
مقالات > فبراير/ شباط > 2002يوسي بيلين"نعم، يوجد شريك لاسرائيل من اجل السلام" منذ بداية الانتفاضة الثانية في ايلول/سبتمبر 2000 تطرح اسئلة عديدة: هل ما زال هناك شريك للسلام مع اسرائيل؟ هل احسنت اسرائيل صنعا في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 والموافقة في العام 1994 على اقامة السيد ياسر عرفات في الاراضي المحتلة على رأس سلطة فلسطينية تأتمر بأمرتها قوات من الشرطة تعد بعشرات الالوف؟ كثيرة الاصوات التي تجيب بالنفي عن هذه التساؤلات وهي تصدر بالطبع من صفوف اليمين الذي لم يؤمن يوما بمسار اوسلو، وكذلك من اوساط يسارية. واول هذه الاصوات اليسارية هو رئيس الوزراء السابق ايهود باراك الذي قرر أن يحمّل الفلسطينيين مسؤولية هزيمته النكراء في انتخابات 2001. وبعدما قام باراك بجهود حقيقية للتسوية مع سوريا والفلسطينيين وبعدما كان ينوي في حال فوزه في الانتخابات مواصلة المحادثات مع السيد عرفات تكملةً للمسار الذي انطلق في كامب ديفيد واستتبع بمقترحات للرئيس الاميركي بيل كلينتون في كانون الاول/ديسمبر 2000 وبالمحادثات التي اجريت في طابا في كانون الثاني/يناير 2001، بعد ذلك كله قرر ان رئيس السلطة الفلسطينية لم يعد يمثل شريكا للسلام. ولم يأت هذا التحول بسبب انطلاق الانتفاضة الثانية ولا نتيجة الصعوبات التي واجهت المحادثات السياسية بل بسبب هزيمته الخاصة في انتخابات شباط/فبراير 2001. هكذا تحول باراك الى أفضل شاهد لمصلحة اليمين وللمشكلة الشائكة في معسكر السلام. وهو الذي اوحى الخطأ الجسيم الذي ارتكبه حزب العمال اي المشاركة في حكومة السيد ارييل شارون. وقد تجاوز رئيس الوزراء الجديد عن يمينه عندما انتقده بسبب ارساله نجله ووزير الخارجية لمقابلة عرفات. فكون هذا الاخير ليس شريكا في السلام فلا مبرر للاتصال به على اي مستوى كان... وقد نتج من قرارات حكومة شارون التي لا تعتبر عرفات محاورا مناسبا وتنظر الى السلطة الفلسطينية على انها كيان يدعم الارهاب، ما فرض عمليا من اقامة جبرية للرئيس عرفات في رام الله ومنعه حتى من حضور احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم. فالزعيم الفلسطيني متهم بعدم اتخاذ قرار استراتيجي من اجل السلام مع اسرائيل ومن الافضل تالياً انتظار شريك فلسطيني جديد او حتى تسريع بروز مثل هذا الشريك. وسارع بعض المسؤولين الاجانب وخصوصا في الولايات المتحدة الى تبني هذه المقاربة بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر 2001. هم ايضا يعتبرون عرفات ونظامه فاسدين ومرتبطين بالعنف كما بالارهاب. فمن المفضل لاسرائيل التمسك بالخلاصة "الواقعية" التي لا يمكن بموجبها التوصل مع عرفات الى اتفاق سلام، والمطلوب البحث عن شريك آخر. ترتكب اسرائيل خطأ فادحا اذا تبنت مقاربة كهذه. فالقرار القائل بأن السيد عرفات ليس شريكا حقيقيا في السلام يمكن ان يقودها الى الكارثة وان يبعد فرص السلام والحياة الطبيعية لوقت طويل كما من شأنه التسبب بتدهور اضافي في حال الامن الداخلي وتفاقم للركود الاقتصادي الذي غرقت فيه اسرائيل نتيجة هذه الازمة. حاولت اسرائيل طوال 26 عاما البحث عن شريك في عملية السلام يدير شؤون الضفة وغزة. واليوم بعدما وجدت هذا الشريك من الافضل ان لا تتخلى عنه بهذه الخفة. كان العاهل الاردني الملك حسين هو المؤهل في صورة طبيعية للسيطرة على الضفة الغربية بعد حرب 1967 التي شنها ضد اسرائيل وهزم فيها شر هزيمة. وقد اقترحت عليه حكومات ليفي اشكول وغولدا مائير واسحق رابين المتعاقبة عقد اتفاق تتم بموجبه اعادة 70 في المئة من الضفة. لكن الملك لم يوافق الا على اتفاق قائم على انسحاب كامل للقوات الاسرائيلية من هذه المنطقة. وبعد مرور عشرين عاما اي في 31 تموز/يوليو 1988، اعلن في خطاب تاريخي انه يتخلى عن اي مطامع له في الضفة الغربية ويوافق على اقامة دولة فلسطينية فيها. خلال المفاوضات التي اجريت بين 1978 و1979 مع الرئيس المصري انور السادات حول مستقبل سيناء، اقترح السيد مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك، اعادة قطاع غزة الى مصر لكن السادات رفض هذا العرض السخي معلنا انه يتخلى عن القطاع للفلسطينيين. اجرت اسرائيل محاولات اخرى مع محاورين آخرين وكانت حتى آخر الستينات ومطلع السبعينات لا تزال تأمل في استعداد وجهاء محليين في الضفة الغربية للاضطلاع بدور وطني. لكن هؤلاء الوجهاء من امثال الشيخ الجعبري رئيس بلدية الخليل رفضوا العرض . في مطلع الثمانينات حاول ارييل شارون وكان وزيرا للدفاع في ذلك الوقت اقامة تنظيم فلسطيني مؤيد لاسرائيل تحت اسم روابط القرى بزعامة مصطفى دودين. وقد باءت العملية بالفشل التام اذ لم يبد اي طرف فلسطيني جدي استعداده للاعتراف بأي صفة تمثيلية لهذا التنظيم الذي انطفأ بعد وقت قصير. مع اقتراب مؤتمر مدريد عام 1991، أصرت حكومة اسحق شامير على تمثيل سكان الضفة وغزة داخل وفد اردني ـ فلسطيني مشترك في رئاسة الممثل الاردني. لكنه كان من الواضح بالنسبة الى الجميع ان هؤلاء الفلسطينيين كانوا على اتصال وثيق بقيادة منظمة التحرير في تونس وانهم كانوا يتلقون تعليماتهم من عرفات. في عبارة اخرى لم يكن اهالي الاراضي المحتلة مستعدين لتحمل مسؤولياتهم الوطنية. كان علينا انتظار مفاوضات اوسلو السرية في كانون الثاني/يناير 1993 لكي نتوجه اخيرا الى الطرف التمثيلي الحقيقي المستعد لتحمل مسؤولية الضفة والقطاع واقامة دولة الشعب الفلسطيني فيهما الى جانب دولة اسرائيل. ان العثور على "العنوان" المناسب في الجانب الفلسطيني والوصول الى اتفاق مع هذا الطرف يمثلان نجاحا مهماً لمسار اوسلو ويقدمان لنا فرصة حقيقية لوضع حد للنزاع الدائر في الشرق الاوسط. خلال السنوات التسع الاخيرة ارتكب الطرفان اخطاء جسيمة ولا يوجد احد فوق الشبهات في هذه القضية. فالطرفان لم يحترما تماما اتفاقية اوسلو. وقد انتابنا شعور بالمأزق لأن السيد عرفات لم يمنع انطلاق الانتفاضة الثانية ولما قامت به اسرائيل من ردة فعل مبالغ فيها. تمثل السلطة الفلسطينية مرحلة اولى مهمة على طريق بناء السلطة الفلسطينية لكنها تعاني مشكلات خطيرة وتمارس اخطاء في ادارة شؤونها يجدر التوقف عندها. وتطرح اسئلة جدية حول العلاقة بين السلطة والمنظمات المرتبطة بها والتي تلجأ الى استخدام القوة. وتغذي هذه الظواهر السلبية شروط من يفضلون في اسرائيل التوصل الى اتفاق مع شريك آخر. لكن هذا الموقف يمثل قرارا خطيرا وغير مسؤول. لقد قام عرفات بسلسلة من الخيارات الاستراتيجية بدءا من 1974 ووصولا الى اتفاقية اوسلو. ومن المضحك الاعتقاد انه اتخذ قرار الاعتراف بدولة اسرائيل مقابل مركز رئيس للبلدية في غزة او رام الله مضطر لاستجداء الاذن الاسرائيلي عند كل تحرك يقوم به، علما بأن هذا الاعتراف قد سمح لاسرائيل بتوقيع اتفاقية سلام مع الاردن عام 1994 واقامة علاقات اقتصادية وسياسية مع غالبية الدول الاعضاء في الجامعة العربية وفتح ممثليات لها في الخليج العربي وافريقيا الشمالية وتوسيع علاقاتها الديبلوماسية في العالم اجمع وتحسين وضعها الاقتصادي في شكل ملموس... لا، فان ما يريده الزعيم الفلسطيني هو التوصل الى اتفاق دائم مع اسرائيل يتيح له ان يصبح رئيسا لدولة فلسطينية عاصمتها القدس. ان عرفات زعيم يثير مشكلة. فماضيه لم يسمح له بالتحول الى المهاتما غاندي او الدالاي لاما لكن شارون ايضا ليس الام تيريزا. قد يسهل "شطبهما" من الخريطة السياسية وانتظار الجيل الجديد من المسؤولين لكن ذلك لن يؤدي الى تجميد الاوضاع بل الى تفاقم العنف واليأس والفقر. بعد سنوات سوف تمتلك ايران السلاح النووي ويمكن لنزاع الشرق الاوسط ان يمثل لها مبررا لاستخدامه. بعد سنوات سوف تكون غالبية الفلسطينيين مقيمة في الضفة الغربية لنهر الاردن واذا لم يتم في غضون ذلك ترسيم الحدود بين اسرائيل والدولة الفلسطينية فإن اسرائيل سوف تجد نفسها في وضع بالغ التعقيد. هناك حاجة حيوية لدى الطرفين لوجود شريك. فالشعبان مستعدان لصنع السلام ودفع الثمن المطلوب. وليس في مقدور اي منهما اختيار جاره او المسؤولين عند جاره. يمكن ان يبرز مكان عرفات مسؤول من صف الاسلام الاصولي لن يوافق على التفاوض مع اسرائيل او مسؤول معتدل لا يتمتع بسلطة عرفات من اجل التوصل الى اتفاق تاريخي وتقديم التنازلات المطلوبة. فالخيار الواقعي الوحيد امام كل طرف هو التوصل في اسرع وقت ممكن الى اتفاق مع الطرف الآخر.
* وزير العدل السابق في اسرائيل واحد المسؤولين عن محادثات اوسلو السرية. عضو في الكنيست الاسرائيلية وله مؤلفات عدة منها Le Manuel d’une colombe blessée (en hébreu), Yedioth Ahronoth Books, Tel-Aviv, 2001. وكذلك Touching Peace: from the Oslo accord to a Final Agreement, Weidenfeld and Nicholson, London, 1999.
|