مقالات > فبراير/ شباط > 2002

آن ـ سيسيل روبير

السنغال في انتظارالتغيير الكبير

إنها دكار في 16 كانون الأول/ديسمبر عام 2001، شيء من الحيوية يدب في شوارعها وتشتد الحركة في أسواقها. وعلى أرصفة العاصمة السنغالية الصاخبة هذه تتضاعف البسطات المرتجلة، من الجلديات الى أشرطة الفيديو والهواتف الخليوية والبهارات وأواني المطبخ... فغداً، إذا ما هل الهلال سيكون الفطر (الكوريتي)، العيد الكبير الذي يأتي حمداً لاتمام فريضة شهر رمضان. فبعد أربعة أسابيع من الصيام المنهك، يستعد السنغاليون، وهم من المسلمين بنسبة 92 في المئة، للاحتفال بالعيد على طريقتهم الخاصة.

ذلك مع أن الوضع الاجتماعي في السنغال كان قد تقهقر في شكل واضح خلال سنوات مما استدعى تصنيفها في تموز/يوليو عام 2000 بين البلدان الأقل تقدماً (PMA) [1] ، وهذا ما لا تحسد عليه. فهناك 65 في المئة من سكانها يعيشون تحت عتبة الفقر [2] ، كما تفشت ظاهرة التسول بصورة صارخة في الشوارع. أضف الى ذلك ان عملية توحيد النظام الضرائبي التي فرضها بدء العمل بالسوق المشتركة التي أنشاها الاتحاد الاقتصادي والمالي لغرب افريقيا [3] قد أدت الى ارتفاع مفاجئ في أسعار السلع الأساسية الضرورية. فعشية عيد الفطر هذا كانت أجواء العيد في سباق مع الكآبة.

وفي المناسبة تتبرع الصحافة بتقديم النصائح (مثلاً حول كيفية تبرير عدم التمكن من تقديم الهدية المرتقبة لأحد الأقارب) أو كي تذكّر ببعض المبادئ الأساسية المناسبة للحال السائدة ( الافراط في الانفاق مناقض لمفهوم الدين [4] ). لكن لا شيء يمكنه ان يمنع السنغاليين من الاحتفال بالعيد، وهذا ما اوضحته إحدى الشابات ضاحكة في سوق سانداغا الشعبي في وسط دكار حيث أتت برفقة صديقة لها لشراء قماش لخياطة فستان جديد: "أعيش من دون أي هم، كل يوم بيومه، وأياً تكن المشاكل، فيجب ان نعيش موسم الأعياد بالفرح. أما صحيفة "لو سولاي"(الشمس) المعلقة بملقط غسيل على بسطة أحد باعة الصحف فقد صدرت تحت عنوان: "العيد مهما كان الثمن".

فعلى مدى عشرين سنة تلقى المجتمع السنغالي العديد من الصدمات القوية، من تنفيذ مشروع الاصلاح البنيوي في أواخر الثمانينات الى مشروع الطوارئ (خطة التقشف) الذي جاء بعده، الى انخفاض قيمة الفرنك الافريقي في العام 1994 الى الهجرة الريفية المكثفة في الثمانينات والتسعينات [5] . وبحسب عالمي الاجتماع معمر كومبا ديوب ومامادو ضيوف، فقد تميزت هذه المرحلة "بالفقر المعمم وخصوصاً بالقلق في أوساط الشباب" [6] . وبين 175 دولة، احتلت البلاد المرتبة 160 وفقاً لترتيب النمو البشري الذي وضعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

وفي 19 آذار/مارس عام 2000 جاء إسقاط الرئيس الاشتراكي عبدو ضيوف في الانتخابات ليحيي أملاً كبيراً في التغيير [7] . وعلى هذا يعلق مودو، الطالب في الاقتصاد في جامعة شيخ انتا ديوب: "إن 19 آذار/مارس عام 2000 هو بالنسبة الينا بمثابة 10 إيار/مايو عام 1981". فقد تحرك الشباب بقوة وتمت المسيرة الانتخابية عملياً بدون اي حادث، لكن ذلك كان تعبيراً عن رفض نظام أكثر منه تأييداً لتحالف "سوبي" (التغيير في وولوف) الذي كان يتزعمه الليبيرالي عبدالله واد. فقد بات الرئيس الاشتراكي السابق يمثل في اسمه اشكال الكبت الاجتماعي المتراكمة خلال عشرين عاماً من الاصلاح البنيوي ومن الرغبة في القضاء على ذلك انما عبر الفساد والزبانية. ويذكر المناضل الاشتراكي آلان أغبوتون أن "السخط كان عارماً الى درجة أنه لو رشحنا عنزة ضد ضيوف لكانت فازت في الانتخابات".

وبالنسبة الى عدد من السنغاليين فإن الرئيس الذي عينه الرئيس ليوبولد سيدار سنغور خليفة له في كانون الثاني/ديسمبر عام 1980، قد اقترن اسمه بحدوث فجوة في تاريخ ما بعد الاستقلال. فالسيد موسى سيني ابسا، معدّ برنامج "غورغورلو"، السلسلة التلفزيونية ذات الشعبية الواسعة، الذي يروي وقائع الحياة اليومية لأحد السنغاليين المتوسطي الحال، رأى أنه مع "ضيوف كان مجيء التكنوقراط، "البطارقة" الاشبه بموظفي صندوق النقد الدولي". وفي الواقع فقد شهدت سنوات حكم ضيوف الالتحاق بنظام العولمة وبالتخلي عن التسويات الاجتماعية الاقتصادية التي جاءت ما بعد الاستعمار. فالسلطة العامة، تؤازرها الجهات الممولة، كانت تلقي بعبئها أكثر فأكثر على "المجتمع المدني". فما كان من السنغاليين المعروفين تقليدياً بانفتاحهم على الخارج وبإقدامهم، الا أن واجهوا الوضع بقوة مدهشة حيث اختلطت البراعة بالافتتان بالحداثة وبالحنين الى القيم الريفية وبالاحتجاجات العنيفة وبمحاولات الهجرة. فاذا معظمهم يتبعون "نظام الشطارة" المعمم والاشغال اليومية البسيطة والتحايل للامساك بالحبل من طرفيه.

وبعد سنة ونصف سنة على التغيير، بدأ السكان يفقدون صبرهم، فإذا كان من أولويات الرأي العام والصحافة العامة إعطاء الفرصة للحكومة الحديثة العهد، فإن البرامج على مختلف الاذاعات توجه الانتقادات اللاذعة في ردات فعلها المشتركة (مثل إذاعة اف.أم. الجنوب أو والف أف.أم.). فالموسيقيون في دكار، حيث يمكن إحصاء حوالى الألف من فرق موسيقى "الراب"، يسردون مخاوفهم ويوقعون في موسيقاهم الدعوات الى التغيير. كما أن السنغاليين الذين يتقنون فن الكلام لا يترددون في التعبير عن مطالبهم عبر الصحف الساخرة والفنون وكتابات الجدران المعبرة عن غضبهم، في ما يتعلق بمستوى الأسعار ومكافحة الفساد وتحسين النقل العام وجمع النفايات...

يروي بوبو، وهو في الثلاثين من العمر، وقد لقّب بهذا الاسم بسبب جديلتيه "راستا" التي تجعله يشبه بوب مارلي، ويعمل كمرشد سياحي في جزيرة غوري، انه "بات من الصعب الحفاظ على التوازن، فالدولة لم تعد تؤمّن الوظائف ولم تعد أشكال التضامن التقليدية سارية المفعول كما كانت من قبل. فبعض الشبان يصابون بالجنون ويستسلمون لشرب الخمرة والمخدرات وينامون على الرصيف". وبالفعل ينتشر في الشوارع مختلف أنواع المتسولين، هم نصف فتانين نصف دجالين، يلاحقون الرجال البيض (توباب) في أقل تحركاتهم. يقول إيزو، العامل الاجتماعي الاربعيني: "عندما كنت صغيراً ما كنا لنجرؤ على طلب المال بهذا الشكل، لكان والدي عاقبنا بشدة". أما مايسا، السائق الشاب موزع البضائع، فيرى "أنه لأمر محزن الآن أن نهرع الى استقبال الأجانب كما هي عاداتنا فيعتقدون أننا نسعى الى طلب المال منهم".

وبقدر ما تبرز مظاهر الغنى، تبرز مظاهر الحرمان، فالسيارات من آخر طراز تجوب الشوارع في صورة متناقضة مع مواقف السيارات البالية التي تتكاثر نتيجة استيراد السيارات المستعملة من أوروبا، وهناك الكثير من ورش البناء ولا تندر أبداً رؤية الفيلات الجميلة. فالسنغال هي أكثر بلد افريقي فرنكوفوني تلقى مساعدات بلغت ضعف ما تلقته ساحل العاج، وهي تحصل على 105،29 يورو عن الفرد الواحد أي أكثر بمرتين ونصف مرة من معدل ما تناله دول القارة الافريقية [8] . وفي خمس عشرة سنة تضاعفت المساعدات الخارجية ثلاث مرات لكن ثلثيها يخصص لتخفيف الدين.

وبشيء من الغضب يقول السيد ابراهيما ثيوب، استاذ التاريخ في جامعة شيخ أنتا ديوب: "بالطبع هناك اموال لكن لا يستفاد منها لأنه تجري إعادة استخدامها من داخل النظام من اجل إبقاء بعض المجموعات في السلطة أو لإبعاد آخرين". وباتت النظرة المشتركة الى نظام الزبانية على أنه أحد أسباب التخلف، ففي مقهى بالقرب من ساحة الاستقلال يتذكر السيد ديثيي سول، وهو اليوم موظف كبير في إحدى شركات التأمين في باريس: "لقد عشت كل متاعب النظام السنغالي، فلقد أردت في التسعينات ان أؤسس شركة صغيرة في دكار ووظفت حوالى عشرة أشخاص، لكني تخليت عن المشروع إذ بدا من المستحيل أن تقوم بأي شيء من دون دفع البقشيش أو من دون امتيازات غير قانونية". فمن أجل تحقيق تقدم يجب معرفة بعض الناس والانخراط في شبكة ما وتبادل الخدمات وحتى أحياناً الحصول على دعم المتنفذين المحليين. [9]

ولأن حكومة السيد واد وصلت الى السلطة عبر انتخابات نزيهة الى حد بعيد، فهي تتمتع بشرعية لا جدال فيها، وينتظر الرأي العام ان تحاول الاستفادة منها. لكن السيد ثيوب يعتبر أنه سيكون من الصعب استئصال نظام الوساطات والخدمات لأنها تأتي في سياق "ميراث قديم العهد من شخصنة المراكز واستغلال السلطة كموقع لمراكمة الثروات وإعادة توزيعها. وهذا يعود الى زمن ملكيات الاقتصاد الاطلسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وربما حتى الى زمن سحيق أي الى القرون الوسطى".

وتواصل حكومة السيد واد السياسة الاقتصادية لاسلافها في خطوطها الكبرى وذلك بالتفاهم مع الجهات الممولة (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) التي باتت موافقتها شرطاً سياسياً رغم تقهقر الوضع الاجتماعي، حيث يستكمل برنامج خصخصة الشركات الوطنية الكبرى، مثل شركة الكهرباء الوطنية (سينيليك) وشركة السنغال الوطنية للزيوت (سوناكوس) وشركات السكك الحديد للنقل... كما انه لم تجرِ إعادة النظر في التوجهات الأساسية للاقتصاد، هذا الاقتصاد المرتهن للأسواق الخارجية إن في مجال المواد الغذائية أو في مجال المنتجات التقنية الحديثة [10] . وعندما أولى الرئيس عبدالله واد اهتماماً خاصاً بالبنى التحتية، خصوصاً في قطاع النقل، ساد اعتقاد لفترة ان شكلاً من أشكال التدخل الرسمي قد بدأ يطبق [11] . غير أن الخطط ظلت مبهمة وانتهت الى التبخر مع المبادرة الافريقية للتنمية التي أقرت في مؤتمر قمة منظمة الوحدة الفريقية في 11 تموز/يوليو عام 2001 في لوساكا (زامبيا) [12] .

وقد ساد التشنج الأجواء الاجتماعية، وعادت البلاد الى حركة الاضرابات القوية التي شهدتها زمن ضيوف، وهي تتخذ احياناً أبعاداً هائلة مثل تظاهرات القوة السنغالية العاملة في اطار الأمم المتحدة في الكونغو (مونوك) التي لم تحصل على مستحقاتها لدى عودتها الى البلاد، فقطع الجنود الطرق الى العاصمة مرات عديدة. وفي شكل أعمّ، تنشأ التوترات من غياب الخطط الاجتماعية في دولة تواجه الافلاس وتعجز عن الاضطلاع بمهماتها. وهكذا فإن الجامعات تضرب بانتظام وفي كانون الثاني/يناير عام 2001 تطور الأمر في تظاهرات طلاب جامعة شيخ انتا ديوب مما أدى الى سقوط قتيل في صفوف الشباب.

وقد تقوم بعض الشركات بإغلاق أبوابها بين ليلة وضحاها تاركة العمال من دون اي مورد، إذ إن الوسائل المتاحة لفرض احترام ما هو قائم من قوانين العمل البسيطة، هي غير ذات قيمة. وهذا ما ينتقده السيد مودي غيرو، الأمين العام للاتحاد الوطني لعمال السنغال، وهي النقابة الأهم في البلاد: "حتى أن المراقبين في العمل لا يستطيعون تزويد سياراتهم البنزين". أضف الى ذلك انه عندما جرت عمليات الخصخصة لم تؤخذ المسائل الاجتماعية في الاعتبار بالقدر الكافي، وهذا ما يلفت اليه المسؤول عن حزب الوسط الاشتراكي السابق: "التفكير هو في أولئك الذين لا يعملون، لكن يجري دائماً تناسي أولئك الذين يفقدون وظيفتهم، فمع كل من هؤلاء ونظراً الى أهمية التضامن الاجتماعي في السنغال هناك حوالى خمسة عشر شخصاً يواجهون الصعوبات".

لكن، وكما في جميع البلدان الفقيرة، فإن توسع القطاع غير الرسمي هو الذي يعطي فكرة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية. فهذا القطاع الذي يشكل صمام أمان وصمود في زمن الأزمات يعتبر أكثر القطاعات توفيراً للوظائف. والحال، فقد تمّ إحصاء 200000 أجير من طبقة عاملة تعد 3800000 شخص فيما معدل البطالة الرسمي هو في محيط 11 في المئة، مما يعني أن غالبية السكان تبقى رهن الاقتصاد الموازي الذي يشمل العديد من الخدمات المفيدة وخصوصاً في مجال المواد الغذائية أو النقل، والذي تزامن تطوره مع عملية النزوح الى المدن (حوالى 40 في المئة من السنغاليين يسكنون المدن). ويرى السيد غيرو أنه من الممكن، في بعض القطاعات، مثل باصات النقل السريع، العمل على تأمين بعض الوظائف المرتبطة بالقطاع الرسمي، ذاك ان هذا القطاع لا يتمتع بأي حماية شرعية في مجال الصحة وحقوق العمل. ويضيف رجل القضايا هذا انه نظراً الى ضآلة الرواتب [13] "فإن الجميع قد ينقادون في وقت من الأوقات الى القبض بطريقة غير شرعية وحتى الموظفون الذين يتقاضون ما معدله 600000 فرنك افريقي (92 يورو) شهرياً".

وفي سياق الأزمة هذا حيث الكل يلعب من خلال "نظام الشطارة"، تحاول الجمعيات السنغالية، الحيوية منها في نوع خاص، أن توجد الوظائف وأن تدعم الحاجات الضرورية القصوى مثل التربية والصحة. ومن جهة أخرى فإن الجهات الممولة تحض الجمعيات على أن تكون همزة الوصل في برامج المساعدات وفي مكافحة الفقر. ويرى السيد بابكر ديوب بعوبا، رئيس مؤتمر المنظمات غير الحكومية لدعم التنمية (كونغاد) أن على الجمعيات أن تساهم في إعادة توليف النسيج الاجتماعي الذي تضرر من الأزمة. وفي كل يوم تسرد الصحف أخبار مبادرات جديدة، مثل التجمع العامل لمصلحة المعوقين الاقتصادية والذين ينتجون الكرتون في عملية إعادة تصنيع الورق، أو مدارس الشوارع من أجل الأطفال المشردين أو مجموعات النساء التاجرات... يضاف الى ذلك تدخل العديد من المنظمات الأجنبية غير الحكومية. وعلى ذلك يعلّق أحد مغني الراب ساخراً: "لقد بات من الرفاهية العمل لمنظمة غير حكومية".

وفي أي حال، إذا كانت مشاريع التنمية مستحسنة لما تؤمّنه من مساعدات ملموسة، الا أن غطرسة البعض ممن "يركبون السيارات ذات الدفع الرباعي" والمنافسة العقيمة أحياناً بين مختلف المجموعات والتقصير في المتابعة قد تسبب أيضاً حالات من سوء التفاهم. أضف الى ذلك، أن المنظمات غير الحكومية تثير حفيظة المسؤولين السياسيين الذين يأخذون عليها عدم الشفافية [14] ، فيعلّق السيد بابكر ديوب بعوبا بشيء من الاستياء: "في بعض القرى صارت المنظمات غير الحكومية معروفة أكثر من الوزراء". ويصبح الأمر وكأنما هناك دائرة مقفلة عندما يتبين ان إفلاس الدولة هو الذي يؤدي أحياناً الى تدخل الجمعيات في القطاع الرسمي. هكذا نجد أنه في 5 تموز/يوليو عام 2001 عمل مؤتمر المنظمات غير الحكومية لدعم التنمية على تأمين اجتماع بين نقابات المعلمين والمنظمات غير الحكومية بهدف تنسيق نشاطات مختلف الفرقاء على الأرض. ويرى السيد عمر سال، من دار الأولاد المشردين في دكار، أن الأمر "يتطلب جواباً سياسياً، فنحن هنا من أجل الكشف على المشاكل، والخطر هو في أن نستمر في القيام بالأمر نفسه لمدة ثلاثين سنة بدعم من منظمة اليونيسيف من دون أن يتغير شيء في الأمور". وهذا ما يعنيه السيد ثيوب عندما يؤكد مغتاظاً: "إن مكافحة الفقر ليست برنامجاً للتنمية".

ثم ان غياب الخطط وفشل مزاعم الدولة الاصلاحية ما بعد الاستعمار [15] يفاقمان من نزف القوى الحية في البلاد، ففي السنغال تتغذى أحلام الهجرة وفرار الأدمغة من انفتاح البلاد التقليدي على الخارج ومن القدرة التجارية في أوساط "الوولوف"، الاتنية الكبرى. فمحطات التلفزة وأشرطة الفيديو تغذي، عبر احوال الحرمان والتكيف، وهم الالدورادو الخارجي، وأولئك الذين يعودون، يعترفون مفاخرين كم أن ظروف الحياة قاسية في بلاد غنية بالنسبة الى مهاجر لا يحمل شهادة. ومن جهة أخرى فإن المهاجرين وإن كانوا يتقاضون رواتب ضئيلة، يتمتعون بقدرة شرائية في السنغال مما يجعلهم يحتفظون بهذا الوهم.

فالآنسة أومي فال، في الخامسة والعشرين من العمر، ومسؤولة إدارية ومالية في شركة متخصصة بالتكنولوجيات الحديثة، تشدد على ذلك قائلة: "ورغم كل شيء يمكن تحقيق النجاح هنا، والدليل هو تجربتي الخاصة، فالأمر يتطلب إرادة ويجب في نوع خاص استثمار هذه الارادة هنا". وهي، مع انها خريجة مدرسة التجارة في دكار، فقد رفضت عروض شركة أجنبية تمكنها من البقاء في بلادها. فهي تحلم بفتح مقهى انترنت يمكن أن يستخدم أيضاً كمكان لإعداد النساء الشابات اللواتي نزحن عن الريف سعياً وراء العمل في المدينة. ومثل العديد من الموظفين الشباب، هي تقدر ان التكنولوجيات الحديثة في مجال المعلومات والاتصالات ستغير المعطيات الى حد بعيد [16] ، وترى أنه يمكن اتخاذ قرار بالبقاء إذا علمنا انه سيكون في امكاننا الاستفادة من المكتبات ومن الثقافة العالمية ومن الأسواق... ويعتبر السيد ثيوب ان "هناك الكثير من المبالغة في تقدير الامكانات التي تؤمّنها الهجرة كما في التقليل من امكانات النجاح في السنغال"، ويضيف هذا الاستاذ الناشط ان "النخب عندنا تعطي المثل السيئ عندما تذهب في انتظام لتلقي العلاجات في الخارج وحتى في العمليات الجراحية الأكثر بساطة التي يمكن أي مستشفى سنغالي أن يجريها، كما انهم لو علّموا أولادهم هنا ربما كانوا يتشجعون على دفع أجور المعلمين وعلى وضع حد للسنوات العجاف".

فالكاتب بوبكر بوريس ديوب يلفت الى أن "التغيير يكمن في التصرفات والذهنيات". وما يعوق هذا التطور هو التوقير التقليدي للسلطة وفقدان حس المصلحة العامة. أما الآنسة فول فترى أن الوقت يلعب لصالح السنغال، "إن جيلي يتمتع بالحس النقدي وهو يحاول أن يغيّر الأشياء والأجيال الآتية بعده تعيش الحال نفسها". وفي المقهى الواقع في شارع الأمين غوايي حيث الغروب يشهد قدوم الزبائن الذين ينتظرون موعد الفطور، تقول هذه الشابة وهي تعقد شعرها المجدول: "منذ حدوث عملية التغيير يتصل بي أصدقاء من الخارج ليطلبوا اليّ مساعدتهم في إيجاد مسكن لأنهم يفكرون في العودة الى دكار".

أما بوبو فيقول: "لديّ أمل في ان الأمور سوف تتغير. وبالقرب من سوق سانداغا رسم احدهم بيد تفتقر الى المهارة شبح سلحفاة نينجا على جدار أحد المنازل، فيتنهد بوبكر بوريس ديوب متأسفاً: "لو أن حركة التغيير تستطيع على الأقل تحديد طبيعة المشاكل".


[1] إن وضع الدول الأقل تقدماً حدد وفق ثلاثة مقاييس في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وهي: مستوى متدنٍ في معدل اجمالي ناتج الفرد وعدم كفاية الموارد البشرية ونقص في التنويع الاقتصادي. www.unctad.org

[2] المصدر: برنامج الأمم المتحدة للتنمية الخاص بالسنغال. وقد حددت عتبة الفقر على أساس الدخل الضروري لتأمين ما يعادل 2400 كيلوغرام وحدة حرارية للشخص الواحد في اليوم.

[3] الى السنغال يضم الاتحاد الاقتصادي والمالي لغرب افريقيا كلاً من بينين وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا بيساو ومالي والنيجر وتوغو

[4] صحيفة "الشمس" (لو سولاي)، دكار، 15/12/2001.

[5] Lire Tom Amadou Seck, " Le Sénégal au défi de l’ajustement structurel ", Le Monde diplomatique, octobre 1998.

[6] " Le baobab a été déraciné ", Politique africaine, Paris, juin 2000.

[7] Lire Sanou M’Baye, " Alternance historique au Sénégal ", Le Monde diplomatique, avril 2000.

[8] Lire Sophie Bava et Danielle Bleitrach, " Les Mourides entre utopie et capitalisme ", Le Monde diplomatique, novembre 1995.

[9] Lire Sanou M’Baye, op. cit.

[10] " Wade est-il vraiment libéral ? ", Economia, Paris, n0 6, avril 2001.

[11] المبادرة الافريقية هي عبارة عن عملية دمج برنامج أوميغا الذي وضعه الرئيس واد وبرنامج نهضة افريقيا الذي اقترحه رئيس جنوب افريقيا تابو مبيكي. وهي حددت عشرات الأهداف التي يمكن تطبيقها على كل من المدى القصير والمتوسط والطويل في مجال الأمن وإنما ايضاً في مجال التنمية الاقتصادية وخفض الدين والتنمية البشرية والبيئة والبنى التحتية

[12] " Sénégal, Alternance économique ? ", Economia, n0 12, Paris, septembre 2001.

[13] متوسط الرواتب هو 61 يورو في القطاع الخاص و91 يورو في القطاع العام.

[14] Lire Mamadou Diouf, Histoire du Sénégal, Maisonneuve et Larose, Paris, 2001.

[15] Lire Mamadou Diouf, Histoire du Sénégal, Maisonneuve et Larose, Paris, 2001.

[16] Lire " Internet, la grenouille et le tracteur rouillé ", Manière voir, n0 51, " Afriques en renaissance, mai-juin 2000.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان