
الحرب > ايلول/سبتمبر > 2002جان مارك ايلا"نظرة افريقية الى "اولى حروب القرن كتب شاب كاميروني في صحيفة "نظرة جديدة"Regard nouveau [1]: ”منذ الحادي عشر من ايلول/سبتمبر المشؤوم، حولت الولايات المتحدة الاميركية سفارتها في ياونده الى حصن حقيقي. فالنزلة التي تحاذي المركز الثقافي الاميركي وكذلك الخطان اللذان يتصلان بمفترق الطرق في ابيا قد قطعت كلها تماما والغي السير عليها بإرادة العم سام وبنتيجة ذلك أصيب بالشلل النشاط التجاري في هذا القطاع المهم من العاصمة وصار السائقون مضطرين للالتفاف بعيدا تحاشيا للمنطقة الاميركية المحظورة. من الصعب تخيل اميركا المتعجرفة تسمح لاي بلد كان بإقامة دويلة له وسط واشنطن”. ... تعبر ردة الفعل هذه ـ وبالرغم من الاساطير المذهلة التي تنشرها السينما الرخيصة داخل مدن الصفيح الآخذة في الاتساع ـ عن الاستياء العارم لسكان الكاميرون المعتبرة "افريقيا المصغّرة”. في مواجهة الغطرسة التي تفرض بها الولايات المتحدة سيطرتها حتى في علاقتها مع الارض خارج حدودها، يمكن تفهم "دموع التماسيح" التي ذرفها الكاميرونيون: فمع انهم لم يخفوا استهجانهم للمأساة الرهيبة في 11 ايلول/سبتمبر فقد رأوا فيها "قصاصا الهيا" وتساءلوا ما اذا كان الاميركيون يشعرون بأي قلق عند وقوع "مجازر ابادة في افريقيا” [2]. في الشارع او في المكتب ترتبط النظرة الى اعتداءات نيويورك وواشنطن بذاكرة المآسي التي اوقعتها القوة الاميركية بالعديد من الشعوب: ”لا يطرح الاميركيون وحلفاؤهم الاسئلة على انفسهم عندما يستهدف المدنيون بالقصف الانتقامي باسم الديموقراطية والحرية”. صحيح ان هذه الاعتداءات ضربت النواة المركزية لـ "الحضارة الغربية" اي الولايات المتحدة الاميركية. لكن ربما حان الوقت بعد عمليات القصف الاميركي في افغانستان لاستعادة "شرف التفكير”. ان وجهة نظر الشمال هي المسيطرة في الرأي العام العالمي وهي ليست بالموقف البريء بل تستخدم كمبرر للبلدان الغنية لتفرض من خلاله النظام الامني للعولمة الليبيرالية. فالمطلوب عكس النظرة انطلاقا من موقع ملعوني الارض مقدمة لاعادة البحث في العلاقات الدولية. في الوقت الذي يتأمرك فيه الغرب [3] يجب التساؤل ما اذا كان يستعيد ثقافة راعي البقر المنبعثة في بلاد العم سام عندما يخوض الرئيس بوش "الحرب الاولى في القرن الحادي والعشرين" ويستحضر روح الغرب البعيد في مطاردته لقوى الشر اينما وجدت” [4]. ان السياسات الامنية التي ترعاها واشنطن لا تتساهل في اي استثناء بحجة محاربة الارهاب. ومن اجل تقديم الخدمات للاميركيين والحصول على مساعدات اقتصادية، ينبطح الديكتاتوريون الافارقة مدّعين كشف "خلايا القاعدة" بعد ان ينسبوا ثوارهم المحليين الى بن لادن ليتخلصوا من انتقادات منظمات حماية حقوق الانسان. وفي ما يتجاوز القارة الافريقية، يطرح هذا التحدي مسألة دولة القانون في عصر الاستيلاء على الموارد الاستراتيجية وحيث الدول المهيمنة المتعطشة للذهب الاسود تفرض قانونها. كذلك وفي قطيعة مع مراجع "الهيولى الاسلامية" التي تفتح الباب امام كل الالتباسات موقظة ردود الفعل القديمة ازاء الحملات الصليبية، يجب التخلي عن اعادة وضع الاعتداءات في اطارها الخاص من اجل التمكن من ادراك مغزاها والرسالة التي تنطوي عليها. في واقع الحال يجب ان يحفظ التاريخ ان اعتداءات نيويورك وواشنطن قد قضت على اسطورة الحصانة الاميركية والتي كانت تلقت ضربة في اعتداءات اوكلاهوما سيتي في شباط/فبراير 1993 ، وما اهتز في العمق هو الاعتقاد بامبراطورية تقيمها الولايات المتحدة في العالم اجمع. ففي سنوات ما بعد الحرب الباردة، تعوّد الاميركيون فكرة كونهم "الامبراطورية الأخيرة” لكن بعد 11 ايلول/سبتمبر، "يتعلم الناس العيش مع الشكوك والخوف” [5]. فبعدما اوقعوا الضحايا البشرية خارج بلادهم وزرعوا الارهاب في البلدان التي دعموا فيها بواسطة وكالة الاستخبارات المركزية واقاموا وسلّحوا انظمة عسكرية وديكتاتوريات دموية اذلت شعوباً بأكملها وحطمت بالعنف حركات النضال من اجل الحرية والديموقراطية [6]، ها هي الولايات المتحدة تكتشف ضعفها مثلها مثل سائر شعوب الارض. عندما يرتجف العملاق ويتصرف البطل تصرف الضحية الا يكون العالم الغربي بأجمعه في حال من القلق؟ لكن في مواجهة عدو خفي لا ارض له، هل يكون المستقبل في التشدد عند الحدود؟ في عالم من الفروقات الاجتماعية والنزاعات حيث لا يبدو ان دفق المهاجرين واللاجئين اقترب من النضوب، من يستفيد من حائط برلين الذي يعاد تشييده وسط الغرب؟ امام هذا التحدي من الضروري اعادة التفكير في علاقتنا بالآخر، الافريقي او العربي في ما يعنينا هنا، وذلك بالقطيعة مع الاوهام والافكار المسبقة التي افرغها الانتشار الاستعماري من محتواها الانساني كما يبرهن على ذلك ادوارد سعيد؟ [7] هناك سؤال يفرض نفسه من جهة اخرى: هل يمكن القوى السياسية والاقتصادية التي تنفق المليارات من الدولارات على التسلح ان تتحمل حال الحرب وخصوصا ان الخوف يجتاحها من رؤية هيمنتها العالمية مهددة بالانهيار؟ بعدما اصابتها الصدمة تدعي الولايات المتحدة القدرة على ان تصبح شرطي العالم وهي في خطر الغرق في جنون العظمة المعدي مع خلق دوائر امنية يسجن داخلها البرابرة. والناظر الى القوانين القاسية المعتمدة في الحرب ضد محور الشر ينتابه القلق من المفاعيل السيئة لهذه القوانين على بلدان الشمال نفسها. ويكفي التشديد على فكرة ادارة الشؤون العامة في جو من القلق وتغذية الاخطار الخيالية عبر اجراءات امنية تسيء الى الحريات الاساسية. فلنلاحظ ايضا السلطات المتزايدة المعطاة للشرطة لنكتشف اننا نتجه نحو دولة قمعية تسمح لنفسها الدخول الى الحياة الخاصة من خلال تفتيش البريد العادي والالكتروني باسم مكافحة الارهاب. اما القادمون من بلدان اخرى فيمكن ان يتعرضوا للضرب بالهراوات على أيدي رجال الشرطة الذين يتصرفون كأنهم فوق القانون عندما يتعلق الامر بالدفاع عن النظام التجاري. فالآخر القادم من الجنوب هو هدف للترسانة القمعية التابعة للحكومات التي تخلط بين الجريمة والهجرة. ان كلاب حراسة الهيكل يرتابون في شأن كل وطني جنوبي ينزل في مطارات اوروبا او اميركا حيث تمثل العمامة او البوبو او الجلابية اخطارا محدقة. وكأن كل ما ينتمي الى ما وراء المتوسط يرتبط بشبكة ارهابية. علينا التساؤل حول عودة البربرية الى الغرب. في ما يتجاوز التصورات المستهلكة، يجب طرح موضوع العلاقات بين العالم الغربي وبلدان الجنوب كشعوب مسنة وشعوب شابة يعطي دخولها المباغت الى التاريخ دفعا لا يرتد في عصر الحركيات الجدية. في هذا السياق لا يمكن اي بلد مهما بلغت قوته ان يتغاضى عن ضرورة النظر الى نفسه كي يتحرر من المسوخ الساكنة فيه. فالرد الحقيقي على اعتداءات ايلول/سبتمبر تكون في اعادة النظر في موقف البلدان الغنية حيال المهانين في الارض. فلنلاحظ تعب البلدان الغنية ازاء نداء الفقراء. فبالرغم من صرخات الاستغاثة حول انتشار السيدا، ما زال مصير البلدان المرغمة على العيش على هامش العالم من المسائل الطارئة المنسية. "اولا الارهاب اما الفقر فالى وقت لاحق". هكذا قررت قمة الدول العشرين المنعقدة في اوتاوا 26 و27 حزيران/يونيو 2002 اما في كالغاري فقد اصطدم مشروع تخصيص الدول الغنية نصف موازنات مساعداتها الى افريقيا بحائط الرفض الاميركي. والواقع ان اي تحالف ضد الارهاب لا يكتسب معناه الا اذا سعى للقضاء قدر الامكان على المعين الذي يتغذى منه هذا الارهاب. معين الفقر والظلم. لا يمكن الاستمرار في قيادة العالم وسط كل هذه المظالم. اذا كانت القوة لا تعني فقط التلويث والتدمير والقتل والغزو والمصادرة والسيطرة، الا يفترض بالغرب ابتكار طريقة اخرى للعيش من خلال المساهمة في انهاض الشعوب التي تعاني الصلب منذ زمن طويل؟ ليس المطلوب تحويلها شعوباً تعيش على المساعدة الدولية بل السعي الى تقسيم ثروات الارض علما بأن "ملعوني الارض" لا يمكنهم القبول بأنهم في وضع النكرة الى ما شاء الله. عندذاك لا يعود الامن مسألة شرطة وجنود بل يصبح ثمرة العدالة. وهذا يتطلب تغيير النموذج واستعادة البحث عن المعنى في مجتمعات الثراء الفاحش.
* عالم اجتماع، له مؤلفات عدة منهاRestituer l?histoire aux sociétés africaines, L?Harmattan, Paris, 2000 et Le cri de l?homme africain , L?Harmattan, Paris,1980.
[1] Jules Bekolo ? Occupation territoriale à Yaoundé ?, Regard nouveau, lieu de parution, 10 décembre 2001. [2] Attentats aux États-Unis: les larmes de crocodile des Camerounais ?, Syfia , lieu de parution, octobre 2001. [3] Nous sommes tous Américains ?, Le Monde,14 septembre 2001. [4] حول اشارة الرئيس بوش الى الملصق الشائع في الغرب الاميركي: "مطلوب حيا او ميتا"، انظر La Presse,Montreal, 18 septembre 2001. [5] Le Monde, 26 octobre 2001. [6] Noam Chomsky, Les dessous de la politique de l?Oncle Sam, Montréal, Ecosociété,1996;lire aussi Christopher Hitchens, Les crimes de Monsieur Kissinger, Éditions Saint-Simon, Neuilly-sur-Seine, 2001. [7] Edward Said, L’Orientalisme ,l’Orient créé par l’Occident, Seuil, Paris, 2001.
|