
مراجعة كتب > فبراير/ شباط > 2002ألياس خوري"باب الشمس" ثلات شخصيات. الراوي الذي يحكي قصة يونس وهو لاجىء فلسطيني في لبنان يسميه والده ويحب نهيلة زوجته التي بقيت في الجليل. كان يونس مقاتلا مقيما في لبنان وبقي يلتقي بزوجته بشكل مستمر وسري اذ يعمد الى عبور الحدود بالقرب من قريته عند مغارة تسمى باب الشمس. ذات ليلة تواجهه بحياتها كأمرأة متروكة وكفلسطينية تعيش في اسرائيل. هذا المقطع مقتطف من رواية الياس خوري، "باب الشمس" الصادر عن دار نشر "أكت سود" وعن "لوموند ديبلوماتيك". ولد الياس خوري في بيروت عام 1948 ويرأس تحرير ملحق صحيفة "النهار" الثقافي. ناقد ادبي وكاتب افتتاحيات، له ثماني روايات ترجم عدد منها الى الفرنسية ونشر في دار "أرليا" وهي "الجبل الصغير" و"ابواب المدينة" و"رحلة غاندي الصغير". نالت رواية "باب الشمس" اكبر جائزة ادبية فلسطينية وصدرت أخيراً بالعبرية. عادت نهيله في منتصف النهار. عادت بوليمة كاملة. كبّة نيّة، وحوسه، وجبن بلدي، وبندورة، وقنينة عرق. وضعت الطعام جانبا، سخّنت الماء وحممته. وكان بين يديها كطفل صغير يتخبط في الماء، عاجزاً عن اصدار اوامره الشهيرة او توجيه الملاحظات حول سخونة الماء او برودته. اخذته الى الفناء الداخلي للمغارة، الذي صار حماماً، امرته بخلع ملابسه، وحممته بالماء وصابون الغار، نشفته والبسته ثياباً جديدة نظيفة، وجلسا حول المائدة. صبّ كأسين من العرق. شرب من كأسه، وطلب منها ان تشرب. قالت لا. قالت انها لا تحب العرق. في الماضي كانت تشرب لتسايره، فهي لا تحب رائحة العرق، خاصة عندما ينام معها، ورائحة اليانسون تتطاير من فمه. "كنت اشرب كي لا اشم الرائحة". قالت انها لا تحب العرق، ولن تشرب. فوجئ بكلامها، "ماذا!؟ لا تحبين العرق"؟ "بل اكرهه". "وشربت كل تلك الاعوام"؟ "كنت لا اريد ان ازعلك". "كل حياتك تشربين شيئاً لا تحبينه"! هزّت رأسها الى الاسفل. "يعني انا لا افهم شيئاً". هزت رأسها. "لا تريدين ان تتكلمي"؟ "ماذا أقول"؟ صحيح ماذا ارادها ان تقول، بعد ان قالت كل شيء تحت الزيتونة. بالامس قالت له انها لم تعد تريده، فماذا يريد اكثر من ذلك. بالامس ركبته فكرة واحدة، هي كيف عرفت او حدست، انه بعد الان، ستكون زياراته صعبة ومتقطعة ومتباعدة. فالجنوب اللبناني امتلأ بالفدائيين، والارض تحترق بالقصف الاسرائيلي، والحدود صارت شبه مستحيلة. صار التسلل يتطلب معركة كاملة. هناك العمر. الحرب سرقت عمره، والعمر مضى. انه الان في منعطف الاربعين، لم يعد جسده آلة خاضعة لرغباته، لم يعد قادراً على مشي كل هذه المسافات الطويلة، فهي لا تعلم ماذا جرى في زيارته هذه. وصل الى المغارة ليلاً، ولم يذهب اليها فوراً، قارعاً نافذتها كعادته. كان يشعر بالوهن في مفاصله، قرر ان يرتاح قليلاً قبل ان يذهب. لكنه اغفى، ولم يستيقظ الا في العاشرة في صباح اليوم التالي، فمكث نهاره في المغارة، منتظراً الظلام، كي يذهب اليها. كيف عرفت؟ النساء يعرفن، فكر يونس، وهو يستمع اليها. عرفت ان زيارته سوف تتقطّع قبل ان تنقطع، فاتخذت القرار. لن تكون امرأة مهجورة، بل ستختار حياتها الجديدة بملء ارادتها. والان، تأتي لتقول له انها لا تحب العرق! هل نسيت كيف كان يشرب العرق من ثغرها؟ وكيف كانت تغسل يديها بعد الطعام بالعرق؟ ام كانت تمثّل عليه، كما مثّلت على المحقق العسكري وكما مثّلت على القرية واولادها وكل الناس! قالت انها اعدّت هذه الوليمة لتصالحه، وتطلب منه نسيان الكاراج والدولارات وطلباتها السخيفة. وانها تعتذر عن كلام الامس، فهو رجلها وتاج رأسها، وانها تعلم انه لم يكن بستطيع ان يعيش الا بهذه الطريقة، وانها فخورة به، فالانسان يعيش حياته كما هي. "مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها" "هل تعلم"، قالت. "والدك بعد ان نسي كل شئ، وصار يعيش مع شبح اخته، لم ينس بيتين من الشعر العربي القديم. وكنت حين اريده ان يستعيد شيئاً من وعيه، ابدأ بالشطر الاول من البيت الاول، فيعتدل في جلسته، ويقول البيتين دون خطأ، وأرى الكلمات تنضح من بئر ذاكرته التي طمرتها الايام. يعود صوته، ويقول معي: "نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابداً لاول منزل". انت مشيت خطواتك، وانا مشيت خطواتي، انت رجلي وانا امرأتك، وارجوك انس ما قلته بالامس. قالت نهيلة انها قالت ما قالته خوفاً على نور، لانها صغيرة وستتزوج، "والله يسترها ويحميها". اعتذرت نهيلة، وقالت ان الغمامة السوداء انزاحت عن عينيها الان، ويونس ماذا يقول. ايخبرها عن حقيقة الوضع الصعب في الجنوب؟ ايعتذر لها عن كل تلك السنوات؟ ام يقول انه حاول ان يعيش ويصنع لنفسه بلاداً من الركام الذي نسميه تاريخنا. لكنه بدل ان يحكي، امتصّ قطرات العرق من كأسه، شرب ولم يرتو، وترك الشراب يأخذه، وبدل صورة العاشق التي كانت ترتسم في كلماته، جاءت صورة البطل، وقاده الكلام الى الكلام. وروى عن السجون ومعسكرات التدريب. روى لها عن العمليات في اصبع الجليل، وعن الشبان الذين تمتلئ بهم القواعد وكيف يندفعون الى الموت. روى عن العودة. قال انه سيعود مع العائدين، فالوطن ليس سجناً، لن نعود اذلاّء وسجناء، وقال لها ان الثورة التي انتظرها منذ حلّ حامية شعب، وزجّ جميع عناصرها في السجن، قد جاءت وانه لا يستطيع التخلي عنها. قال وقال وقال. وعادت اليه نهيلة. كانت تعود مع كل كلمة يقولها، وكان يراها. كان وجهها يشعّ، وعيناها تلتمعان ويدها تمسك بقطع الخبز الصغيرة، تحولها لقماً مليئة بالكبة النية، وتطعمه. سألها عن اللّغة العبرية، وهل هي صعبة؟ من كل كلامها، لم يلتقط الرجل سوى اللغة. كان يعرف ان الاطفال الفلسطينيين في اسرائيل، يدرسون العبرية في المدرسة. وكان يعلم ان اولاده مثل جميع الاولاد. لكنه اراد ان يحكي عن اولاده. فسأل عن اللغة. ابتسمت نهيلة وقالت: "اخاد، شتايم، شالوش، اربع، خميش، شيش، شيفا، شمونة، تشع، عشر". "شو عمّ بتقولي". سأل يونس. "احزر"، قالت نهيلة. "هذا عبري"، قال. "صح"، قالت. "العبري زي العربي، عربي بالفرنجي بدّك تقول، بس لازم نحط خاء وشين كثير، انا هيك تعلمتها. اول اشي تعلمت ارقام، وبعدين صرت افهم كل الكلمات تقريباً: بسّ الاولاد غير شكل ما شاء الله. بيحكو عبري احسن من اليهود". قالت نهيلة ان اللغة سهلة. "اسهل شئ هو تعلم لغتهم". قال انه يخاف ان ينسى الاولاد لغتهم. "هذه مشكلتهم وليست مشكلتنا"، قالت نهيلة، كي تعني انها مشكلة الاسرائيليين وليس الفلسطينيين، "هم لا يريدوننا ان ننسى لغتنا وديننا، لانهم لا يريدوننا ان نصير مثلهم". لم يفهم يونس قصدها، وبدأ يتكلم عن علاقة الاولاد بتاريخهم وتراثهم، وان هذه العلاقة لا تقوم الا عبر اللغة. قال كلاماً كثيراً، يختلط فيه الادب بالدين بكل شئ. قالت انه لم يفهم عليها. "اسمع يا رجل وحاول ان تفهم. انت لا تعرف شيئاً، حاول ان تسمع الاشياء كما اقولها لا كما تتخيلها في رأسك. قلت لك انها مشكلتهم، أي مشكلة اليهود، فنحن لا نستطيع التخلي عن لغتنا لانهم لا يريدون ذلك. يريدون لنا ان نبقى عرباً، وان لا نندمج، لا تخف، انهم مجتمع طائفي مغلق، حتى لو اردنا، فلن يسمحوا لنا بذلك". حين اخبرتني يا ابي عن نظرية نهيلة اللغوية، تذكرت كمال الذي اراد جمع مفاتيح البيوت في الاندلس، اردت القول اننا لم نفهم الفرق الجذري. القشتاليون لم يضطهدوا العرب المسلمين واليهود من اجل طردهم فقط، فالطرد مهما كان كبيراً فعالاً، لا يستطيع طرد كل الناس. ولذلك اندمجت الاندلس في اسبانيا، ولم تفرض علينا دينها ولغتها. الطرد حصل عام 1948، لكنه لم يكن كاملاً. مفاتيحنا معهم وليست معنا. لم اقل، لانني خفت ان تضيع منّي حكاية نهيلة بالاستطرادات، كما كانت تضيع دائماً. ويونس، حين اسأله عن نهيلة، لم يكن يعترض او يرفض الجواب، يبدأ بالاجابة، ثم يدخل في دهاليز حكايات جانبية، فتضيع مني الحكاية. يومها، لم اقل نظريتي عن المفاتيح، خوفاً على الحكاية، ومع ذلك ضاعت الحكاية. اخبرني عن اللغة العبرية، ثم سكت. "وبعدين"، سألته. "بعدين"، سألته. "بعدين هيّانا هون". "هناك، ماذا جرى في المغارة". "عدت الى لبنان، وبنينا القواعد في الجنوب". "وهي"؟ "نور تزوجت، وسالم فتح الكاراج و...". "هل زرتها بعد ذلك". "بلى، كثيراً، يعني". هذه ال"كثيراً"، وال"يعني"، كانت كل جوابه. "والمغارة"؟ لم يرو لي عن المغارة، مع انه في ذلك اليوم، حكى كثيراً. ناقش مشاكل الاولاد، وتحدث عن الثورة التي بدأت تصير حالة عامة في الاردن ولبنان. تحدثا طويلاً وضحكا كثيراً. هو يشرب، وهي تملأ الكأس. "انت مثل العروس"، قال لها. بعد ان انتهى من طعامه، غلبه النعاس. غطته بالحرام، ونظرت اليه بعينين تغمزان الرغبة. "الان"؟ سألها، وازاح لها مكاناً على فراشه. "انا لم اقل شيئاً". "سأنام نصف ساعة"، قال. "انت نام، وانا سأرتب المغارة". "ايقظيني بعد نصف ساعة". تركته ينام ومضت. قبل ان ينام، كررت دعوتها له بعينيها، وكرر ابتسامته طالباً ان ينام نصف ساعة فقط. ذهبت الى ركن المغارة، جلت الاطباق، وحين عادت وجدته يغطّ في نوم عميق، تركته ورحلت الى بيتها. حين استيقظ يونس لم يجدها، وكانت ظلال المساء تنتشر فوق التلال. وجد نفسه يعبئ مطرته ماء، يلمّ حقيبته واضعاً فيها رغيفي الخبز اللذين تركتهما نهيلة، ويمضي الى لبنان. هل عاد الى زيارتها بعد ليلة الزيتونة الرّومية؟ قال انه عاد، وانا اشكّ في كلامه. فحياة يونس تغيرت كثيراً في تلك المرحلة. فبعد تحول الثورة مؤسسة تشبه الدولة، صار جزءاً من الدولة. سافر في الوفود الرسمية، اتصل بعائلته تلفونياً من شتّى العواصم، ثم اصبح عضواً في قيادة اقليم فتح في لبنان، وامتلأت ايامه، خاصة بعد مذابح ايلول 1970 في الاردن، وتحول لبنان مكاناً وحيداً للمقاومة الفلسطينية، على اثر هجرة القيادات الفلسطينية من عمان وبيروت. صار يونس جزءا من تلك الآلة الضخمة، ولم يعد ذلك الفدائي المشرّد بين مخيم عين الحلوة في الجنوب، وفي مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة في بيروت، لكنه، والحق يقال، كان مختلفاً. لم تظهر عليه علامات الثراء التي ظهرت على اغلبية القياديين الفلسطينيين، وبقي فلاحاً كما كان وكما يحب ان يكون. حاول يونس التوفيق بين حياته الجديدة واقتناعاته. ربما لم ينجح كثيراً، لكنه حافظ على صورته، بوصفه ابو سالم، ذئب الجليل، الذي يعرف تلك البلاد، كما لا يعرفها احد، والذي يملك قصّة لا تشبه اية قصة اخرى. هل بدأت حكايته في تلك المرحلة؟ لا اعرف، فأنا لا اعرفه قبل تلك المرحلة. بلى اعرفه، لكني كنت صغيراً، ولم اكن استطيع فهم الاشياء واستيعاب معانيها. عرفته جيداً مع بداية السبعينات، وكان قد اصبح حكاية. عرفته بوصفه ذلك الرجل الذي يزرع اطفاله في الجليل، ويقاتل من اجل تحريرهم. ولكني اتساءل، واقفاً تحت مطر الصور التي تغطي جدران غرفة النوم، هل بدأت الحكاية حين انتهت؟ هل صار يروي للناس عن نهيلة، حين انقطع عن زيارتها؟ لا أعرف. قال انه تابع زيارته الى هناك حتى عام 1978، حين قام الاسرائيليون في آذار من ذلك العام، باحتلال جزء من الجنوب اللبناني، اقاموا عليه دويلة تابعة لهم، اطلقوا عليهم اسم "دولة لبنان الحرّ". وهي لم تكن اكثر من شريط ضيق من الاراضي اللبنانية، شكّل منطقة عازلة، بين الفدائيين ومستعمرات الجليل، التي كانت تتعرض لقصف صواريخ الكاتيوشا. قال انه مع الاحتلال، اغلق ابواب التسلل في وجهه، وصار يتصل باولاده ونهيلته تلفونياً. حدثني كثيراً عن اسفاره، وعن ثلاث نهيلات صغيرات ولدن في دير الاسد. نهيلة ابنة نور، ونهيلة ابنة سالم، ونهيلة ابنة صالح. قال انه صار يتلفن لنهيلاته جميعاً، وانه كان يتلقى صورهم على عنوان احد اصدقائه في قبرص، وانه عاش معهم دون ان يراهم. عاش مع الصور. "فالتلفون لا يسمح يا ابني، ماذا تقول في التلفون؟ في التلفون لا تقول سوى اشياء عامة وصيغ جاهزة. كلام التلفون لا ليس كلاماً".
* كاتب لبناني، من أعماله "باب الشمس"، دار الآداب، بيروت.
|