذه الفكرة قابلة للمراجعة او للتطوير؟ والامر الغريب ان اعادة النظر الجديدة في مفهوم الانسانية ليست صادرة كما في الماضي عن مستبدين برابرة او طغاة مستنيرين بل ان العلوم التقنية المتجددة هي التي تنطق بها. حتى ان هذه المراجعة هي على علاقة متبادلة مع ما يلوّح به هذا العلم من وعود مذهلة: كأنها الثمن الواجب دفعه او الخطر المفترض مواجهته. اعادة النظر في الانسان من اجل التمكن من تحسين سبل شفائه… فمن علم الاحياء الى علوم الاعصاب ومن علم الوراثة الى الابحاث المعرفية، هناك حيّز كامل من النبوغ المعاصر يعمل على زعزعة القناعات التي لا نزال نتمسك بها. وما يشجع اعادة النظر في انسانية الانسان هو الضعف الذي يتسم به تفكيرنا حول "انقلاب العالم" [1] . في الواقع اننا نعيش ثلاث ثورات/تحولات متزامنة تضاف مفاعيلها الى بعضها البعض وتتزاوج. ويمنع علينا تشابكها المعقد في اغلب الحالات رؤية اشكال الظلم والسيطرة المأسوية التي تحملها معها. ثلاث ثورات؟ اولاً، بالطبع، الثورة الاقتصادية الشمولية التي بدأت في القرن التاسع عشر لتعرف انطلاقة جديدة مباشرة عقب انهيار الشيوعية. وهي تقوم على الزوال المتسارع للحدود وتحرير قوى السوق العالمية الكبرى اضافة الى تراجع – لا بل شبه زوال – للدول القومية بصفتها ضابطة للتنمية الاقتصادية. لقد اخرجت هذه العولمة جنّ (السوق) من قمقم (الديموقراطية) الذي كان محتجزاً ومدجناً ضمنه. وهي اذ تحمل في كنفها وعوداً لا يمكن انكارها، على غرار ما جاءت به الثورة الصناعية، فان هذه العولمة حبلى بالاخطار. وابرزها التفتت التدريجي للمستوى السياسي أي لقدرة التأثير الجماعية في مجرى الاحداث. الثورة الثانية هي الثورة المعلوماتية او الرقمية المتلازمة مع الاولى. وقد بدأت مفاعيلها الرئيسية بالظهور للتو. لكن ماذا بعد؟ عام 1962 نحت فيليب درايفوس عبارة معلوماتية ( Informatique من كلمة معلومة (Information) وكلمة آلية (Automatique). وهي تدل ايضاً على العلم الذي تقوم عليه هذه التقنية (هندسة الحاسوب او Computer science) [2] . لا نزال في بداية مسار ضخم يعدل في العمق علاقتنا بالزمان والمكان حيث يزولان تدريجياً في شكل من الاشكال لصالح بعد زمني-مكاني موحد ومحيّر: الفورية الافتراضية. "قارة سادسة" تظهر للعيان بفعل انتصار النظام الرقمي والانترنت والحيز الافتراضي، وميزتها ليست فقط "الحصانة السياسة" بل انها محكومة بالفورية. وها هي اليوم جميع النشاطات البشرية تهاجر واحدة تلو الاخرى وفي حال من الفوضى الرهيبة نحو هذه القارة الغربية: التجارة والمال والثقافة والاتصالات والاقتصاد الخ… سوف يزداد ايقاع هذه الهجرة بفعل حدوث الاختراقات التكنولوجية. اما الدول القومية والديموقراطية فانها في الآونة الحاضرة تفقد الكثير من دفاعاتها امام هذه القارة الرقمية المليئة بالاخطار، امام هذه الغابة. واي وزن لقوانيننا الدولية ومعاهداتنا التجارية وقواعد عملنا اذا كانت تواصل ذوبانها في هذا اللامكان المنتشر في كوكبنا كله وحيث راح الاقوياء يرسخون امبراطورياتهم الجديدة؟ الثورة الثالثة جينية. وهي محكومة بقوة من لوبيات تكنولوجيا الاحياء وخاضعة في جوهرها لقوانين السوق اكثر منها لقوانين "الاخلاق البيولوجية". لكننا نقوم بتحليل هذه الثورات الثلاث كل على حدة. نروز الوعود والاخطار الناتجة عن هذه او تلك. نتجادل في البدائل الخاصة المرتبطة تارة بالهندسة الوراثية وطورا بالسوق الحرة واحياناً بالاحتمالات الرقمية. ويمكن القول ان تجزئة الفكر هذه تصيب بالشلل عدّة التحليل كلها: الاختصاصات الجامعية، تقطيع المعرفة، اختصاص البحاثة ومروّجو الافكار والصحافيون. فعلماء الاقتصاد ينكبون على العولمة وامكان ضبطها لكنهم نادراً ما يلجون ميدان تقنيات الاحياء بواسطة ادواتهم المفهومية. من جهتهم، لا يملك علماء الوراثة الجينية و"الاخلاق البيولوجية" المقدرة ولا الجرأة المطلوبة للتفكير في تفلت الاقتصاد او في الزوابع الرمزية التي تثيرها الثورة المعلوماتية. اما اختصاصيو المعلوماتية فيتصدون لما يكفي من الابحاث الخاصة بهم كي يجدوا الوقت للتوقف عند الهيمنة الخطيرة للسوق او عند الهروب الى الامام الذي تقوم به تقنيات الاحياء. يمكن ملاحظة الشيء نفسه لدى وسائل الاعلام المتحكمة بالرأي العام. فالاقتصاد والمعلوماتية والهندسة الوراثية لا تزال مرتبطة بابواب مختلفة وتجري متابعتها بشكل منفصل. فيصار طوعاً وبشيء من السهو الى وصف الجغرافيا "الساحرة" لهذه الميادين الجديدة من دون كبير اهتمام بالطرق التي تربط في ما بينها. فيبقى من حيث الجوهر كل في ابرشيته مع ما يستتبع ذلك من تفتت للتفكير وتجزئة للافكار وما تحمله من مفاعيل بالغة الخطورة. بئس السياسة! اننا بفعلتنا هذه واستعادة لعبارة استخدمها سابقاً اللاهوتي الالماني الكبير كارل راهنر، نوافق على ان نبقى "اغبياء متنبهين"، و "بلهاء حاملين البراءة" يشوبنا من دون ان ندري "جهل الفقهاء". لماذا اذا؟ لان هذه الثورات الشقيقات الثلاث باتت تشكل في الحقيقة نظاماً وانه من الخفة النظر اليها بصورة منفصلة. وقد بدأنا ندرك ان المشاكل الكبيرة والاخطار المباشرة ودواعي القلق الحقيقية ليست مرتبطة في الضرورة بهذه الثورة او تلك بل بتفاعل الثلاث في ما بينها وتأثيرها المتبادل وغير المنضبط وتسارع وتيرة الواحدة في صورة فجائية تحت التأثير الآلي للاخرين. فلنأخذ مثلاً كيف ان لا مشكلة بالضرورة في علوم الاعصاب او الهندسة الوراثية في حد ذاتها بل في ما تتعرض له من اغراق لا معقول بالمنطق المالي المتفلت. لا يأتي الخطر من السوق في حد ذاته بل من تطبيق قوانين السوق المدمر على بعض المجالات مثل تقنيات الأحياء التي من المفترض ربطها حصرا بالارادة السياسية والضوابط الأخلاقية. في تعبير آخر ان الحكم المسبق الاقتصادي يضفي الخطورة على الحكم المسبق الوراثي (الجيني) الذي يضع بدوره احتمالات مخيفة امام الحكم المسبق المعلوماتي. والعكس صحيح، وهكذا دواليك. لذا فان تجميع المفاهيم هو من اكثر المهمات الحاحا. فالعنف الذي تتصف به المتغيرات يجبرنا على المثابرة على ممارسة تداخل الاختصاصات اذا كنا نريد فهم هذه المتغيرات والسيطرة عليها. علينا اذا ان نتعلم كيف نفكر في هذه التحولات التاريخية الثلاثة معا. والا فاننا نفسح في المجال ليس امام انتصار "الحداثة" بل امام التراجع التاريخي الذي تخفيه هذه الحداثة، ومن باب المفارقة، ضمن طياتها. ان المناخ السائد مع مظاهره التحديثية ينقل في الواقع تراجعات جلية. وظاهرة "ما بعد الحداثة" التي يحتفل بها الاعلام تشتمل على تقليد للقديم اكثر مما نظن! ان غالبية حالات سوء التفاهم تنبع من هنا. فمع دخولنا ألفية جديدة ونحن مذهولون بما نشاهده من اختراعات وتقنيات، يحدث احيانا وبالرغم من كل شيء ان نلمح فيها بعض الظواهر العائدة الى…القرن التاسع عشر. لا نحبذ التحدث في هذا الموضوع لاننا نرفض بالغريزة الاعتقاد بان التاريخ يمشي القهقرى. نفضل الاحتفال بانتصار العلم التقني مع ما يحمله من وعود وانجازات وغرائب، على ان نواجه فرضية تراجع تاريخيّ ما يرافق هذا الانتصار. اننا مخطئون، فالتاريخ وحتى العلمي منه لا يسير قدما كالنهر في جلاله، بل ينعطف ايضا واحيانا يلتوي. يتلعثم او ينطوي على نفسه مثل آلة الاكورديون. للتاريخ حيله، كما قال هيغل، والواقع انه في ركام الثورات المعاصرة هناك بعض المخلفات تعيدنا فعلا الى القرن التاسع عشر. ان من شأن المشروع التقني العلمي اذا ما ترك على سجيته وطبّق على الجنس البشري، ان يعيد انتاج انماط السيطرة وان يبرر اشكال التخلي عن الديموقراطية، ويؤسس لنزعة مضادة للانسانية تكون صدى مباشرا لماض معهود. وفي هذا السياق انه لمن المثير ملاحظة غرابة هذا التراجع. الاستعمار والعنصرية والاستعباد وتحسين النسل والعدمية تطرح علينا تحت برنق المساحيق المتجددة اللمعة كاشكاليات معنوية ومشاريع وحتميات خاطئة تعيدنا بالتأكيد الى الوراء. الا تعيد فرضية الاستنساخ البشري اختراع المقولات الفكرية للعبودية؟ الا يخشى ان تنتج الهندسة الوراثية مع معدلاتها والنموذج "السويّ" المفترض، عنصرية من النوع الثالث؟ الا تشجع التقنيات الاحيائية حاليا الفتح الاستعماري المتجدد؟ وفي التوقف عند هذا المثل الاخير، يتضح ارساء ممارسة عالمية جديدة تذكر مع حفظ النسبة بمنطق الفتوح الغابر. فلقد انفتح الباب امام سباق ضخم وراء الجينات على مستوى الكرة الارضية، تتنافس فيه الشركات الكبرى الساعية من خلال براءات اختراع الاحياء الى تملك الجينة النادرة والبكتيريا المفيدة والبذور الفاعلة والاصناف الحيوانية الثمينة. ما كان في الامس ينتمي الى مجانية العالم الجميلة (المشاع في القانون الروماني) او ينبع من مجهود البشر المتراكم طوال اجيال من الفلاحين، بات اليوم عرضة للخصخصة. المطروح تقاسم سريع للالدورادو الجيني من خلال تربيعه ضمن قيود قانونية ودوائر خاصة ودمغات تجارية الخ… بدأت بلدان العالم الثالث السابق تدرك أي تبعية تتهددها. اما ما هو معرّض للتقاسم بموجب عقد كولونيالي جديد فليس موادها الاولية بل ميراثها الجيني اللامادي. هذا مجرد مثل يرمز الى الحال الطارئة التي نواجهها: بلورة نقد واضح وعقلاني ومواجهة هذه الثورات الثلاث المركبة والا فانها سوف تقضي ليس فقط على المشروع الديموقراطي بل على انسانية الانسان.
* كاتب وباحث، من مؤلفاته La Tyrannie du plaisir, Seuil, Paris, 1998 و La Refondation du monde, Seuil, Paris, 1999 ، اما هذا النص فمستلّ من الفصل الاول من كتابه الجديد le Principe d’humanité, الذي سيصدر خلال شهر آب/اغسطس عن دار سوي، باريس.
[1] استعير هذه العبارة من ميشال بو في كتابه Le Basculement du monde, La Découverte, 1997 [2] حول هذه النقطة راجع Philippe Breton, Histoire de l’informatique, la Découverte, 1987
|