
مقالات > آب/اغسطس > 2001ارمان فاراشيرحمة بالحيوان كتب ادوارد جيبون [1] حول الاحتفالات الرومانية يقول: "قامت مأساة اليوم التالي على ذبح مئة أسد وعدد مماثل من اللبؤات ومئتي فهد وثلاثمئة دب". الحمد لله ان زمن هذه الاحتفالات المقيتة قد ولى (ولو يعتقد انه ما زال في الامكان ملء مدرج كامل بهواة التفرج على الدم لمشاهدة مختلف معارك الديوك والكلاب والثيران). لكننا لو جبهنا الحقيقة لادركنا ان مجتمعنا يبرهن عن قساوة خفية اكثر فظاعة. فما من حضارة انزلت بالحيوان العذابات التي نكبده اياها، هنا والآن، باسم الانتاجية المعقلنة وسياسة "الكلفة الدنيا". مقابل 700 حيوان مفترس تعرضت للقتل خلال احد الاعياد الشنيعة في عهد الامبراطورية الرومانية، تحكم مجتمعاتنا على ملايين الحيوانات بعذاب طويل. لماذا نخاف الكلمات؟ ان فرنسا مليئة بالمعتقلات وقاعات التعذيب. مواكب الرعب تخترقها في كل لحظة، وفي جميع الاتجاهات. فبسبب التربية المكثفة، تحولت المزارع المسماة "استثمارات" مراكز اعتقال ذات نظام صارم، وتبدو "الزرائب" التي ارتبط اسمها بالملك لويس الحادي عشر، حظائر حقيقية بالمقارنة مع هذه الانظمة التي نسجن في داخلها مخلوقات اوجدتها الطبيعة لتتمتع بالنور والحركة والفضاء, ففي فرنسا هناك 50 مليون دجاجة بياضة ـ غالبا ما قطعت مناقيدها بواسطة الحديد الحامي ـ محتجزة مدى الحياة في اقفاص صغيرة حيث لا يمكنها ان تنام او تمدد اجنحتها، مكتفية بابتلاع علف يحتما ان يكون اصله من الجور الصحية او من وحول التطهير… تحزّم انثى الخنزير ليل نهار في محابس تمنعها من أي حركة وذلك لمدة عامين ونصف عام… تربط عجول زنة الواحد منها 145 كيلوغراما في العتمة، داخل مربعات بعرض 81 سم… وتتضخم جوانب الدجاج المعروف بـ "الاهبر" الى درجة لا تعود تحمله ويعجز تاليا عن التنقل. تقوم آلات ضغط هوائية وبواسطة انبوب طوله 40 سم مغروز في البلعوم بادخال 3 كيلوغرامات من الذرة الساخنة يوميا (أي ما يوازي 15 كيلوغراما قياسا على الانسان) الى جوف طيور البط والاوزّ المثبتة داخل "توابيت" مسيجة، وهي في كل حال باتت عاجزة عن الوقوف على اقدامها. وفي نهاية هذه الحياة المتميزة بقصر مدتها، تنقل اعداد كبيرة في ظروف مرعبة، فيرمى بعضها فوق البعض الاخر دون علف ولا عناية ولا ماء، طوال رحلات خانقة لا تنتهي غالبا الا بالموت. من رأى هذا المشهد لا يمكنه ان ينساه ابدا. في الصين حيث درجت العادة على تغطيس الحيوانات في الماء الحار وسلخها حية، تسجن الدبب البرية حتى الموت في اقفاص حيث لا يمكنها الجلوس وتفقد القدرة على استخدام اعضائها. كما ويغرز على مدار الساعة مسبار في كبدها لاستخراج الصفراء المستعملة في الطب التقليدي. وفي الغرب تقوم "جماعة العلماء" بتوليف متقن لحيوانات من نوع جديد، لا وبر فيها ولا ريش ولا شحم، عمياء ومزودة اربعة افخاذ وجدت كما هو واضح للتمتع بالسعادة في الهواء الطلق! قد تطول الامثلة وتصبح مضنية. بالنسبة الى الملايين او الى المليارات من هذه الحيوانات، تصبح مجرد رحلة الحياة من الولادة الى الموت عذابا لا يتوقف، ويصعب التصديق بان اناسا يفاخرون دون حياء بما يفرضونه عليها من انظمة مرعبة لاسباب غاية في الحقارة: الحصول على لحم اكثر بياضا او توفير سنتيمات في كلفة البيضة او الحصول على شيء من العضلات تضاف حول العظم. "شراهات مرة" كما كان يقول عنها بلوتارك [1] . اما في ما يخص الحيوانات البرية، فالمعروف بكلمة مختصرة انها تطارد بالافخاخ والبنادق والسموم والتهريب والتلوث او بتدمير مساكنها. هناك 8500 صنف من الحيوانات الفقرية مهددة بالزوال في المدى القصير. ان الانسان هو وحده المسؤول عن هذه الابادة التي لا يمكن تشبيهها الا بالانطفاء الواسع للاجناس في العصر الوسيطي القديم. في الكاميرون تعاني القرود الكبرى حالياً مما يمكن تسميته بكل معنى الكلمة تدميراً منهجياً يمكن مقارنته بنوع من الابادة. وفي مجال حماية الحيوانات البرية لا يمكن فرنسا اعطاء الدروس لاحد بعدما اظهرت كل هذه الحماسة لتشريع الصيد المحظور. وقد شاهدنا مؤخراً المذابح الرهيبة والمحارق الفظيعة حيث لم يصار الى ممارسة "الموت الرحوم" كما يقال حياء بل تم ذبح الحيوانات واحراقها بالملايين في انكلترا لانها مصابة بمرض لا يحمل خطورة فعلية (الحمى القلاعية) لكن من شأنه عرقلة التجارة وتبخيس "البضاعة". يجب ان يعرف ايضاً ان الذبح مستمر بعد الوباء وانه يتم اليوم التضحية في فرنسا بـ 450 الف بقرة سليمة من اجل "تنقية السوق". هل ان هذا العلاج المرفوض عندما يتعلق الامر بالحليب او بالملفوف، يصبح مقبولاً اذا ما مورس على كائنات حساسة وودودة وفزعة لا تطلب سوى الحياة؟ قلة من اهل المهنة اشتكوا من امر آخر غير مبلغ التعويضات او السرعة في صرفها والتي تشكل وسيلة للابقاء مهما كان الثمن على زراعة الكابوس: تكريس نظام التعويض بعد الفجيعة والمكافأة على التعذيب والتلويث. من لم يفكر في اسوأ فظائع القرون الوسطى عند رؤية هذه المحارق العامة وهذه المدافن المملؤة بواسطة الرفوش الآلية؟ أي فظاعة تحضّر لنا عندما تنعت الشفقة نحو الحيوان بانها "حساسية زائفة" او تعلق غير طبيعي بالحيوانات؟ ان المشاعر والتجارة لم تتفق يوماً لكن يبدو انها تتجاوز حدود ما يمكن احتماله. فهل يميز المنتج بين كائنات تتعذب وبضائع مصنعة عندما يسمي العجل "نتاج البقرة"؟ وبينما يتردد اكثر فاكثر الكلام عن "اعضاء حيوية" للسيارة و"قطع غيار" للاجسام؟ صحيح ان الرجال والنساء والاطفال هم في كل مكان ضحايا الظلم والتعسف والبؤس وسؤ المعاملة، وان اذلال القريب مبدأ كوني وان العديد من الابرياء يقبعون في السجون. لكن العذابات يضاف بعضها الى بعض ويلغي واحدها الآخر. يقول راوول فانغايم ان "الاولوية لكل الامور في معركة الحياة". هل نتمتع بالسعادة متى عرفنا ان كائنات حية اخرى مهما كانت تصعد الانين؟ على الذين لا يبالون بعذاب الحيوان ويبتسمون رافعين اكتافهم باسم "الاولويات"، ان يتساءلوا ما اذا كانت ردة فعلهم تشبه ردة فعل دعاة اللامساواة وانصار العبودية حتى مطلع القرن التاسع عشر او اخصام حق النساء في الاقتراع منذ ما لا يزيد على خمسين عاماً. وفي كمبوديا ورواندا والبلقان ألم يكن ايضاً طرح مسألة "الاولوية" بين الجيران المقربين في القومية والدين و"العرق" او الجنس سببا في حصر الضحية في خانة "الغريب" واذا امكن "الحيوانية" كمقدمة لتسهيل التخلص منها؟ هل ان رأفتنا محدودة بحيث نضع معايير ذاتية للذين يستحقون ان ننقذهم في الدرجة الاولى وفي الدرجة الثانية او لا ننقذهم ابداً؟ هل ننتظر كي لا يعود هناك اوروبي واحد يعاني التعاسة قبل ان نلتفت الى الافارقة او ننتظر تحقيق اماني الجنس البشري كله كي نهتم بالحيوان؟ هل هذا هو "خيار سوفي" المقيت الذي علينا مواجهته باستمرار؟ كتب كلود ليفي-ستروس: "الا يمكن الانسان الغربي ان يدرك انه بتبجحه بحق الفصل الجذري بين الانسانية والحيوانية وبمنحه الاولى كل ما يأخذه من الاخرى، يفتتح حلقة ملعونة وان الحدود نفسها التي لا تنفك تتراجع سوف تستخدم في فصل البشر عن غيرهم من البشر وفي المطالبة لصالح اقليات متضائلة بامتياز الانسانية المعرض للفساد فور ولادته لانه يستعير مبدأه ومفهومه من الكرامة الشخصية؟(…) ان الامل الوحيد كي لا يعامل واحدنا كحيوان على أيدي امثاله هو في الشعور المباشر والمتبادل بين امثاله هؤلاء، وهو في طليعتهم، بانهم كائنات معذبة". فلنتساءل صراحة ولو اثار سؤالنا الصدمة: لماذا يحق للبشر التصرف مع غير البشر كما البرابرة مع الابرياء وهل علينا دائماً ان نلعب دور قاضي التفتيش والشيطان وتاجر العبيد او ظالم الغير؟ أي حياة يحق لنا احتقارها سلفاً؟ لن يبقى احد في منأى طالما ان البعض منا يعتقد انه يحق له اساءة معاملة كائن حساس لان فوق رأسه قرونا او ان جسمه مغطى بالريش. لقد تقدمت قضية الحيوان كثيراً، في الوقائع كما في العقليات. توجد في فرنسا وحدها عشرات الجمعيات تدافع عنه ولم تشهد مرة في تاريخها هذا الحشد من المناضلين. 90 في المئة من الفرنسيين يعلنون استعدادهم لدفع 15 سنتيماً اضافياً ثمن بيضة من دجاجة حرة. حتى التشريع يتطور، لكن قليلاً وببطء. وتأتي ظواهر الانطفاء الواسع للاجناس والتربية الحيوانية المكثفة لتطغى على ما يتحقق من تقدم وذلك ليس لاسباب عاطفية او فلسفية (فالرأي العام يستنكر بصدق الهمجية ضد الحيوانات) بل مرة اخرى للسبب الاقتصادي نفسه الذي يواجه بعناد الحساسية الفردية. ليس لدينا سوى اشارات بائسة نرسلها الى العدد الذي لا يحصى من المحكومين المحرومين من امكان التعبير والذين ينتظرون منا ردة فعل لن تأتي ابداً. لا يتوقع تحول الفرنسيين جميعهم الى نظام الاكل النباتي ولا ان تطاول حقوق الانسان القرود كما يطالب البعض. لكن لماذا نخجل من القيام بخطوة في اتجاه الرأفة وان نخلق مثلاً سكريتاريا دولة لشؤون الحيوان كما اوجدنا واحدة للتضامن الاقتصادي؟ تجرأت بلجيكا على هذه الخطوة وتخلت بولونيا عن التسمين القسري للحيوانات كما تميل بريطانيا الى منع الصيد بمساعدة الكلاب. اما اوروبا وبالرغم من سياستها الزراعية فانها تطرح على بساط البحث تربية الحيوانات والصيد والتجارب والرفاهية. عاجلاً ام آجلاً سوف تتسع موجة الاستنكار لقيام الانسان بتعذيب الحيوان، حتى لاسباب اقتصادية، كما هو شائع الاستنكار اليوم لما كانت عليه المذابح الرومانية والمحارق ومنصبة التعذيب والدولاب. أليس خير البرّ عاجله؟
* كاتب ومفكر، من مؤلفاته: Les Ennemis de la terre, Exils, Paris, 1999 وايضا Les Poules préfèrent les cages, Albin Michel, Paris, 2000
[1] بلوتارك (49-125)، مؤلف سير واخلاقي يوناني، من مؤلفاته: "حيوات متوازية".
|