الحرب على العراق > مارس / آذار > 2003

وندي كريستياناسن

ديموقراطية مسيحية على الطريقة الاسلامية

"نقوم بما في وسعنا لمنع وقوع الحرب. انها غير معروفة النتائج لكن يمكننا تقدير اكلافها وما قد ينتج منها من خسائر، فتركيا في النهاية جزء من هذه المنطقة. لكن علينا ايضا الاستعداد لاسوأ الاحتمالات، فنحن بلد حليف استراتيجي للولايات المتحدة ولا نريد الاساءة الى هذه العلاقات، بل على العكس نسعى الى ترسيخها”. هكذا يتكلم السيد عبدالله غول، رئيس الوزراء التركي المعروف بصراحته ولهجته المباشرة، وهو ينتمي الى حزب العدالة والتنمية الفائز بامتياز في انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٢ ويؤكد غول بوضوح ان حكومته ستسعى دائما الى التوافق الوطني حول المسائل الخارجية كما الداخلية.

"نحن كحزب محافظ وديموقراطي ونريد التقيد بمعايير الاتحاد الاوروبي ونسعى للانضمام اليه. نريد ان نقدّم البرهان على ان بلدا ذا غالبية اسلامية يمكن ان يكون مرتاحا في العالم المعاصر”. هل في هذا الكلام اشارة غير مباشرة الى الدين؟ يجيب السيد غول: “ان علاقتنا بالدين تقوم على قاعدة فردية. انه حق اساسي لكنه ليس الوحيد. لا نحاول فرض القواعد الدينية، والآن بعدما اصبحنا في الحكومة يمكن التأكد من نياتنا”.

في الظاهر، ليس لدى حزب العدالة والتنمية ما يخشاه. فهو يسيطر على البرلمان بنسبة 363 من اصل 550 ولا ينقصه سوى خمسة مقاعد للوصول الى نسبة الثلثين التي تمكّنه من تعديل الدستور. انه اول حزب يحوز منذ 1987 اكثرية ثابتة والوحيد منذ العام 1945 يواجه حزبا وحيدا في المعارضة البرلمانية. انه تطور ايجابي بالنسبة لبلد يحتاج للاستقرار من اجل مواجهة كل التحديات واولها على الصعيد الاقتصادي.

جاء انتصار حزب العدالة والتنمية قبل كل شيء كردة فعل على ازمة شباط/فبراير 2001 التي اغاظت الطبقات الوسطى، ضحية البطالة للمرة الاولى. كما شكلت احتجاجا على الفساد وعلى افلاس نظام عفا عليه الزمن.

لكن هل يستطيع حزب العدالة والتنمية استجابة هذه الامال المعقودة عليه؟ الامر ليس مضمونا على الاطلاق. فبالرغم من نتيجة الانتخابات هناك نسبة 45 في المئة من المقترعين غير ممثلة في البرلمان: فحزب العدالة والتنمية حصل على 34 في المئة من الاصوات مقابل 20 بالمئة لحزب الشعب الجمهوري الوحيد الممثل في البرلمان. وبما ان الناخبين غير مستقرين على خيار حزبي محدد، فإن حزب العدالة والتنمية يدرك ان عليه من اجل تعزيز سلطته تحقيق النتائج في المجال الاقتصادي خصوصا منذ ولايته الاولى. ذلك انه بالرغم من تراجع احزاب الوسط والتحول المستمر للناخبين في اتجاه اليمين، فإن حزب العدالة والتنمية لن يبقى وحده في الساحة. ففي تشرين/الثاني نوفمبر المنصرم، حقق السيد جم اوزان وهو رجل اعمال عمره 42 عاما خارج من المجهول، نتائج لافتة لحزبه اليميني المتطرف، "حزب الشباب”. ويخشى البعض ان يمثل هذا الحزب غداً البديل العلماني وهذا ما يقلق حزب العدالة والتنمية.

تعلم حزب السيد اردوغان كثيرا من التجربة الاسلامية السابقة لحزب الرفاه الذي حكم البلاد لمدة عام واحد في رئاسة السيد نجم الدين اربكان الذي ارغمه الجيش على التنحي في 18 حزيران/يونيو 1997. خلافا للرفاه، يسعى حزب العدالة في شكل حثيث للوصول الى حل سلمي للمسألة القبرصية، بالرغم من اعتراف السيد عبدالله غول ان "القضية ليست بين يديه بالكامل”. وقد استجاب المشاعر الشعبية المعادية للحرب على العراق ومشاركة تركيا في النزاع من خلال مقاومة ابداها قدر الامكان في وجه مطالب الولايات المتحدة بنشر قواتها فوق الاراضي التركية مع المطالبة بأفضل التعويضات المالية الممكنة لانقره. فاعتمد ديبلوماسية نشطة خصوصا مع البلدان العربية والصين وآسيا الوسطى. وكان لهذه الخيارات صدى ايجابي واسع في البلاد.

بيد ان حزب العدالة والتنمية يلقى في كل خطوة من خطواته معارضة النخبة العلمانية. ليس فقط من الجيش ومجلس الامن القومي [1] اذ اصطدم على صعيد السياسة الداخلية بمقاومة المؤسسات القضائية والبيروقراطية والاقتصادية. هكذا وبينما يسعى الحزب الى اصلاح نظام التعليم العالي ـ وهو اصلاح يتفق عليه حتى عمداء الجامعات ـ فإنه يواجه معارضة مجلس التعليم العالي. وفي الاقتصاد، يتلقى انتقادات من اوساط رجال الاعمال، لا سيما من "توسياد"، الجمعية العلمانية الواسعة النفوذ والتي تضم المجموعات الاقتصادية الكبرى. لكن وزير الاقتصاد الشاب (36 عاما)، السيد علي باباكان، ينفي تردد الحكومة في هذا المجال ويؤكد: "ان برنامج صندوق النقد الدولي يشكل جزءا من برنامجنا العام، لكننا قلنا منذ البداية اننا سنرفض بعض جوانب هذا البرنامج. علينا اولا محاربة التضخم والفساد واصلاح النظام الضريبي من اجل اجتذاب الرساميل الاجنبية”.

بالرغم من افتقاره الى التجربة الحكومية فإن السيد عبدالله غول يلقى الاحترام الواسع وحتى الاعجاب. لكن هناك خشية من ان يكون لدى مؤسس الحزب وزعيمه الفعلي، السيد رجب طيب اردوغان، مشروعا سريا طويل المدى يسعى من خلاله لفرض برنامج اسلامي. لم يتمكن السيد اردوغان وهو رئيس البلدية الواسع الشعبية في اسطنبول، من تقديم ترشيحه للانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، بسبب حكم قضائي بالسجن انزل به عام 1999 بتهمة محاولة "تقويض" الجمهورية. وينتظر ان يتقدم الى انتخابات فرعية في 9 آذار/مارس المقبل في سيرت والحلول محل السيد غول في رئاسة الوزراء.

هل الاتهامات الاسلامية الموجهة اليه جدية؟ كان السيد اردوغان من اتباع السيد اربكان، اي أنه كان نتاج مرحلة مضت من تركيا الكمالية. فتوجهه الاسلامي يتبنى قيم الدولة و"الرؤية القومية" التي تحمّل تركيا دورا قياديا في العالم الاسلامي. لكن الدستور كان يمنع المطالب الملموسة من نوع تطبيق الشريعة الاسلامية. ما هو الوضع اليوم؟

روان شاكر، الاختصاصي في القضايا الاسلامية، يقول:"اردوغان ليس اسلاميا بل هو نتيجة لفشل الاسلام السياسي في تركيا”. ويؤكد طه اكيول، الخبير الآخر في الاسلام وكاتب الافتتاحيات في صحيفة "ميلييت" اليومية:"اردوغان وابناء جيله تمردوا على "الاسلاميين الكماليين" من صنف اربكان. ومع مراكمتهم للتجربة، اتجهوا نحو المزيد من الاعتدال وتأثروا بسياسات السوق الحرة التي مارسها الرئيس تورغوت اوزال في مطلع التسعينات. وكانت نقطة الانفصال رفض الجيل الجديد لفكرة "السلطة المقدسة” (الخلافة) والخلاص. عندها بات ممكنا مغادرة الدوائر المقدسة لولوج السياسة”.

ويوضح السيد كونيت زابسي، المستشار الاقرب لاردوغان واحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ورجل الاعمال الناجح: “كان هدفنا انشاء حزب محافظ يميني، ديني وغير اسلامي. ونواجه الآن مشكلة معارضة دوائر السلطة العلمانية لنا وكأننا حزب اسلامي يسهل التخلص منه”. صحيح ان حزب العدالة والتنمية وسّع دائرة مناصريه ليجند مناضلين ويجتذب ناخبين من احزاب اخرى اضافة الى وافدين جدد الى العمل السياسي، فراح يعكس الغالبية الاناضولية (90 بالمئة من سكان تركيا) المحافظة والتقليدية والمتدينة. فدعاة التوجه الاسلامي كما جسده السيد اربكان ليسوا سوى اقلية ضئيلة في الحزب.

يلماظ اسمير، استاذ العلوم السياسية في جامعة بوغازيجي يشير الى "ان شيوع القيم الدينية بدأ في النصف الاول من التسعينات في عهد رئاسة اوزال قبل ان تستقر الاحوال التي رافقها انحراف قوي نحو اليمين”. واذ يقرّ السيد اسمير بعمق الشعور الديني في البلدان الاسلامية، يحاول ان يعطي تقديرا رقميا للوضع في تركيا: نصف السكان يعتبر الايمان مسألة شخصية، والثلت يرى انها تتعلق بالجماعة (مما يعني العقوبات الاجتماعية) والخمس يريد تطبيقها على المستوى السياسي.

مع ان النزعة الدينية لم تتقدم منذ 1995، فإن المحافظين من اصول اناضولية باتوا اكثر جرأة وباتت رموز الدين اكثر ظهورا للعيان. وهذا ما برهنت عليه قضية الحجاب الذي لا يزال ممنوعا في الجامعات وعلى موظفات الادارات العامة (محامون، ممرضات، اطباء...) لم يتخذ حزب العدالة والتنمية اي اجراء حتى اليوم. وتمثل النساء 10 في المئة من الاعضاء المؤسسين والنسبة نفسها داخل الهيئات التنفيذية في الحزب ويطالبن بالتقدم في المسألة، لكن بحماسة اقل من المناضلات الاسلاميات من خارج الحزب.

ايس بوهورلر، المنتجة في محطة التلفزة الاسلامية "قنال ييدي” (السابعة) وفاطمة بستان اونسال، الاختصاصية في العلوم السياسية، وهما عضوان مؤسسان في حزب العدالة والتنمية لم تعملا في المجال السياسي من قبل. لم تتمكنا من الترشح الى الانتخابات بسبب ارتدائهن الحجاب. يطالبن الحكومة بالعمل على رفع هذا الحظرعن الحجاب ولو انهن لا يعتبرن المسألة ذات اولوية. تبرر بوهورلر موقفها بالقول: "المسائل الاقتصادية والدولية تأتي اولا ومن بعدها حقوق الانسان (التعذيب واوضاع السجون والتمييز على انواعه) ومن بينها ارتداء الحجاب. بالنسبة لفاطمة بستان اونسال، "ان الفقر هو القضية المركزية والفقراء اولويتنا. تأتي بعدهن النساء المحجبات. اعتقد احيانا ان الحزب ليس شجاعا ما فيه الكفاية اذ يبحث بافراط عن التوافق”.

اوصل حزب العدالة والتنمية 13 امرأة الى البرلمان. السيدة زينب كرهان اوسلو، استاذة مساعدة في العلوم الاجتماعية في جامعة اسطنبول، لا تتحدر من عائلة دينية ولم تلتزم سياسيا قبل اليوم. التحقت بحزب العدالة والتنمية "لان التغيير حيوي في تركيا والناس تطلبه وتستحقه. وحزب العدالة محافظ وتقدمي في آن واحد: انه منفتح على التغيير”. والحجاب؟ "انه احد مسائل حقوق الانسان المفترض بنا استجابتها في نظامنا الديموقراطي”.

من السهل ايجاد الرابط بين تصاعد التعبير عن القيم الانسانية وحزب العدالة والتنمية. فالظاهرة تطاول احزابا اخرى ونواب حزب العدالة ليس الوحيدين الذين ترتدي زوجاتهم الحجاب. مهما يكن فإن هذا ليس هو سبب فوزه في الانتخابات. لكن بعد التقلبات الاقتصادية عام 2001، اعتقد الناس بإمكان الخلاص من الفساد والدفاع عن حقوق الفقراء.

الدكتوران ايش بوغرا وكاغلر كايدر من جامعة بوغازيجي ختما دراستهما حول الفقر على الصورة التالية “اخذ حزب العدالة والتنمية هذه المسألة على محمل الجد وأسس عليها سياسته المحلية. لكن بالرغم من تحديده للمشكلة يخشى استمراره في اعتبار المساعدة الاجتماعية نوعا من الصدقة على الطريقة الاسلامية وليس باعتبارها حقا من الحقوق الاساسية”.

فالحكومة واقعة بين انتظارات الشعب ــ اقرت زيادة للمتعاقدين بنسبة 30 في المئة ــ وضرورة المحافظة على التوازنات المالية. ويشدد فهيم كورو، احد كتّاب الافتتاحيات الصحافية النافذين “ان لحزب العدالة والتنمية التزامين، واحداً بالديموقراطية والآخر بالاسلام، وهذا أمر جديد”. لكن ما هو موقف الحزب من العلمنة؟ يؤكد تأييده لها لكنه يتطلع اليها وفق النموذج الانكلو ـ سكسوني حيث الدولة غير معنية بالممارسة الدينية. ان الانضمام الى الاتحاد الاوروبي من شأنه في كل حال الحد من الانقسام بين العلماني والديني.

هذه الرؤية البعيدة المدى لن تساعد حزب العدالة والتنمية في الحكم في عهده الاول بينما الحرب تذر بقرنها عند حدود تركيا الجنوبية والحكومة باقية تحت رقابة العسكريين والنخبة العلمانية. فحزب العدالة والتنمية موجود في الحكم لكن هل يمسك فعلا بالسلطة؟


* صحافيّة، لندن.

[1] مجلس الامن القومي مكوّن مناصفة من العسكريين والوزراء ويترأسه رئيس الجمهورية. عبر هذا المجلس، يعتبر الجيش نفسه ضامنا للجمهورية العلمانية التي اسسها مصطفى كمال اتاتورك.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان