
جدران وحدود > آب/اغسطس > 2001رامون شاوفكرة الحدود والامم تافهة يعتبر خورخي لويس بورخس من اكبر كتاب القرن العشرين. توفي سنة 1986 عن 87 عاما وكان يتميز بثقافة مذهلة وسعة علم خارقة. كان مصابا بالعمى ولم يكتب ابدا رواية بل اكتفى بالحكايات والقصص القصيرة وهي انواع ادبية ما زال يصنف المعلم الاول فيها. خلق بعض اكبر الاساطير الادبية المعاصرة مثل "مكتبة بابل". فمن خلال لعبة المرايا الغرائبية والالغاز المذهلة والاسفار الخيالية، داخل متاهات الذاكرة والزمن الباعثة على القلق، تطال كتاباته السردية الساحرة مختلف جوانب التأمل الانساني. كان هذا المسافر الكبير بالرغم من فقدانه البصر غالبا ما يزور باريس حيث يفضل دائما الاقامة بصحبة رفيقته ماريا كوداما، في الفندق المشهور (L’Hotel) في شارع الفنون الجميلة (Rue des Beaux-Arts)، معقل دعاة التأنق (Dandysme) وحيث اقام لفترات طويلة بيار لوتي واوسكار وايلد الذي مات فيه فقيرا ومفلسا. في الظل الخفيف المخيم على احدى غرف هذا الفندق الاسطوري، حصل هذا اللقاء مع "ابو الهول" العجوز، الارجنتيني العالمي، خورخي لوبس بورخس، في نيسان/ابريل من العام 1978. · صباح الخير، سيد بورخس، أشكرك على استقبالك لي. ـ عمري 84 سنة واصدقائي ماتوا جميعهم. عندما افكر بهم اتخيلهم كاشباح. جميعنا اشباح، اليس كذلك؟ فقدت البصر عام 1955 وما عدت أقرأ الصحف كما لا تسنح لي الفرصة كثيرا للتحدث مع الناس. لذا عندما تجرى معي مقابلة، ابادر الى شكر محدثي لكني احذره دائما من اني أبالغ في الآراء الجازمة الى حد الازعاج احيانا. ربما تكون ردة فعل على خجلي لاني لست متأكدا قط مما اقوله. فعندما أجزم بأمر ما، أكون في صدد اقتراح مجرد احتمال. أقترح اذن قبل ان نبدأ، اصدار بعض تعابير الشك مثل "من الممكن" و"على الارجح" او "ليس مستحيلا ان…" الخ، على ان يضعها القارىء حيث يجدها مناسبة. · هل يمكنك ان تلبس وجها للصوت الذي تسمعه؟ ـ كلا، لا احتاج لذلك. كان احد المفكرين الانكليز يقول ان في الامكان التعبير عن كل الافكار والمشاعر بواسطة الكلام. كنت اتمنى لو بقيت لي القدرة على البصر لكن الصوت يعبّر عن الشخصية الى درجة ان عدم رؤيتي لك ليست بالمشكلة الكبيرة. هناك تجانس بين الاشخاص يصعب تفسيره. علاقتي بالاشياء اكثر صعوبة لان الاشياء لا تتكلم. أكتفي بملامستها. كان يجب ان أصير نحاتا. بالطبع أفضل ان اراك لكن عليّ البحث عن حجج لكي أتحمل العمى، أليس كذلك؟ والا اروح اشفق على نفسي وهذا كريه. كان برنارد شو يقول ان الشفقة تؤدي الى انحطاط من يشفق ومن يشفق عليه. · هل ترجع هذه الصلابة الى وضعك الشخصي ام الى ميراث من اجدادك؟ انت تتحدر من عائلة عسكريين، بالغي الشجاعة طبعا. ـ جدي الجنرال بورخس مات عام 1874 خلال معركة ضد الهنود. قضي على طليعة قواته فبقي وحده ممتطيا حصانه الابيض، فتقدم مسرعا نحو العدو الذي درزه بالرصاص. لا يعني ذلك الافتراض بأن كل عسكري شجاع. فالشخص الذي يمضي حياته متنقلا من ثكنة الى ثكنة للحصول على ترقية وهو يدرس الخطط لا يحتاج لان يكون شجاعا. وبالطبع انه ليس مؤهلا لممارسة الحكم. ان فكرة الامر والطاعة نابعة من عقلية طفولية وهذا ما يفسر كون الحكام المستبدين اناسا غير ناضجين. · غريب، رغم سلالة الحروب والعنف التي تتحدر منها فانك شخص مسالم، تكره العنف وتدخل الادوات الشرطية الى كل ما تقوله. ألهذا السبب تطلق مكبوتاتك في مؤلفاتك المليئة بالجرائم والمبارزات والخيانة؟ ـ لم افكر في الامر ابدا. من المحتمل ان اكون في شكل من الاشكال ذاكرة اسلافي. يحاولون ربما ان يمحوا من خلالي حياة الحروب والعنف التي عاشوها. · متى قررت ان تصبح كاتبا؟ ـ من الاساس. كنت في الثالثة او الرابعة من عمري عندما بدأت بالكتابة. اطلعني والدي، عالم النفس الفوضوي، على قيمة الشعر. على كون الكلمات ليست محض ادوات اتصال بل اصواتا موسيقية، ساحرة ومعقدة. كنت صرت في الرابعة والعشرين، ونصحني بمتابعة المطالعة وان لا اعمد الى الكتابة الا متى شعرت بالحاجة الفعلية الى ذلك. وخصوصا ان لا استعجل النشر. هو نفسه كتب رواية لم ينشرها ابدا. في العمق صرت كاتبا لان تلك كانت نزعة ابي ولم ينجح فيها. اتبعت جميع نصائحه. اقول ذلك بشيء من الحنين لان العمى منعني من المطالعة منذ 1955. حدث لي في ذلك العام امران رئيسيان في حياتي: عيّنت مديرا للمكتبة الوطنية في بيونس آيرس وفي الوقت نفسه تقريبا صرت أعمى. ثمة 200 ألف كتاب في متناول يدي… دون ان اتمكن من قراءتها. · لقد حققت نزعة والدك ولكن ليس بالكامل. كان والدك على خطأ وتعترف انت بذلك عندما تكتب في مقدمة FICTIONS ("قصص خيالية") ان من العبث تكريس 500 صفحة لما يمكن اختصاره بعشرين او ثلاثين. ـ في الواقع لم أقرأ الكثير من الروايات… قرأت كونراد، ديكنز، دوستويفسكي، ملفيل… ودون كيشوت مثل سائر الناس. فمن غير المنطقي ان احاول كتابة الروايات اذا لم اكن قارئا لها. · الحياة مليئة بالمفارقات. لقد منحت جائزة سرفانتس وانت لا تحب لغته، الاسبانية. ـ لم أقل ذلك قط! قد اكون قلت ان الفرنسية لغة جميلة جدا وفيها صياغات لا توجد في لغة اخرى مثل الـ y في J’y suis , j’y reste او الـ en في Nous en reparlerons. لكن لدينا في الاسبانية افعال مثل ser و estar لا توجد في أي لغة اخرى وهي تميز بين الميتافيزيقي والمحتمل. لدينا ايضا حركية نحسد عليها في النعوت وبناء اكثر ليونة للجملة من غيرنا. لدى الاسبان ما يفخرون به في لغتهم، لكنهم لا يعرفون التكلم بها. يلفظونها كأنها لغة أجنبية. · اذا، من اين جاءت الفكرة الشائعة جدا انك لا ترتاح بالاسبانية؟ ـ اود ان أحاسب على ما أكتب وليس على ما قد اكون صرحت به، او ما نسب اليّ. لاني لا اجرؤ بسبب خجلي على معارضة محدثي. في المقابل عندما نكتب نصحح كتابتنا الى ما لا نهاية. في الواقع استخرج هذا الرأي من حوار اجريته مع بابلو نيرودا في المرة الوحيدة التي التقينا فيها. طوال ساعتين تسلينا بلعبة الادهاش المتبادل. قال لي: "لا يمكن الكتابة بالاسبانية" فاجبته: "انت محق لذلك لم يكتب احد قط بهذه اللغة". فاقترح عند ذاك: "لماذا لا نكتب بالانكليزية او الفرنسية؟" "طيب، لكن هل نحن متأكدون اننا جديرون بالكتابة بهذه اللغات؟" عند ذاك قررنا ان علينا الانصياع للاستمرار بالاسبانية. · غريبة هذه المحادثة بين شخصين لم يكونا متفاهمين. ـ كتب قصيدة ضد طغاة اميركا اللاتينية وخصص بعض المقاطع للولايات المتحدة ولم يأت على ذكر بيرون. اعتبر انه مفعم بسخط الرجل الشهم لكنه كان في الواقع منشغلاً بدعوى قضائية في الارجنتين ولم يشأ اغاظة حكومة بلدي. كان متزوجاً من امرأة ارجنتينية ويعرف تماماً ماذا كان يحدث هنا، اليس كذلك؟ لكنه لم يرغب في ان تعرضه القصيدة للاساءة. عندما ذهبت الى تشيلي اختفى عن الانظار كي لا نلتقي وحسناً فعل. اراد الناس رؤيتنا نختلف. هو كان شاعراً شيوعياً تشيلياً وانا شاعراً محافظاً ارجنتينياً، كنت ضد الشيوعيين. · ماذا تأخذ على الشيوعيين؟ ـ لا يمكنني الموافقة على نظرية تدعو الى سيطرة الدولة على الفرد. لكن كل ما اخبرتك به لا علاقة له بقيمة اشعار نيرودا. عندما منحت جائزة نوبل الى ميغيل انخيل استورياس عام 1967 سارعت الى القول ان نيرودا هو الذي يستحقها. على كل حال حصل عليها في نهاية الامر عام 1971. لا يبدو لي انه من العدل محاسبة الكاتب على افكاره السياسية، فاذا كان صحيحاً ان روديارد كيبلينغ دافع عن الامبراطورية البريطانية فيجب الاقرار ايضاً بأنه كان كاتباً كبيراً. · تجاهلت انت ايضاً لفترة من الزمن جرائم العسكريين في بلدك. ـ التفسير بسيط ولو اني اوضحته سابقاً. عندما يتهور شخص مثلي في تجاوز الثمانين من العمر، فانه يعيش وحيداً الى حد ما. وكما تعرف فاني لا اقرأ الصحف واعاشر القليل من الاشخاص. كنت قد سمعت كلاماً عن اناس "اختفوا". وقد اكد لي اصدقائي عن نية صادقة كما اعتقد بان المقصود انهم محض سياح بدلوا اماكن اقامتهم لكن لم يحصل "اختفاء" لاحد. صدقتهم الى أن زارني وفد من امهات "ساحة مايو" وجدّاتها. وكانت بينهن ابنة عم اصحاب "لابرنزا"، احدى ابرز الصحف في الارجنتين. ادركت بسرعة ان المرأة لا تمثل دوراً. قالت لي ان ابنتها "اختفت" منذ ستة اعوام. كانت تريد معرفة الحقيقة حتى ولو ان ابنتها ماتت. توجهت الى الوزراء، الى مدير الشرطة، الى الفاتيكان وحصلت دائماً على الجواب نفسه: "ستعود اليك بعد ستة اشهر". لم نرها قط. العسكريون الارجنتينيون كانوا مجانين تماماً. · مثل عبارة "اختفاء". ـ الواقع اكثر فظاعة. لقد احتجزوا وعذبوا واغتيلوا. انه فيلم خاتمته سيئة جداً. · قبل ان تفقد بصرك كنت ناقداً سينمائياً. هل تأسف على ذاك الوقت؟ ـ ليس كثيراً لان السينما لم تعد صامتة. · هل كانت افضل؟ ـ بالطبع! ثم جاءت السينما بالالوان. مصيبة اخرى. · أي فيلم تتذكر؟ ـ فيلم من اخراج جوزف فون سترنبرغ حول عصابات شيكاغو [1] . كان هذا فيلماً ملحمياً. بعد ايام قليلة قدم كارلوس غاردل حفلة غنائية في صالة السينما نفسها فلم اذهب الى حضورها لاني خفت ان افقد الانطباع الذي خلّفه لديّ الفيلم. هكذا فوتت عليّ سماع كارلوس غاردل. · هل يجسد كارلوس غاردل في نظرك ما يسمّى ابهة الروح الارجنتينية؟ ـ لقد تعرضت الروح الارجنتينية مراراً للتحوير والافساد. خصوصاً على يد ديكتاتورية الجنرال بيرون البغيضة. لم اكن يوماً بيروني الهوى. البلد تغيّر كثيراً. نعيش الان مرحلة نقاهة ونقوم بنسيان هذه السنوات التي يعتبرها العالم سخيفة على الارجح ولكنها كانت بالنسبة الينا فظيعة وجهنيمة [2] . · في مطلق الاحوال ما زال غارديل احد رموز الارجنتين. الا تعتقد ان غناءه تحسن؟ ـ في طفولتي كان الرجال يرقصون التانغو في ما بينهم. ليس النساء، لان الكلمات كانت ماجنة. كانوا يغنون بصوت خفيض وغير مفهوم عمداً. خصوصاً اذا كانت تحكي عن جرائم دموية. كانوا يتميزون بالحياء الخاص بالارجنتينيين. حتى ظهور الفرنسي كارلوس غاردل. وكان اكتشافه الكبير، اضافة الى صوته الرخيم، انه اعطى التانغو طابعاً مأسوياً. اذكر اني كنت في الولايات المتحدة مع والدتي واستمعنا الى اغنية تانغو. لم يعجبنا التانغو لكن بعد قليل كنا نذرف الدموع. · لو كنت اصم ما كنت لتتذوق التانغو ولا الميلونغا. ـ كنت اود ان اكون موسيقياً لكني لست سوى اديب. ربما يعود احباطي الى صممي الموسيقي. لا افهم شيئاً في الموسيقى، باستثناء الغيتار الذي احبه. الرعاة لا يعزفون جيدأً على الغيتار بشكل عام لكنهم قادرون على تمضية ساعات في دوزنته مما يعطي نوعاً من الموسيقى البدائية. · في المقابل انت شغوف بعلم السلالات، اليس كذلك؟ ـ انها بالنسبة لي نوع من الادب. لدى الانكليز قول مأثور جميل: "الولد العالم هو من يعرف من هو ابيه". والاكثر علماً هو من يعرف اصول اسلافه، اليس كذلك؟ · حدثتني عن والدك، ماذا عن والدتك؟ ـ كانت انكليزية وكنت اتكلم الانكليزية معها. كنت صغيراً لما اخذوني الى سويسرا حيث كنت اتكلم الفرنسية مع المدرّسة وتعلمت اللاتينية على يد احد الاساتذة. مع والدي، تكلمت الاسبانية وكتبت فيها. هكذا اعتقدت لفترة ان لكل شخص لغته. غريب، مئات ملايين اللغات. لكن قد يكون ذلك صحيحاً ولذلك لا نتفاهم مع بعضنا. · هل كنت تكتب مثل والدك ام هو يكتب مثلك؟ ـ كان اسلوبي باروكي مثله. في البداية نقلد المعلمين عن تواضع او عن طموح. اعتقد ان الكاتب يهتدي الى اسلوبه بعد مرور سنوات. في صباي كنت اقلد والدي، ابحث عن كلمات قديمة، غير متوقعة. الان صرت اتفادى الاستعارات والكلمات النادرة وكل ما يؤدي الى الاستعانة بالقاموس. احاول بلوغ الجوهر المشترك للغة، فيما يتجاوز الحدود الزمنية او الجغرافية. · هل تعتقد انك توصلت لان تكون "بورخس" بعدما صار لك "نتاجك". ـ ما تقوله مؤثر جداً لكن ارجوك ان تضع كلمة نتاج بين مزدوجين. ليس لديّ نتاج بل شذرات. لا اعرف لماذا اصبت الشهرة. اعتقدت في البداية اني لن انشر ابداً ومن ثم اني خرافة ارجنتينية لكن عليّ الان القبول بأني لست دجالاً: منحت وسام جوقة الشرف في فرنسا وشهادات دكتوراه فخرية من جامعات عدة … لكن ما كان يفضله بورخس هو ان يمتدح بسبب ما لم يكتبه اكثر من الذي كتبه. أي لما محاه وما زال موجوداً بين السطور. يمكن القيام بذلك بفضل سرفانتس والادبين الفرنسي والانكليزي لان الاسبانية طنانة جداً. ما زلت اذكر جملة قالها بوالو: "لقد علمت موليير فنّ صياغة ابيات شعر بسيطة بصعوبة". قلائل هم الكتاب الذين بلغوا الكمال في نظري، باستثناء كيبلينغ في قصصه القصيرة. ليس فيها كلمة واحدة زائدة. احاول بكل تواضع التعلم منه. البساطة والتعقيد معاً. بالطبع هناك بعض الموضوعات تتطلب الرواية مثل غزو نابوليون لروسيا. لكني لا افكر في كتابة الروايات. · وخصوصاً انك لن تبدأ بقراءة تولستوي. ـ كنت بدأت في قراءة "الحرب والسلم" لكني توقفت عندما بدأت الشخصيات تفقد من كثافتها. يقول جورج مور ان تولستوي قدّم وصفاً دقيقاً لهيئة محلفين الى درجة انه عند الوصول الى العضو الرابع لم يعد يتذكر صفات الاول. منذ ربع قرن ما عدت ارى وهناك من يقرأ لي وانا افضل القراءات المتكررة. في حال الكتابة اكتفي باملاء ما اريده. في الرابعة والثمانين ما زال لدي العديد من المشاريع. · آخر مرة جئت فيها لزيارتك مع ايغناسيو رامونه، كنت مشغوفاً بعلم الاشتقاق. ـ وما زلت. اصل الكلمات يذهب الى ابعد من اصل الاجيال. لاحظ الكلمة الساكسونية Bleich التي تعني "دون لون" كيف تطورت في اتجاهين مختلفين، نحو الابيض (Blanco) بالاسبانية ونحو الاسود بالانكليزية ( Black). هل تعرف من اين تأتي كلمة "جاز"؟ من الانكليزي الخلاسي في اورليان الجديدة حيث كان فعل To jazz يعني ممارسة الحب ولكن بسرعة وتشنج كما توحيه هذه الكلمة الصوتية. علمت لتوي ان كلمة Cosmétique (مستحضرات التجميل) مشتقة من اليونانية: ترتيب العالم. تجميل الوجه كأنه الكون. غريب، اليس كذلك؟ · اخبرني البروفسور باسكواله الان ان تسمية "الكاناري" للجزر لا تعني انها كانت مليئة بالعصافير. بل سمّاها كذلك في القرن الاول احد ملوك موريتانيا لانه رأى فيها الكثير من الكلاب (canes) الضخمة. ـ يا لخيبة الامل! لكنك علمتني شيئاً جديداً. صديقك رامونه شرح لي ذلك اليوم اصل كلمة "غابون" المشتقة من gabao البرتغالية والتي تعني "المعطف". · ذاكرتك قوية يا بورخس. تقريباً مثل ذاكرة فونس، احد ابطال قصصك القصيرة. ـ لا، لا، فونس مات تحت وطأة ذاكرته. تلك القصة استعارة حول الارق. · لذلك تثير فينا هذا القلق كله. ـ نعم، رهيب عدم النوم. عانيت منه طوال عام في بيونس آيرس. كنا في الصيف والليالي طويلة والبعوض يئزّ… كأن عدواً شيطانياً يعاقبني. · وليس الله. من الواضح انك لاأدري ان لم نقل ثنائيا. هل هذا ايضاً بتأثير من والدك ام هل تلقيت تربية دينية؟ ـ تربية دينية، مثل الجميع. لكن ليس لامد طويل. اكتشفت بسرعة وانا اقرأ اليونانيين القدماء ان هناك العديد من الالهة. لماذا اله واحد؟ وكيف نتأكد انه الافضل؟ ما كنت لاسامحه اذا كان مسؤولاً عن حياتي. واي دين هذا الذي يملك المصارف والشرطة والمخابرات السرية؟ يوحنا بولس الثاني رجل سياسي كالآخرين. تعوّد على تقبيل الارض. طيب، الامر ليس خطيراً. لكن المسيح قال: "مملكتي ليست من هذا العالم" والبابا يتداول مع المسؤولين الكبار في العالم. كان ابي يقول ان كل شيْ ممكن في هذا العالم، حتى الثالوث الاقدس. كيف الايمان بهذا المسخ اللاهوتي. اللاهوت اغنى من الادب الغرائبي: ثلاثة كائنات من بينهم حمامة في اله واحد… هذا ما يتجاوز كوابيس ه.ج. ويلز وكافكا. في المقابل انا معجب بالتوراة. يا لها من فكرة ان تجمع في كتاب واحد بين اربعة نصوص لاربعة مؤلفين مختلفين وأن تنسبها الى الروح القدس! في المحصلة، كان يمكن ان اكون... من اتباع الميتودية مثل بعض اسلافي، ولكن ليس كاثوليكياً. ينتمي كاثوليك بلادي الى صنف يزعجني. يعتقدون ان الارجنتين بلد اساسي في حين نعرف جميعنا انه بلد حديث العهد لا يمكن فهم تاريخه دون العودة الى اسبانيا. · هل ما زلت مهتماً بالخلافات اللاهوتية؟ لم يطرأ جديد فعلي منذ آباء الكنيسة. ـ اليوم اهمل اللاهوت لكنه لا ينضب، مثل الروايات السوداء. واي انتهاك للمحرمات هو هذا البحث عن الله كأنه مجرد قاتل. يقال لنا ان الله كلي القوة ومفعم بالطيبة لكن يكفي سماع ازيز بعوضة حتى يساورنا الشك في ذلك. الناس لا يتحدثون الا بالسياسة والرياضة. موضوعان تافهان يخلقان شعوراً قومياً. منذ فترة ليست بعيدة نظمت الحكومة الارجنتينية دورة في كرة القدم. غير معقول من الحكومة، اليس كذلك؟ ونهض رئيس الدولة واقفاً وصرخ "غووول!" كيف يمكن الوصول الى هذا الحدّ من السخف؟ الصحف، الناس جميعاً يصرخون "هزمنا هولندا!" كان يكفي ان يفوز 11 شاباً ارجنتينياً بلباس الشورت على 11 شاباً هولندياً كي نهزم هولندا… · سافرت كثيراً في الآونة الاخيرة. ـ في شبابي لم اكن احب السفر. الان صرت عجوزاً واعمى فلا اتوقف عن السفر. اود التعرف الى الشرق الذي اختصره بمصر والاندلس. وايضاً الهند التي اعرفها بفضل كيبلينغ. وتلقيت دعوة لزيارة اليابان واتي اتوق الى تلبيتها. ستقول أني لن اتمكن من الحكم على هذا البلد كوني اعمى. لا اعتقد ذلك فبمجرد ان اقول "ها انا في اليابان" يمثل غنى بالنسبة اليّ. لا استطيع رؤية البلدان لكني ادركها من خلال اشارات لا اعرفها. هذا ليس بالامر الغريب لانه يحدث يومياً. الآن، اشعر بصداقتك، ليس من خلال ما تقوله لي. انه أمر لا يمكن التعبير عنه. لماذا يغرم المرء؟ لا يغرم بسبب ما يراه او ما يسمعه بل بسبب اشارات خفية تنبعث من الآخر. طيّب، عندما نتحدث مع شخص آخر، نشعر اذا كان يحبنا او اذا كان لامباليا حيالنا. نشعر بذلك على هامش الكلمات التي تكون عادة سخيفة. · هل انت قادر على الشعور بالمنظر؟ هل تدركه ايضا من خلال ذبذبات الاصوات؟ ـ ما اتخيّله قد ينطوي على خطأ في الزمن اذ يمكن ان استدل من خلال انطباعات بقيت لي من الفترة التي كنت فيها بصيرا. الآن استطيع اذا ما أغمضت عينا واحدة ان أحزر بعض الالوان، خصوصا الاخضر والازرق. لم يتركني الاصفر قط. في المقابل خسرت الاسود. أفتقد العتمة. غريب، أليس كذلك؟ أعمى محروم من الظلمة. حتى عندما انام اجد نفسي في سديم مائل الى الاخضر او الازرق. · انك تؤكد بهذه الرحلات فكرة الكوسموبوليتية المعروفة عنك. ـ فكرة الحدود والامم هذه تبدو لي تافهة. الامر الوحيد الذي يمكنه انقاذنا هو ان نكون مواطنين في العالم. سأخبرك طرفة شخصية. في صغري رافقت والدي الى مونتفيديو. كنت في التاسعة من عمري على ما اعتقد. فقال لي والدي: "انظر جيداً الى الاعلام والجمارك والعسكريين والكهنة لان ذلك كله سوف يزول ويمكنك ان تخبر اولادك انك شاهدتهم". ما يحدث هو العكس، فاليوم هناك حدود واعلام اكثر من أي وقت مضى. · لكن الكهنة على تناقص. ـ ما ادرانا! لقد تخفّوا الان. وبما ان والدي كان نباتياً، دلّني ايضاً على ملحمة لكي اتمكن من ان اقول لاحقاً "حتى اني رأيت دكاناً يبيع اللحم". يمكن ان والدي كان على حق، انها على الارجح نبؤة مبكرة يلزمها بضعة قرون لكي تتحقق. · تأخرنا على رؤيتها تتحقق. تنصح الكتابات المقدسة بالانسحاب من الحياة في عمر السبعين. ـ اني ابالغ بعض الشيء، اليس كذلك؟ · لم اقصد ذلك يا بورخس. ـ انتظر موتي بفارغ الصبر لكن الموت كان دائماً رهيباً في عائلتنا. توفيت جدتي في التاسعة والتسعين في حالة يأس. لا اخشى الموت بل التداعي. مع وفاتي تزول سلالة وهذا مؤلم لعاشق السلالات مثلي. · لا تقلق كثيراً. فلن تترك ورثة. ـ انك تطمئنني ويمكنني تاليا انتظار الموت بهدؤ. · مسألة فيها نظر. كتبت او قلت: "الابدية تتربص بي". ـ الابدية الشخصية كما الموت الشخصي لا يمكن تصديقهما. اعتقد اني حاولت تقليد بيت شعر لفرلين: "وكل الباقي ليس سوى ادب". انتبه، لست مسؤولاً لا عما يمكن ان اكون قلته ولا عما اقوله الان. فالاشياء تتغير باستمرار ونحن ايضاً. لن اكرر عليك جملة هيرقليط الشهيرة حول النهر المتغيـر بل بيت شعـر لبوالو: "اللحظة التي اكلمـك فيـها باتت بعيدة". * لكن يحدث لك ان تسخر من الموت. او من العمر المديد، "عادة سيئة يصعب التخلص منها". ـ لست انا من يقول ذلك بل الحكمة الشعبية: "لا شيء مثل الموت لجعل الناس في حال افضل. الموت عادة مشتركة بين الجميع". · كأنه كلام بورخس. هل بورخس هذا يخاف الموت؟ ـ لا، مثل ابي، اتأمل ان اموت كلياً، الروح والجسد. العديد من المؤمنين الذين اعرفهم مرعوبون. البعض يأمل في الذهاب الى الجنة والبعض الآخر يخشى جهنم. في المقابل وبالنسبة الى شخص لا أدريّ مثلي لا يؤمن بهذه الحكايات، فانا لا اعتقد اني استحق الثواب ولا العقاب. لا يبقى لي سوى الانتظار. · يمكنني ان اعطيك عنوان "الجمعية من اجل الحق في الموت بكرامة" التي انتمي اليها. ـ ان انتحر؟ كما قال لوغونيس: "كما كنت سيد حياتي، اريد ان اكون ايضاً سيد موتي" وانتحر. خطرت الفكرة على بالي عندما كنت في احوال تعيسة اكثر من العادة. وايضاً لا اعرف ماذا يحدث عندما نفقد الحياة بعدما فقدنا البصر، اليس كذلك؟ ثم قلت في نفسي ان فكرة الانتحار وحدها تكفي. الان صرت عجوزاً واقول لقد فات الاوان. الموت يمكن ان يأتي في أي لحظة. لكن ما زالت لديّ كوابيس ومشاريع تتطلب ثلاثة اعوام اضافية…
[1] انه فيلم Underworld ، 1927. [2] بين 1976 و1983، عاشت الارجنتين في ظل نظام ديكتاتورية عسكرية قاسية. وقد "اختفى" حوالى 30 الف شخص اغتيلوا على يد العسكريين.
|