
انترنيت و وسائل إعلام > آب/اغسطس > 2003سيرج حليمييوم كانت الصحافة الاميركية ما تزال حيّة أحفروا حيث نقول لكم! عام 1990 تغاضت الصحافة الاميركية عن "فضيحة صناديق التوفير اي اكبر عمليات التبذير للمال العام في تاريخ الولايات المتحدة" [1] . وبعد أشهر، ابان حرب الخليج الاولى، صدحت بجميع الاكاذيب العسكرية التي طبخت في البنتاغون. احفروا حيث نقول لكم! في العام 2000 تأكد عماء الصحافة الاميركية عندما راحت تكيل المديح للشركات المتفلتة من القيود امثال اينرون. بعد ثلاث سنوات، خلال حرب العراق، استلحقت نفسها لتصبح في منتهى الصفاء حيث راحت تلوح "بأسلحة الدمار الشامل" [2] التي لم يعثر عليها. كمامات للعين امام تجاوزات اصحاب النفوذ وثرثرة لتمرير مشاريع السلطة: هذه هي الصحافة المعاصرة! "الخبر ليس في ان يعض الكلب الرجل وهذا ما يحدث كل يوم بل الخبر هو يوم يعض الرجل الكلب". طلاب معاهد الاعلام حفظوا عن ظهر قلب هذا الدرس "المنطقي". لكن الصحافة لا تمارسه بانتظام. فحر الصيف وازدحام السير في عطلة نهاية الاسبوع كما الثلج في فصل الشتاء اخبار تملأ الاذاعات وشاشات التلفزة. في المقابل، اختفت الحياة العادية للناس العاديين وكذلك الاستغلال الذي يعانونه والمعراك التي يخوضونها [3] . لم تكن الامور دائما على هذا المنوال. في الماضي كان الصحافيون يحسنون الكتابة واجراء التحقيقات في هذه المواضيع. ولا يكتفون كما اليوم بالبيانات المدبجة الصادرة عن ادارات الشركات او الفاكسات التي يتلقونها من الشرطة وقضاة التحقيق. في الولايات المتحدة يرتبط هذا العصر الذهبي بتسمية “ muckraking ” وهو تعبير يمزج بين كلمتي "ترب" (التراب العضوي) و"المجرفة" (أداة لتحريك التربة). فالقلم هو هذا المحرك لترب المتجمع في أسفل السلم الاجتماعي بفعل المساؤ التي يرتكبها عديمو الوجدان المتميزين من المجتمع الراقي. وكان القلم يتعرض للاسياد وليس لمن يقاومونهم. وكان أمام الصحافة عمل كثير في بلد كان يصفه هنري جايمس منذ قرن مضى بأنه "فردوس كبير للسطو تجتاحه كافة النباتات السامة التي تولدها شهوة المال". مئة عام! كم ينقضي الوقت بسرعة. كان الصحافي راي ستانارد بايكر يهتم بموضوع القطارات مع انها لم تكن تتأخر عن مواعيدها. لكن خلف القطارات كانت هناك الاحتكارات. وفي كانون الاول/ديسمبر من العام 1905 خصصها بتحقيق من خمس حلقات يظهر نفوذها المفرط. فشركات سكك الحديد مملوكة في الغالب من مصارف نيويوركية وعائلات ثرية و"بارونات لصوص"، آل مورغن وآل روكفلر. وفي تلك الفترة كان موقع محطات القطار واسعار النقل تقرر اسعار المواد وازدهار المدن. شركات سكك الحديد قادرة على تسهيل اعمال بعض الشركات ودفع غيرها الى الافلاس، التحالف فيما بينها لرفع الاسعار ورشوة النواب للحصول على الاستثمارات والدعم او للمضاربة في العقارات والتلاعب بحساباتها الخاصة تهربا من الضرائب. كانت الدولة قزما الى جانبها، تتلاعب بها كما تشاء. بعد ان يصف باسلوبه الجميل والتعليمي والسياسي الشكوك المريبة التي تنخر هذه الصناعة وانحلال عالم كانت "كلمة الرجل" فيها تساوي شيئا، يصل راي ستانارد بايكر الى الخلاصة التالية: "ان نظاما ينتج هذا القدر من انعدام الاستقامة هو نظام سيء من اساسه" [4] . وهو يبدي هنا رأيا دون ان يتذاكى بل يأخذ موقفا ويخوض معركة. في العام التالي صدر قانون ينظم قطاع النقل في سكك الحديد. وقد اختار الرئيس تيودور روزفلت اهون الشرور ليفرضها على صناعيين عديمي الرؤية بحيث لم يفهموا ان القانون يحميهم من الاسوأ: "لا يفكرون الا في المدى القصير عندما لا يدركون ان معارضتهم للقانون تزيد من الضغوط في سبيل تأميم سكك الحديد" [5] . ذلك ان الاشتراكية كانت رائجة. وهكذا فان تحقيقات صحافي مقاوم والخوف من الثورة أرغمت الحاكمين ان يتنازلوا رغما عنهم عن فتات بعض سلطة لم يكن لهم فيها منازع حتى الآن. عندما يعرض لعذابات الاطفال يخشى الصحافي أثارة الشفقة بأهون السبل. لكن صاحب المقالات التي نشرتها مجلة "كوسموبوليتان" حول هذا الموضوع عام 1906، ادوين مارخام كان قبل كل شيء مدرسا وشاعرا. وتحت تأثير لوحة لجان فرنسوا مييه بعنوان "الرجل حامل المجرفة"، بدأ تحقيقا حول البالغين الصغار الذين يعملون احيانا حتى 14 ساعة في اليوم. وبين 1880 و1900 تضاعفت الظاهرة ست مرات حيث الصناعة كانت في عز ازدهارها وتحتاج لجميع الايدي المتوفرة. فالصغار يترعرعون اذن وسط "صراخ غيلان المصانع"، "تصم آذانهم اصوات الآلات المتدفقة دون انقطاع". يسأل مارخام: "لماذا لا يعرفون الراحة ولا اللعب ولا التربية، لا شيء سوى سحق الحياة الاسود؟ هل نصبح جميعا عراة مرتعشين؟ لا، فعنابرنا لم تكن يوما مليئة الى هذا الحد بالكلأ والحديد". اذن؟ اذن "فان العديد من رأسماليي انكلترا الجديدة نقلوا آلاتهم ومشاغلهم الى الجنوب ليكونوا أقرب الى القطن ومجاري المياه وايضا، يا للعار، الى العمل البخس الثمن تقوم به اصابع الاطفال. ان كارولينا الجنوبية تنسج القطن كي ترتدي ماساشوستس الحرير". بعد قرن من الزمن تغيرت هذه الجغرافيا اذ بات نقل مواقع الانتاج يتجاوز الحدود الوطنية. كما تفعل شركة "نايك" طبعا ولكن ايضا بيجو وسان غوبان وجنرال الكتريك. المطلوب شركة اتصالات بريطانية ها هي تقيم في الهند، او المفضل فرنسية فاهلا بالسنغال ـ بانتظار بلدان أقل كلفة بطبيعة الحال. يصار اللجؤ الى العمال المهاجرين الذين يمكن استغلالهم الى اقصى حد بسبب وضعهم غير القانوني. والى السجناء الذين يعملون في حجز المقاعد في رحلات الطيران التجاري. ويتابع ادوين مارخام قائلا: "يقال لنا ان على المصنع ان ينتج الارباح والا اعترض اصحابه. مجلس الادارة ينتقد المدير الذي يعنف رئيس العمال الذي ينهال بدوره على العمال. طويل السوط الذي يلدع طرفه ظهور الاطفال. كيف نتفاجئ بعد ذلك ان تدر مصانع القطن ارباحا تصل نسبتها الى 25 و35 وحتى 50 في المئة سنويا؟ نعم يا اسيادي انه من المربح طحن ظهور الصغار وتحويلها ارباحا. ألغوا عمل الصغار وننصرف من هنا، هذا ما يهدد به عادة اصحاب المعامل وانصارهم في اروقة البرلمان. وللاسف نعيش ضمن حضارة ينفع فيها هذا الصنف من الايتزاز". عمر هذا المقال مئة عام لكن كيف لا نتذكر ونحن نقرأه سياسيينا من النيوليبراليين المدافعين اليوم عن خفض الاجور كدواء خيالي لما يسميه الان مينك "الافضلية الفرنسية للبطالة". ولما لا نضمن لائحة الغيلان الجدد في الحقل الاجتماعي هؤلاء الصحافيين الاقتصاديين المشدودين الى اسعار البورصة والذين يبررون كل "أصلاح" أي كل تراجع باسم التنمية و"كلفة العمل" والمنافسة و"العولمة" [6] . يعيدنا دائما موضوع الصحافيين الملتزمين اجتماعيا الى ابتون سنكلير والتحقيق الذي اجراه عام 1906 حول الظروف الكريهة للعمل في مسالخ شيكاغو والى نصوص جاك لندن حول "ناس العالم السفلي" والى مقالات جون شتاينبك في صحيفة San Francisco Examiner حول معسكرات المهاجرين الى كاليفورنيا. ان المسالخ والمصانع وناس العالم السفلي هجروا اليوم الاحياء التي يقطن فيها الصحافيون الذين لا يهتمون الا لمصير الطبقات الوسطى العليا بحيث ان الصحافة الشعبيية والاعلام الثوري زالا من الوجود. اما اعلانات دورياتهم فتتوجه الى اصحاب المداخيل الكبيرة. في العام 1962، اشار مايكل هارنغتون في كتابه "اميركا الاخرى" الى ان "أهم ما في الفقراء انهم محجوبون عن الانظار". الاعلام يساهم ايضا في احتجابهم. يوم كان شتاينبك يروي المآسي الفردية كان يشدد على انها جزء من تاريخ جماعي: "بعض المهاجرين يتدبرون امورهم افضل من غيرهم بقليل والبعض الآخر يعاني اوضاعا اسوأ. اذا اقدم رجال على السرقة وكبر الحقد في نفوسهم على من يرتدون الثياب الجميلة والراضين عن احوالهم، فلا تفسير لموقفهم هذا في اصولهم او اطباعهم السيئة". اما اليوم فلا احد يعير الامر اهتماما ويكتفى بالاشارة المستنكرة الى "الدوافع السوسيولوجية" وراء هذه الصحافة الملتزمة صراع الطبقات. لكن هل يمكن انكار صراع الطبقات هذا في الواقع الاميركي، في تشرين الاول/اكتوبر 1934، يوم نشرت صحيفة "نيويورك بوست" اقوال احد عملاء ارباب العمل الذي بعد ان أمن 6 آلاف من قطاع الطرق لاحدى شركات سكك الحديد، يوضح متلاطفا: "لدينا 2500 بندقية والكثير من الذخيرة. تحطيم الاضرابات ليس سوى احدى اختصاصاتنا ونركز الآن على الوقاية بأن نعيد الثقة للعمال المحافظين لنقضي على مصداقية المتطرفين ومثيري الاضطرابات". ما تزال تلك المهمة ضرورية لكن الصحافيين يضطلعون بها اليوم. كانت قوادة الدعارة على نطاق واسع والمستظلة تمثال الحرية تشكل جزءا من مكونات الترب الاميركية. وفي العام 1909 اجرى جورج كيب تحقيقا حول الموضوع تبدأ الاثارة من عنوانه الطويل، "بنات الفقراء او القصة البسيطة لنمو نيويورك كمركز عالمي لتجارة الرقيق الابيض بمساعدة البلدية"... تم تشكيل لجنة تحقيق كان جون د. روكفلر عضوا فيها. فأوصل عمل الخير واعمال الرعاية والاخلاقيات الى اعادة تبييض صفحة هذا الصناعي الذي كان تحقيقا آخر قد شرّح مكره وجشعه. كانت تلك المسألة على الارجح بمثابة واترغيت المرحلة واحدى سلسلة مقالات "التحقيق" الاكثر شهرة في حينه. يطلب من الصحافيين اليوم مزيدا من الاختصار. ايدا تاربل نشرت 18 مقالا حول "تاريخ ستندارد اويل" صدر الاول في تشرين الثاني/نوفمبر 1902 والاخير ... بعد عامين. وختمت تحقيقها كما يلي: "وصل السيد روكفلر الى مبتغاه بالقوة والاحتيال. وبدل ان تثير هذه الوسائل الاحتقار كانت محط اعجاب متزايد. ان في هذا شيء من المنطق: مجدوا النجاح في مجال الاعمال ويتحول الناجحون أمثال اصحاب الستاندارد اويل الى ابطال وطنيين". منذ عامين كانت الصحافة الفرنسية تمتدح ميشال بون وجان ماري ميسيه دون نسيان عمليات الخصخصة والدمج المصرفي التي عادت عليه بدعاية مالية هائلة [7] . في الوقت نفسه كانت مجلة Columbia Journalism Review تسأل الصحافة الاميركية: "من يلعب اليوم دور ايدا تاربل ليدفع باتجاه تحقيقات حول تكتلات الشركات الجديدة كما في العام 1900؟ من يلعب هذا الدور في وقتنا هذا الذي من يقوموا فيه مقام ستاندارد اويل هم الشركات الاعلامية الكبيرة التي تؤمن لنا الوظائف؟" [8] .
[1] Ellen Hume, “ Why the Press Blew The S&L Scandal, The New York Times, 24 mai 1990. [2] تميزت صحيفة "نيويورك تايمز" في هذا المجال. اقرأ Russ Baker, “ ‘Scoops’ and Truth at the Times ”, The Nation, 23 juin 2003 [3] في فرنسا وفي العام 2001 فقط توفي 257 أجير وتعرض 9829 للتشويه في خدمة شركات الاشغال العامة والبناء وعلى رأسها صاحب محطة "ت أف 1"، السيد بويغ. وقد كرست صحيفة "لوموند" مقالا واحدا لهذا الموضوع. بين 1996 كلف بناء خط القطار السريع نحو المتوسط عشر عمال حياتهم. طوال السنوات الخمس لم تجري "ت أف 1" او "لوفيغارو" او "لوموند" او "لونوفيل اوبسرفاتور" اي تحقيق حول المسألة. نفق المانش اودى بحياة 9 عمال لكن لا اشارة في اخبار محطة "فرنسا 2" (المصدر La Guerre sociale ”, PLPL n°13). [4] Judith and William Serrin, “ Muckraking ! The Journalism That Changed America ”, New Press, 2002, p. 157 [5] Howard Zinn, Histoire populaire des Etats-Unis, Agone, Marseille, 2002, p. 399. [6] في 1993، قال الوزير الحالي المكلف شؤون الحريات المحلية، السيد باتريك دافيديان، في تقرير برلماني: "يمكن الرثاء لبؤس العالم الثالث ومنعه من التطور باستخدام هذا البؤس كورقة رابحة"ز يستعيد هنا وجهة نظر شائعة في الصحافة الاقتصادية. اقرأ“ Enfants rois ”, Le Monde diplomatique, janvier 1995. [7] المصارف الكبرى ليست فقط شريكا ماليا في وسائل الاعلام الرئيسية. فلقد اعلنت مجلة "الاكسبرس" في 10/7/2003 ام رئيس ومدير عام مصرف "كريدي ليونه" دخل الى مجلس الرقابة على المجلة "من أجل تأمين استقلاليتها". [8] Columbia Journalism Review, New York, mai-juin 2001.
|