العالم العربي والإسلامي > ايلول/سبتمبر > 2002

جون انتليس

تيار شعبي مهمّش

في الثاني من تموز/يوليو 2002، اذيع تقرير الامم المتحدة حول التنمية البشرية في البلدان العربية. وقد حرّره حوالى ثلاثين مثقفا يمثلون بلدانا واختصاصات مختلفة، ويقدم التقويم الاكثر فجاجة للظروف السائدة في المجتمعات العربية. ويسعى النص في صورة خاصة الى تفسير النواقص الخاصة بالمنطقة ويصل الى النتيجة بأن العوائق الكبرى امام المجتمعات العربية تتمثل في غياب الحريات السياسية وقمع المرأة وعزلة فكرية تخنق عملية الخلق.

بالرغم من الثروات النفطية في بعض المناطق، فإن مجمل العالم العربي ما زال في حال من التخلف، مقارنة مع مناطق اخرى من العالم لا تتمتع بهذه الثروات. فالانتاجية مثلا تراجعت الى مستويات بالكاد تتجاوز معدلات افريقيا الواقعة الى جنوب الصحراء حيث يسود الجوع والاوبئة. ولا يخصَّص للعلم والتكنولوجيا سوى اجزاء زهيدة من الناتج القومي بينما يشعر المثقفون في البلدان العربية كافة ان عليهم الفرار من محيط سياسي واجتماعي خانق إن لم يكن قمعيا.

الخلاصة الدراماتيكية الكبرى تتعلق بالمرأة التي تعاني الاختناق في جميع دوائر الحياة المنتجة مع 50 في المئة من الامية ونسبة وفيات اثناء الوضع تبلغ ضعف الوفيات في اميركا اللاتينية واربعة اضعاف شرق آسيا.

بالرغم من الانتقادات اللاذعة واللهجة المتشائمة عموما، يقدم التقرير بعض الاستنتاجات الايجابية بما في ذلك حول الاصلاحات الديموقراطية الاخيرة في المغرب والنجاحات التي حققتها المنظمات النسائية هناك في صراعها ضد المحرمات التقليدية [1]. الامر ليس مفاجئا لمن يتتبع عن كثب احوال المغرب، البلد الذي اعطى عن نفسه خلال حكم الملك الحسن الثاني (المتوفي عام 1999) وابنه محمد السادس صورة الدولة الحديثة المتطلعة نحو الغرب والتي تمزج بليونة بين الثقافة الاسلامية التقليدية وحاجات المجتمع العلماني ضمن حركة يمكن تسميتها "الحداثة الاقتباسي”. وقد ساهمت الصلات المبكرة والسرية مع اسرائيل والتي تمت بدافع من الدور الخاص جدا الذي يضطلع به اليهود المغاربة، في ارساء صورة متسامحة ومعتدلة. يضاف الى صورة البلد "المتحضر" هذه، القرب من اوروبا والجاذبية السياحية التي يتمتع بها المغرب والتي لم تفتر قط.

في المختصر، وخلافا لجيرانه العرب في المغرب والمشرق، تمكن المغرب من اعطاء صورة عن نفسه تتسم بالتقدم والانسجام الاجتماعي الذي كان ليحصنه ضد اشكال التطرف الاسلامي الذي يعاني منه جاره الجزائري وغيره من بلدان العالمين العربي والاسلامي. ويساهم كون الملك زعيما دينيا (أمير المؤمنين) ومدنيا في تركيز الشرعية على التوافق والتعاون ورفض المواجهة العنيفة.

في هذا الجو من الثقة ينظر الى الانتخابات التشريعية على انها مجرد استمرار لعملية التحول الديموقراطي الجارية بمشاركة جميع الاحزاب... باستثناء الحزب الاكثر تمثيلا للتطلعات السياسية والاقتصادية ـ الاجتماعية الشعبية وهو "العدل والاحسان" المحظور، في حين تُفرض الاقامة الجبرية على زعيمه الروحي والسياسي الشيخ عبد السلام ياسين.

الى اي مدى تتطابق هذه الصورة التي ابتدعها المغرب لنفسه مع واقع الحال؟ ما القول بالهروب الواسع للمغاربة في اتجاه اوروبا وغيرها سعيا وراء العمل والحرية؟ [2] كيف نفسر العدد الكبير من المغاربة المنضوين في شبكة “القاعدة” بمن فيهم زكريا الموسوي، الفرنسي من اصل مغربي والمتهم بالمشاركة في اعتداءات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر ١٠20 والتي تجري محاكمته في الولايات المتحدة؟ او الدور الذي اضطلع به عبد الغني مزودي، شريك غرفة محمد عطا، احد الذين خطفوا الطائرات ووجهوها نحو برج التجارة العالمي وقد اعتقل مزودي مؤخرا في هامبورغ؟ وما القول في اكتشاف مخطط لـ”القاعدة” في المغرب في حزيران/يونيو 2001؟ والكراهية الشديدة حيال الولايات المتحدة والغرب، كما عبرت عنها التظاهرة الشعبية الضخمة في 7 نيسان/ابريل 2002 حيث اتاح التضامن مع الفلسطينيين الفرصة امام الجماهير للتعبير عن غضبها تجاه عالم تتآمر قواه من اجل قمعها؟ كيف التوفيق بين الصورة الايجابية عن التنمية الاجتماعية المغربية وواقع سؤ معاملة المرأة وعمالة الاطفال والرقيق المنزلي الذي يطاول احيانا فتيات في السادسة او السابعة من العمر، او مع الامية التي تغرق فيها الغالبية من اهل البلاد؟

هل يمكن فعلا اعتبار هذا النظام ديموقراطيا ولا يزال يترأسه ملك مطلق الصلاحية يحدد دائما في نهاية المطاف من يحصل على ماذا ومتى وكيف بالرغم من وجود سلطات مضادة؟ اخيرا هل ننعت بالديموقراطي الفعلي نظاما تمنع فيه حركة معارضة اصيلة وغير عنفية تمثل الطموحات السياسية للجماهير من المشاركة في انتخابات قيل انها حرة، وهذا ما يحصل حاليا لحركة الشيخ ياسين؟

من اجل فهم الهوة الفاصلة بين صورة المغرب وواقعه، يجب البدء بتحليل الفروقات بين الاجيال التي ظهرت في البلاد خلال العقدين المنصرمين. فقد تلقى الجيل الحاضر من الراشدين سلسلة من الوعود الخائبة والآمال الوهمية والانتظارات اللاواقعية والتردد الثقافي والتلاعب السياسي. فالفساد والرشوة يهيمنان في اعلى مراتب السلطة السياسية، ويشكلان نموذجا تسعى جميع الفئات الاقل نفوذا الى الاقتداء به.

بالرغم من بعض الاشارات على تقدم تدريجي نحو الديموقراطية و"التناوب" السياسي ـ تطلق الحكومة الحالية على نفسها اسم "حكومة المناوبة التوافقية" ـ لا تزال الطبقة الحاكمة تنشر ثقافة العجرفة والاحتقار والفساد. وهذا ما يؤثر حكما في مواقف الطبقات الوسطى وسلوكها السياسي، وخصوصا ان التعليم بالنسبة الى هذه الطبقات ليس سوى وسيلة لتقدم المصالح الفردية وتحسين الاوضاع المادية والامتيازات الخاصة. اما الذين لا سبيل لهم الى التعليم الثانوي او الجامعي المطلوب للنجاح في دخول سوق العمل المعولم حيث التنافس على أشده، فأمامهم خياران: الهجرة او ممارسة الاقتصاد غير الشرعي والخروج تالياً على القانون.

ان الاستثناء الوحيد في هذا المناخ من السلبية واللامبالاة السياسبة يتمثل في الاسلاميين الممثلين في اوساط المتعلمين والاقل علما. ويشكل التوجه الاسلامي ـ والمعروف هنا بأنه نشاط سياسي يسعى الى تغيير الدولة والمجتمع عبر مرآة الاسلام ـ في المغرب اول قطيعة جدية مع الماضي. فخلافا لباقي التوجهات الايديولوجية والسياسية ـ القومية، الاشتراكية او الشيوعية ـ ترفض الحركة الاسلامية عددا كبيرا من القيم التي تنادي بها النخب الحاكمة بما في ذلك الثنائية الثقافية واللغوية والعلمنة والغربنة و"السلطنة”.

وخلافا ايضا للاجيال السابقة، يتمتع الاسلاميون برؤية عملية وعاطفية للسياسة وهذا ما يبدو جليا في خطاب الشيخ ياسين حيث تستخدم السياسة للتعبير عن التطلعات الشعبية بطريقة متماسكة اجتماعيا وحساسة ثقافيا. فالاسلاميون مجموعة افراد يتخطون الحدود بين الاجيال والاجناس والمناطق ويمثل خطابهم وبرنامجهم تحديا للوضع السياسي القائم. ومع انهم لا يمثلون الغالبية من الشبان الراشدين في المجتمع فإنهم يبرهنون عن مستوى عال من القناعة السياسية والارادة والنشاطية، يفرض على الآخرين احترامهم وحتى الاحتراس منهم. فهم حددوا مفهوم الالتزام وفرضوه على الفرقاء الآخرين، ومع ان تفاصيل برنامجهم ما زالت غامضة فإن لهم قدرة حقيقية ولافتة على تعبئة انصارهم.

ولو لم يطبق النظام خططا لاحتوائه، لكان هذا التوجه عرف انتشارا اكثر اتساعا. لكن الجهود التي بذلتها النخبة لتدمير التعبير السياسي الاسلامي ادت الى طحن السياسة في شكل عام. وهذا ما يفسر انتشار اللامبالاة في كل مكان وما يشير اليه في شكل لافت استفتاء الرأي الذي اجرته صحيفة "لو جورنال" في الرباط) تموز/يوليو 1998) والذي بموجبه لا تثق سوى نسبة 3،1 في المئة من المغاربة بالسياسيين و3،9 بالشرطة! [3]. بعد مضي اربع سنوات سيصار الى التعبير عن النسب نفسها في استقصاء آخر للرأي حيث نسبة 9 من اصل عشرة غير قادرين على التعرف الى شعارات الاحزاب السياسية الراهنة وتمييزها بعضها عن البعض ايديولوجيا [4].

لا يفرض حزب "التوحيد والاصلاح"، الحزب الاسلامي الوحيد المسموح له المشاركة في الانتخابات ولا رئيسه الحالي السيد عبد الرحمن بنقيران الاحترام نفسه او الدعم الشعبي نفسه الذي يحوزه حزب "العدل والاحسان" بزعامة الشيخ ياسين. على مثال زملائه المغاربة يتمتع السخ ياسين بالرغم من بلوغه الرابعة والسبعين بـ"هالة" روحية، وكما بالنسبة لعباسي مدني (زعيم "جبهة الانقاذ الاسلامية" المعتقل) في الجزائر او لراشد الغنوشي (الزعيم المنفي لحركة الاتجاه الاسلامي) في تونس، فإن اللحية المرسلة والعينين اللامعتين ترمز الى الابوة اكثر منها الى التعصب الديني [5].

الشيخ ياسين معروف منذ العام 1974 من خلال توجيهه "كتابا مفتوحا" الى الحسن الثاني بعنوان "الاسلام او الطوفان؟" يحذر فيه الملك من غضب الله اذا لم يتب ويرجع الى الصراط المستقيم. وفي العام 1981، اصدر ياسين بالفرنسية كتاب “الثورة في زمن الاسلام" (La Révolution à lheure de lIslam ) معتبرا اياه "كتاب دعوة" و"كتاب قتال”. يقول في المقدمة ان المطلوب "أسلمة الحداثة وليس تحديث الاسلام" حيث يكون التحدي الكبير تخطي الجاهلية [6] حيث يسود الى "الجهل والعنف والانانية، عالم بدون اي مبدأ روحي”. من هذا المنظور لا تكون المجتمعات الجاهلية اسلامية بل تعاني على العكس السيطرة الغربية التي تؤدي بتأثيرها المفرط الى عذاب الشعوب الاسلامية وتأخرها والاضطهاد الذي تعانيه .

في نظره يجب ان تحل الانظمة الاسلامية الداعية الى "الديموقراطية الاسلامية" محل هذه المجتمعات الجاهلية. وستفضي هذه الديموقراطية الى نظام يحكمه العقلاء وليس الجهلاء. وتقوم قواعده الجديدة على مرتكزات ثلاثة: استعادة العدالة من خلال القانون، اعادة الاعتبار الى الاخلاق في التربية وبعث "الحسبة”. الديموقراطية الاسلامية تعني التمثيل (انتخابات على كل المستويات) والمسؤولية والرقابة وبالتالي المحاسبة. القاعدة تقوم على المشاركة السياسية وحكومة الاكثرية. لا يمكن محاربة الجاهلية الا بالجهاد لكن الجهاد هو العمل وليس العنف. ليس المطلوب خوض حرب ضد العدو بل الدعم الفاعل لـ"التربية والممارسة السياسية حتى التغلب التام على افكار الجاهلية وعاداتها”.

يعتمد اتباع الشيخ ياسين المحرومين من شبكة مساجد لنشر دعوتهم على التواصل الشفوي والكاسيتات والانترنت والمجلات والجرائد ذات التوزيع المحدود، كما على الجماعات الاسلامية في الخارج لبث افكارهم. ولهم وجود محسوس حتى في الولايات المتحدة حيث ينشط الطلاب المغاربة في جامعة مثل جامعة ايوا لنشر افكار الشيخ ياسين وكتاباته.

وفي حين يتوسع الفارق بين صورة المغرب وحقيقته، هناك خطر في انفجار العنف السياسي. فشروط اللجؤ الى العنف باتت متوافرة ضخامة المشاكل الاقتصادية، القلق العميق في اوساط العاطلين عن العمل من الشبان البؤساء في المدن الكبرى، انعدام الامل لدى المتخرجين من الثانوي كما الجامعي في ايجاد فرص عمل ذات أجر حسن ومناسب لمؤهلاتهم. بالاضافة الى ان التحديات الثقافية والاخلاقية التي يثيرها الحضور الطاغي للغرب من خلال السياحة والمنوعات والافلام والتلفزيون والموسيقى والادب، تطرح اسئلة مقلقة على المحافظين والمتمسكين بالتقاليد والمؤمنين في المغرب.

في جميع هذه المجالات يقدم التيار الاسلامي الشعبي ـ صاحب الرسالة السياسية والاخلاقية الثقافية كما الدينية ـ املا في التغيير وسيستمر في التأثير على تفكير الشباب وفقراء المدن من خلال الخطاب الديني كما بواسطة الخدمات في ميادين التوظيف والسكن وطوارىء الصحة والغذاء الرخيص الثمن والدعم المدرسي. وبقدر ما تقوم الدولة المتلاعبة بالحد من هذه الجهود او تخريبها، تطفو على السطح الخيارات الاكثر تطرفا والمتأثرة ايديولوجيا والموجهة سياسيا بتنظيمات من نوع "القاعدة" او غيرها من مخلفات الاتجاه الاسلامي المشابه.


* استاذ علوم سياسية ومدير برنامج دراسات الشرق الاوسط في جامعة فوردهام (نيويورك) ورئيس تحرير Journal of North African Studies لندن.

[1] New York Times, 4/7/ 2002.

[2] Pierre Vermeren Les Marocains rêvent d?Europe ?, Le Monde diplomatique, juin 2002.

[3] Moroco ?, Economic Intelligences Unit, Londres, 1998.

[4] Le Monde, 3 décembre 2001.

[5] Henry Munson, Jr., Religion and Power in Morocco, Yale University Press, New Haven, CT, 1993, p.162

[6] Jean-Claude Vatin, ? Seduction and Sedition : Islamic Polemical Discourses in the Maghreb ?, in William R. Roff (sous la direction de), Islam and the Political Economy of Meaning :Comparative Studies of Muslim Discourse, University of California Press, Berkeley, CA 1987, pp. 162-163

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان