الأمم المتحدة > يوليو/تموز > 2003

أمارا أسّي

الامم المتحدة شريك لافريقيا

انتهت حرب العراق وتحول الاطراف الفاعلون فيها الى مرحلة "اعادة اعمار البنية التحتية وترميم المؤسسات" وهي مرحلة يفترض في نهايتها ان يستعيد العراقيون سيادتهم الكاملة وان يتمتعوا بالامتياز الرئيسي الذي وعدوا به الا وهو امكان العيش في دولة مستقلة، حرة وديموقراطية. ويفرض نجاح هذه الاهداف الحيوية ان تتزاوج مرحلة "اعادة الاعمار" على الصعيد الدولي مع معالجة هادئة للملف العراقي تتولاها منظمة الامم المتحدة وخصوصا ان الاولوية الوحيدة يجدر ان تكون مصلحة الشعب العراقي.

يدلنا تاريخ الامم المتحدة الى ان معالجة اي ازمة من الازمات واطلاق اي برنامج من برامج الامم المتحدة يثيران في طبيعة الحال خلافات في المقاربة بين الدول الاعضاء في المنظمة الدولية. في كل حال لا يمكن للامم المتحدة ان تكون المنتدى الدولي المرجو اذا ساد فيها التوافق والاجماع كمبدأين مقدسين. لذلك فان كل قرار من قرارات مجلس الامن يرتبط بحقبة محددة من التاريخ وحتى انه يشكل درسا في الاخلاق السياسية.

لذلك ايضا فان الامم المحدة مضطرة بعد الاضطراب الاخير الذي اعاق عملها حول العراق ان تستعيد وحدتها ضمن التنوع. وترتكز هذه الضرورة بشكل واسع على ارادة الاعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الامن بعدم الخلط بين النظام العالمي الجديد والفوضى العالمية الجديدة.

ان مستقبل العراقيين ولا سيما حقوقهم الاجتماعية في التربية والصحة والسكن على الاقل مرتبط بثروتهم النفطية، وان احد انجازات الامم المتحدة مؤخرا كان اقامة الرابط بين اسثمار المواد الاولية وادارتها في بلد من البلدان والمحافظة على الامن والسلامة فيه. وانطلاقا من هذه المسلّمة دان مجلس الامن الدولي وعاقب ما قام به اطراف النزاع في كل من سييراليون وليبيريا وانغولا او في جمهورية الكونغو الديموقراطية من سوء استخدام للثروات المنجمية في هذه البلدان.

ان الامم المتحدة منظمة مشتركة لـ 191 دولة لكن المعروف ايضا ان نفوذ كل واحدة من هذه الدول مرتبط بحجمها على الساحة الدولية فيصبح التوصل بالتالي الى افضل توازن ممكن مرهوناً بالمحافظة على دورها المركزي كأداة في خدمة مختلف شعوب الارض.

لذلك فإن اي تفكك دائم للعلاقات داخل مجلس الامن لن يكون من نتائجه المقلقة فقط تعزيز المخاوف على الامن والسلامة المشتركين بل ان من شأنه اطاحة الضوابط الدولية التي تسمح بالاحتواء والتصحيح والمناهضة للعوامل الرئيسية المغذية للحروب والنزاعات الاهلية والارهاب. والعوامل هي الفقر والجهل واللامبالاة والانانية والحقد او ايضا عدم احترام الحقوق الاساسية للانسان او الديموقراطية. تمثل منظمة الامم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة مكافحة السيدا ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الامم المتحدة للتنمية وبرنامج الغذاء العالمي او ايضا منظمة الزراعة والاغذية (الفاو) اولى المنظمات الانسانية في العالم. وهي تابعة للامم المتحدة، موجودة وعاملة على اساس انتداب تقرره كل من الدول الـ 191 الاعضاء في المنظمة الدولية.

من الممكن، بالطبع، تحسين نظام الامم المتحدة كي تتأقلم آلية عمله واهدافه مع وقائع العالم وتطورها. لم يكن تاريخ الامم المتحدة بالطبع طريقا من النجاح الطويل المزروع بالورود. فالمنظمة على صورة العالم وتطوره وحال العلاقات التي تقيمها الدول الكبرى مع المناطق الاضعف والاكثر هشاشة. لكن مناهضي المنظمة من منطلقات ايديولوجية مخطئون في تصويرها كأنها بيروقراطية مكلفة وعديمة الفعالية، اي أنها اداة لاضعاف الاقوياء من اجل تقوية الضعفاء بصورة اصطناعية.

في المقابل ومنذ اكثر من نصف قرن على قيامها فوق الانقاض المحترقة من جراء الفوضى والخراب الناتجين من الحرب العالمية الثانية، اتاحت الامم المتحدة المجال امام التعرف على مشكلات العالم واعتماد الاجراءات والقرارات من اجل تحسين الاوضاع المشكو منها.

غداة استقلالها وبعد تحقيق سيادتها، انشأت الدول الافريقية عام 1963 منظمة الوحدة الافريقية مع هدفين رئيسيين: وضع نهاية كاملة للاستعمار والقضاء على نظام التمييز العنصري. وطوال السنوات التي استمر فيها السعي الى تحقيق هذين الهدفين كانت الامم المتحدة شريكا أمينا ومصمما رافق منظمة الوحدة الافريقية وشعوبها في ايام محنتهم ونجاحاتهم. فكل نجاح لمنظمة الوحدة الافريقية كان ايضا انجازا للامم المتحدة وبالتالي نصرا للمجتمع الدولي برمته.

هل من حاجة للتذكير ان الامم المتحدة شاركت بصورة وثيقة في افريقيا وخارجها في ولادة العديد من الدول مثل اسرائيل في العام 1948 وناميبيا عام 1990 او مؤخرا تيمور الشرقية [1] . وقد حصلت هذه الدولة على حريتها المستعادة واحتفلت بها يدا بيد مع الامم المتحدة اي مع المجموعة الدولية بما فيها اندونيسيا، الدولة المحتلة السابقة.

لقد اتاحت حرب العراق على الاقل قيام امل مشروع تناضل الامم المتحدة من اجله منذ عقود وهو حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وذات سيادة. فالمجموعة الدولية وفي مقدمها الولايات المتحدة تبذل جهودا شافية منذ مطلع شهر ايار/مايو لاعادة اطلاق حوار السلام بين السلطة الفلسطينية والدولة العبرية. وتستند هذه الجهود الى "خريطة الطريق" وهي خطة السلام التي تلحظ انشاء دولة فلسطينية على مراحل في العام 2005 وكانت هذه الخريطة تبلورت بالتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي اضافة الى الامم المتحدة.

تنبأ بعض المحللين ومحترفي الاستراتيجيا بأن الحملة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في 20 آذار/مارس 2003 ستمثل تحولا رئيسيا ومثيرا للقلق في العلاقات الدولية، وكانوا يخشون انعداما للاستقرار يتبعه انفجار شامل في الشرق الاوسط. لكن لحسن الحظ لم ينفتح باب جهنم واذا كانت حرب العراق لم تولد "نظاما عالميا جديدا" فانها في المقابل رسخت وأكدت ان سقوط جدار برلين ونهاية الشيوعية والهجمات الارهابية على الولايات المتحدة في 11 ايلول/سبتمبر 2001 قد غيرت مجرى التاريخ. وبدل العقيدة الجامدة علينا ان نستخرج من هاتين الصدمتين مفهوما للعلاقات الدولية يهدف الى جعل العالم اقل سوءا مما كان عليه.

من اجل مواجهة هذا التحدي تبقى الامم المتحدة افضل بوصلة تملكها المجموعة الدولية كونها حلقة التنسيق والتبادل الوحيدة. وتمثل المؤسسة على هذا الصعيد نموذجا اساسيا يحتذى للاتحاد الافريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الافريقية ابتداء من تموز/يوليو 2002.

ليس الاتحاد الافريقي مجرد تطور في الشكل ومجرد تغيير للتسمية. فالمنظمة الافريقية الجديدة تستجيب متطلبات جيو استراتيجية تحددها الدول الاعضاء وتستجيب ايضا اولويات تعكس مباشرة تطلعات الشعوب الافريقية. فالاتحاد الجديد بات يشتمل على مؤسسات مستوحاة من الامم المتحدة على غرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومجلس السلام والامن الذي يضم 15 من الدول الاعضاء ويتركز دوره كما مجلس الامن الدولي على منع وقوع النزاعات وحسن ادارتها.

ان احد دروس حرب العراق هو ضرورة تعزيز دور المنظمات الاقليمية المتعددة الطرف كالاتحاد الافريقي وتكاملها مع الامم المتحدة. ويصح ذلك ايضا في طبيعة الحال على منظمة الدول الاميركية وجامعة الدول العربية.

لا ننسى، لجهة حل الازمات والمحافظة على الامن، ان الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة يأخذ في الاعتبار دور المنظمات الاقليمية ومبادراتها اذ تنص الفقرة الاولى من المادة 52 من هذا الفصل على ان "اي تدبير من ضمن الشرعة لا يتناقض مع وجود اتفاقيات او منظمات اقليمية تعنى بحل المشكلات ذات الطابع الاقليمي والمتعلقة بالحفاظ على الامن والسلامة الدوليين...".

يعني ذلك ايضا ان اللجؤ الى الفصل السابع هو بمثابة فشل للمنظمات الاقليمية وفي هذا الصدد اعطى الاتحاد الافريقي نفسه حق تقدير الاوضاع وخطورتها في افريقيا وامكان اعتماد تدابير وقرارات لتحسينها. ويتوقف الفشل او النجاح على الدول الاعضاء كما هي الحال في الامم المتحدة.


* الرئيس المناوب للجنة الاتحاد الافريقي.

[1] اقرأ Any Bourrier, " Naissance réussie d?un Etat au Timor ", Le Monde diplomatique, juin 2002.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان