الافتتاحية > فبراير/ شباط > 2002

إنياسيو رامونه

برلوسكوني

ان اكثر اشكال "الاقناع السري" قساوة هي تلك لتي تمارسها علينا بكل بساطة "طبيعة الاشياء" بيار بورديو

في ايطاليا ادت "طبيعة الاشياء" الى اقناع غالبية الناخبين في طريقة غير مرئية بأن زمن الاحزاب التقليدية قد بلغ نهايته. وقد ترسخ هذا الاقتناع في خلاصة مفادها ان النظام السياسي يعاني منذ الثمانينات انحلالا متسارعا. ويتحدث البعض عن "الغنغرينة" او "التعفن". فالفساد انتشر في شكل واسع وفي نسب مرعبة. نظام الرشاوى كلف البلد اكثر من 75 مليار يورو... وقد شجع التمويل السري للاحزاب الثراء الشخصي لدى القيادات السياسية الرئيسية وخصوصا في اوساط الاشتراكيين والديموقراطيين المسيحيين. ويؤكد اندرو مونتانيللي: "يمكن من في عينيه نظر ان يدرك الى اي حد كان مستوى معيشة المسؤولين الكبار يتناقض مع تصريحاتهم عن مداخيلهم" [1] .

منذ 1992 تمكنت عملية "الايادي النظيفة" والقاضي انطونيو دي بييترو من كشف سلسلة من الفضائح، فاتهم بالاثراء غير المشروع رئيس الحكومة السابق ورئيس الحزب الاشتراكي بتينو كراكسي الذي استقال في جو من الفوضى بعدما كاد يتعرض للضرب من جمهور حانق اشبعه شتائم... بدوره السيد جوليو اندريوتي، رئيس الوزراء السابق هو ايضا والمسؤول الرئيسي في حزب الديموقراطيين المسيحيين، دين وتعرض للاهانة بعدما اتهم بالتآمر مع المافيا والتواطؤ في عملية قتل..

وقد ادى سقوط هذين العملاقين الى جنوح النظام السياسي باكمله، اذ شهدت ايطاليا خلال اشهر معدودة افتضاح امر مئات النواب والشيوخ والوزراء السابقين وكشف تورطهم في الفضائح وملاحقتهم امام القضاة وتحقيرهم بواسطة وسائل الاعلام... اتهمت الطبقة السياسية بكل انواع المساوئ فباتت من دون رأس بعدما فقدت صدقيتها في نظر الرأي العام، وقد كتب اريك جوزف: "بلغ الفراغ حداً والهلع مستوى خشي فيه البعض صراحة حصول انقلاب عسكري" [2] .

وسط هذا الانهيار الكبير لم يلجأ السيد سيلفيو برلوسكوني المتحالف مع الفاشيين الجدد في "التحالف الوطني" ودعاة العداء للاجانب في "رابطة الشمال"، لم يلجأ الى الانقلاب العسكري بل الى نوع من التخدير التلفزيوني الجماعي ليفوز للمرة الاولى في الانتخابات ويصبح رئيسا للوزراء من ايار/مايو الى كانون الاول/ديسمبر 1994. لكن تجربة الحكم هذه كانت فاشلة ولو انها لم تصب السيد برلوسكوني بالاحباط وهو المتهم شخصيا بالاتجار وبالصفقات المشبوهة والتلاعب، فتمكن من لعب اوراقه الرابحة من جديد وعاد الى رئاسة الوزراء في ايار/مايو من العام 2000.

اي اوراق رابحة؟ اولا ما تمده به ثروته الطائلة وهي الرابعة عشرة في العالم والاولى في ايطاليا [3] . ثروة قامت انطلاقا من الصفر، بفضل الحماية التي أمّنها له في البداية صديقه الاشتراكي بتينو كراكسي. فنجح من طريق التلاعب في مجال العقارات اولا ثم في التوزيع بالجملة والمتاجر الكبرى وفي التأمين والدعاية وصولا الى السينما والتلفزيون. فتحول مع مجموعة برتلسمان وكل من روبرت مردوخ وليو كيرش وجان ماري ميسيه الى واحد من اباطرة وسائل الاعلام في اوروبا.

استغل السيد برلوسكوني ثروته الهائلة والقوة الكبرى التي تمنحه اياها شبكاته التلفزيونية على مستوى العنف الرمزي [4] لكي يبرهن معادلة بسيطة في زمن العولمة: ان امتلاك السلطة الاقتصادية والاعلامية يؤدي في صورة شبه تلقائية الى امتلاك السلطة السياسية [5] . لا بل ان هذا الامتلاك حصل بصورة ظافرة اذ نال حزبه "فورسا ايطاليا" في 13 ايار/مايو 2001 نسبة 30 في المئة من الاصوات في الانتخابات التشريعية ليصبح هكذا اول حزب سياسي في ايطاليا.

لا رادع يردع هذا الديماغوجي الشعبوي الذي لم يتردد في التحالف مع الفاشي السابق جيانفرانكو فيني والعنصري امبرتو بوسي. يشكل هؤلاء الرجال اكثر ثلاثية مثيرة للسخرية والتقزز في اوروبا، الى درجة ان احدى المجلات الاسبوعية البريطانية اعتبرت في معرض استعادتها للاتهامات القضائية الموجهة الى السيد برلوسكوني قبل هذه الانتخابات ان مسؤولا من هذا النوع "ليس جديرا بحكم ايطاليا" وانه يمثل "خطرا على الديموقراطية" وعلى "دولة القانون" [6] .

وقد تبينت صحة هذه التوقعات المتشائمة، فبعد الانهيار المثير للشفقة للاحزاب التقليدية، شهد المجتمع الايطالي المعروف بثقافته ومن دون ان يبدي حراكا ( باستثناء قطاع السينما الذي لجأ الى المقاومة) التدهور الراهن لنظام سياسي يعاني المزيد من الغموض والشطط والسخف والخطورة. فمن خلال اسلوب كلام معسول ومخادع وبفضل احتكاره التلفزيوني، ينشىء السيد برلوسكوني ما يسمّيه داريو فو "الفاشية الجديدة" [7] . وكل المسألة تكمن في معرفة الى اي مدى يمكن هذا النموذج الايطالي المثير للقلق ان ينتشر غداً في بلدان اوروبية اخرى...


[1] Eric Joszef, Main basse sur l’Italie, La resistible ascension de Silvio Berlusconi, Grasset, Paris, 2001,p.37.

[2] المرجع السابق، ص. 41

[3] تقدر مجلة "فوربس" الاميركية ثروة السيد برلوسكوني بـ 14،5 مليار يورو.

[4] "ان العنف الرمزي هو هذا الشكل من العنف الذي يمارس على عامل اجتماعي بالتواطؤ معه" (بيار بورديو، من كتاب Réponses, Seuil, Paris, 1992, p. 142.

[5] قدم السيد مايكل بلومبرغ برهانا مماثلا عندما انفق هذا الملياردير الاميركي وصاحب القناة الفضائية الكونية الاقتصادية المتواصلة، بلومبرغ تي. في.، اكثر من 77،5 مليون يورو في حملته الانتخابية وتمكن من تحقيق حلمه بان يصبح رئيسا لبلدية نيويورك في اول كانون الاول/ديسمبر 2001...

[6] The Economist, Londres, 28 avril 2001.

[7] Dario Fo, " Le nouvune grave crise internationale. "

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان