مقالات > تشرين الاول/اكتوبر > 2002

خوان غويتيسولو

قديس فاشي وفاسق

تطويب مؤسس الـ"أوبوس داي"

بعد انتصار الحزب الشعبي بقيادة السيد خوسيه ماريا أزنار في اسبانيا، تمكنت منظمة "اوبوس داي"، وهي نوع من الماسونية الكاثوليكية أسسها في العام 1928 المونسنيور خوسيه ماريا اسكريفا دو بالاغير [1]، من استعادة السلطة شيئاً فشيئاً في اسبانيا خلال السنين العشر الأخيرة. وقد تولى الكثير من مناضلي “أوبوس داي” مناصب مهمة في الشركات والدولة. وهذا ما يفسر تجدد الاهتمام الذي أثاره نشر "التقرير السري حول منظمة اوبوس داي السرية" الذي وضع في العام 1943 حزب "الكتائب” (الحزب الفاشي الاسباني) الذي حارب في حينه المونسنيور اسكريفا دو بالاغير في نضال مرير للوصول الى السلطة في ظل ديكتاتورية فرانكو. وفي هذا التقرير وصف اسكريفا بأنه "مجدف" ذو حياة غير مثالية، وصاحب "اقوال وأعمال مليئة بالافكار المبطنة" وهو "في تدينه متفاخر متباكٍ، غير طبيعي أبداً وصاحب مواقف مخادعة ومتصنعة”. هذه الاتهامات لم تزعج في شيء المونسنيور اسكريفا في مسيرته العملية اللامعة، الدنيوي قبل كل شيء (كان مؤسس “أوبوس داي”، جامع الأوسمة والتكريمات "المتواضع" قد حصل من صديقه الجنرال فرانكو على لقب تشريفي: مركيز بيرالتا) ثم السماوي إذ كرس طوباويا في العام 1982 لينال التكريس الأسمى ويسام قديساً في 6 تشرين الأول/أكتوبر عام 2002 .

يمكن القارئ الفضولي لحياة القديس الجديد اسكريفا ان يجد في بعض المؤلفات [2] وفي سير القديسين التي نشرتها “اوبوس داي” شهادات مثيرة عن اعماله وتصرفاته. ونحن نملك آثاراً ليست أقل كشفاً لهذه الشخصية مع مقاطع من شرائط مصورة لبعض ظهوراته في سيارة الكاديلاك السوداء في وضعيات مشبوهة. لكن تفسيري الشخصي في كتابي "فوتريكوميدي" لشعارات كتابه الرئيسي "الطريق" والذي ترجم الى ما يزيد على 40 لغة، يلقي ضوءاً جديداً على استيهامات اسكريفا الجنسية. فمؤسس “اوبوس داي” كان بما لايقبل أدنى شك، كما قال رابليه، من نوع "الخشب الذي يصنع منه القديسون”. فالكتاب الأهم لمؤسس الـ"أوبوس داي، "الطريق"، كُتب خلال الحرب الأهلية الاسبانية (٦٣٩١ - ٩٣٩١) ويشكل مديحاً للذهنية الفاشية وللديكتاتور فرانكو. ففي إحد المقاطع الاعتراضية في كتابه حول سيرته الذاتية يتحدث الكاتب عن "جو الرفاقية النبيلة والمرحة" بين الضباط الفرانكويين حيث سمع أغنية احد "الضباط الشباب بشاربيه الداكنين" وهو يتلو هذه الصلاة:"قلوب منقسمة أنا لا أريدها، وإذا ما اعطيت قلبي فأنا أعطيه كاملاً” (الحكمة ٥٤١) ويعكس الكتاب الحماسة الفرانكوية في تلك الحقبة “الحرب هي العائق الكبر القائم على الطريق السهل، ومع ذلك علينا أن نحبها (وانا الذي يشدد) كما يحب رجل الدين أتباعه" [١١٣] وطبيعياً هو يعكس التمجيد الحماسي للـ"كوديو" (الزعيم) فرانكو “هل نتركك تذهب؟ أنت؟ ... وهل أنت إذن واحد من القطيع؟ في حين أنك ولدت لتكون "كوديو"!” [٦١] "جماعات الكوديو!...لتكن إرادتك رجولية كي يجعل الله منك واحداً من الكوديو” [٣٣٨]. وبفضل "الحماسة الوطنية" [٥٠٩] في النضال ضد "أتباع فولتير بالشعور المستعارة المعقرة او ضد أشكال الليبيرالية البالية من القرن التاسع عشر” [٨٤٩]، "ستعود اسبانيا الى العظمة العريقة لقديسيها وحكمائها وأبطالها” (مقدمة مؤرخة في 19 آذار/مارس عام ٩٣٩١). لكن إذا كانت بعض وجوه كتاب “الطريق” وغيرها الكثير، مثل تقديره الرفيع لدور المرأة في المجتمع المسيحي “ليست النساء في حاجة الى ان يكنَّ عالمات، بل يكفي أن يكنَّ ممسوحات” (٦٤٩١)، موضع تأويلات من جانب المتخصصين في اسكريفا، فاني آسف لغياب ما يمكن ان نسميه قراءة "الشبق النصي" في كتاب “الطريق”، لهذه النزعة الجنسية المقدسة الواردة في الحكمة ٨٢: ”كما ان الطعام هو حاجة ضرورية للفرد هكذا الانجاب هو حاجة ضرورية للجنس البشري، والأفراد المتميزون يمكنهم النجاة من عقوبته”. وكما سنرى فإن "المتميزين" الذين ينجون من عقاب الانجاب كأشخاص مجرَّبين، على طريقة لوركا، يمكنهم أن يجدوا في كتاب “الطريق” حكماً لذيذة ويشعرون بالارتياح في رغباتهم وإلهاماتهم الجنسية المقدسة. إن مؤسس “أوبوس داي” يقدّر كثيراً قوة الرجولة ولا يخفي كرهه للمحرومين منها الذين يصفهم بأنهم "ودعاء ولطفاء مثل كعك المرنغ”. واليكم بعض الأمثلة على ذلك: ”تخلَّ عن هذه الحركات والتصرفات العابثة أو الولادية. كن رجلاً" (٣)؛ “كن قوياً، كن رجولياً، كن رجلاً" (٢٢)؛ “لا تكن ولداً” (٩٤)؛ “لا تكن مائعاً وبليداً" (٣٩١)؛ “ألا تخجل من أن تكون قليل الرجولة حتى في عيوبك؟” (٠٥). والقوة التي يدعو اليها اسكريفا تشمل جميع ميادين الحياة الروحية والعاطفية: "من قال لك انه ليس من باب الرجولة ان تقوم بالتساعيات؟" (٤٧٥) وهو يشدد مرات عدة على أن الصلاة يجب ان تكون "قوية ورجولية" (١٩٦)، ودموع المدعوين للالتحاق بالميليشيا يجب ان تكون أيضاً "لاهبة ورجولية" (٦١٢) ولذلك من الأنسب اعتماد نمط سلوك لا يكون عرضة للانتقاد، وهو يلفت في معرض تحديده مجال الفرادة التي ينصح بها الى أنه "إن لم تكن رجولياً و...طبيعياً فلن تكون ابداً مبشراً بل صورة كاريكاتورية مضحكة عنه” (٧٧٨). ويشدد في النتيجة على "ان تكون طفلاً لا يعني ان تكون مخنثاً” (٨٨٨). وبالرغم من هذا التبشير بالحكمة فإن هناك الكثير من المطبات. فاسكريفا يسأل قارئه: ”لماذا تعذبك هذه الافتراضات المغلوطة في محاسبة نفسك ؟"(٥٤)، "فحالات دفق الحنان" لدى القارئ وهذا الشعور الذي زرعه الرب في الصدر الرجولي لدى الذين يطمحون الى سلوك الطريق يجب أن ترفع الى المسيح. وكشخص خبير في القداسة التي يدعو اليها يهمس اسكريفا: ”أليس صحيحاً انك عندما تفتح أحد أقفال قلبك، وأنت في حاجة الى سبعة اقفال، تخيّم سحابة من الشك غير مرة على أفقك ما فوق الطبيعي...؟ وإذ اصابك العذاب، بالرغم من نقاوة نياتك، رحت تتساءل عندها: أليس أني ذهبت بعيداً في التعبير الظاهري عن مشاعري؟” (١٦١). وإذا علمنا أن الأمر يتعلق برهبنة يُفرَض فيها كلياً الفصل بين الجنسين لا يبقى من الصعب علينا معرفة من المقصود بهذا الدفق العاطفي. لكن المخاوف التي تترصد "المتميزين" المنضمين الى ميليشيا “اوبوس داي” سوف تزول في النهاية بواسطة "المجون المقدس”. ذاك ان المجون المقدس شيء والسفاهة العلمانية شيء آخر (338). والقارئ الخبير، وخصوصاً إذا "كان متمرساً بقراءة التانتراس الهندية"، يتمتع مثلي بـ"الابعاد المفاجئة والمطاطة" التي توفرها لنا حكم المونسنيور اسكريفا. ومع ان اسلوبه النثري بالغ الفقر ومبتذل، والفكر الذي يحمله هو من الترهات التي لا تصدق (حيث نبدو على بعد آلاف السنوات الضوئية من القديس يوحنا الصليبي ومن القديسة تيريزا الأفيلية)، فإن مطالعته ممتعة جداً إذا ما توقفنا عند المقاطع الوفيرة جداً حيث يمكن ملامسة اللاوعي الجنسي لدى الكاتب. وليس في الضرورة أن نكون متخصصين بفرويد كي نتذوق المعاني المجازية التي تتكرر على مدى كتاب “الطريق”: ”اجعل إرادتك رجولية، ولتكن بنعمة الله مثل مهماز فولاذي” (٥١٦)، أو "يد من حديد صلب، تلفها كف من المخمل” (٧٩٣)، أو "شريط مجدول جيداً يمكنه ان يرفع الأوزان الثقيلة” (٠٨٤) أو "لا تنسَ ان كل ما هو كبير، على الأرض، كان في بدايته صغيراً" (١٢٨)، الخ. وبحنان يؤنب الأب تلميذه: ”يا لك من آلة ضعيفة!” (٧٧٤) ثم يدعوه الى التصرف بعلم ودراية: "سواء أكنت كبيراً أم صغيراً، دقيقاً أم ضخماً... كن آلة [...] واجبك هو أن تكون آلة" (٤٨٤). ثم يحذر بحزم: ”لا يمكن ان ندع الآلات تصدأ” (٦٤٨).

نصائح القديس الجديد متوفرة عند كل خطوة. فهو يسأل تابعه: ”لماذا تريد ان تبني قصر تقديسك بدون موجه روحي؟"(٠٦). "أنا وأنت، سوف نعطي ونأخذ من دون أن نبخل” (٦٨٤) وهكذا يتمرس المهماز الفولاذي بعادة "اقتحام بيوت القربان" (٦٧٨). لكن ليس كل شيء مثل اوراق الوردة في الطريق التي تقود الى القداسة: ”وخزة، ووخزة اخرى ووخزة أخرى ايضاً. تحمّلها! أنت صغير جداً لا تنسَ هذا الى درجة أنك في حياتك، على طريقك البسيط، لا تستطيع أن تقدم الا هذه الصلبان الصغيرة” (٥٨٨)، والعمل الأساسي هو أن تحتفظ بـ"مخزون"، حدده أساساً في الحكمة الأولى من الكتاب، يساعد في "انبجاس" تسبيحة المريد المسيحي مثل "نهرهادئ واسع” (٥٤١) ويهتف: ”تلك هي القداسة القوية الخصبة!!” (٦٥٥). اما البذار، يا للطيبة الالهية، "فإنه سيفرخ ويعطي ثماراً طيبة رويت بحسب الأصول.” (٩١١). والانسان المدعو الى الاسرار التي تقود الى النعمة عليه أن يتحمل المحن بحزم رجولي: ”إن هذا مؤلم، أليس كذلك؟ بالتأكيد! ولذلك بالضبط تتم العناية بك” (٨٥١)، لكن المكافأة تأتي سريعاً ”وسرعان ما تتحول المعاناة سلاماً ممتعاً"(٦٥٢) "وهناك ما يستحق الانشاد بأعلى صوت، تقول النفس المفعمة بالحب، عند رؤية العجائب التي حققها الرب لكهنوته” (٤٢٥).

في وقت يُتهَم الكثير من الكهنة الكاثوليك بالتحرش الجنسي بالأطفال وآخرون بـ"الرجولة" الفاسقة، يمكن تقديس المونسنيور اسكريفا أن يحض الكثير من النفوس المعذبة على الصلاة "مع اشتهاء الولد السكريات، بعد ان يكون قد شرب الجرعة المرة” (٩٨٨). وعلى الأرجح ان حِكَمَ المونسنيور اسكريفا قد حملت اليهم نوعاً من الزيت المسهل والموجه الفعال على طريقهم المزروعة بالأشواك والورود. ولهذا السبب، ووفقاً لاقتراح اخوات النجدة الدائمة الممجدات في كتابي "فوتريكوميدي”، سيعيّدون بكل جذل في 6 تشرين الأول/أكتوبر عام 2002 صعود المونسنيور اسكريفا دو بالاغوير الى اعلى المراتب السماوية.


[1] اقرأ François Normand, ’ L’Opus Dei, arme secrète du pape ’, et Michel Arseneault, ’ Les nouvelles légions du Vatican ’, Manière de voir, ’ L’offensive des religions ’, n’ 48, novembre-décembre 1999 ; Jesus Ynfante, ’ Résurrection de l’Opus Dei en Espagne ’, Le Monde diplomatique, juillet 1996.

[2] اضاءت عدة كتب على مزايا وخوارق مؤسس الابوس داي ومنها مؤلفات دانيال ارتيغ وخيسوس انفانته وخصوصا لويس كارانديل.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان