مقالات > آب/اغسطس > 2003

كريستان دو بري

يوميات مسافر عبر القارة العجوز

كيف يروى التاريخ للأوروبيين؟

يواجه الاتحاد الأوروبي، بعد أن توسع خلال نصف قرن ليزيد عدد أعضائه من ستة الى ستة وعشرين، بعض الصعوبات في إيضاح وحدة المصير التي ستضفي عليه شرعيته. فقد زعم مدبجو مقدمة "الدستور" العتيد أنهم "واثقون من أن شعوب أوروبا، مع احتفاظها بفخر بهويتها وبتاريخها الوطني، قد قررت أن تصنع مصيرها المشترك". لكن هل يمكن إرساء اتحاد بدون الاستناد الى ذاكرة جماعية مشتركة؟ وهل يمكن لكل بلد أن يحافظ على نظرة عرقية الى الماضي ويخلد تأليه الأبطال لدى الشعوب للمجاورة، وهم في الغالب الجزارون (نابوليون) أو الضحايا (جاندارك)؟ وكيف يروى التاريخ عبر القارة الأوروبية في المواقع التاريخية التي يؤمها ملايين الأشخاص؟

إن من يتجول من مدينة الى مدينة [1] في سعيه الى الاستطلاع، كسائح حيادي وفضولي، في بعض دول الاتحاد الأوروبي، يواجهه في كل مرحلة السؤال التالي: كيف يروى التاريخ في اوروبا للأوروبيين؟ فالمتاحف والصروح والقصور والكنائس والضرائح والنصب هي من الكثرة بحيث يتطلب الأمر حكماً خياراً اعتباطياً أو هادفاً. وإذا ما استبعدت المتاحف المخصصة للرسم [2] واستثنيت تلك المخصصة للفنون والتقاليد الشعبية يفترض التعمق في كتب "الدليل السياحي" حيث يمكن أن تكون النتيجة مفحمة.

****

من الملوك الطغاة الى الأباطرة المنتفخين الى الأمراء والأساقفة المخاتلين، الى الديكتاتوريين الدمويين، كل هؤلاء يرهقون التاريخ الأوروبي بحروبهم المتجددة، التوسعية منها والوراثية والسلالية والدينية والوطنية، وفيها دفعت الشعوب إتاوة رغبتهم في النفوذ. وهم إذ انتشوا بمجدهم تركوا في اوروبا كلها آثار اللغة الرمزية للسلطة المشتركة فيما بينهم، من تماثيل الخيّالة الى أقواس النصر الى الأسود الرخامية والشموس المذهبة والسيوف اللامعة، الى الجرار والفسقيات التذكارية والشياطين والآلهة المرعبة. ومع ذلك يستمر تبخير ذكراهم العطرة وربما يحظى أسوأهم بالأفضل في هذا المجال، وتمجد إنجازاتهم الحربية على حساب جيرانهم، حلفاء اليوم، في تلك الصروح والقصور الشاهدة على ما حالات جنون العظمة المدمرة التي أصابتهم، وحيث يتقاطر في مواكب مستمرة سليلو ضحاياهم.

*****

ولاعطاء فكرة واضحة يكفي اثنان من بين المواقع الكثيرة، هما شونبروم وبوتسدام على مداخل فيينا وبرلين. فالأول الذي كان مقراً صيفياً لعائلة هابسبورغ من العام 1700 الى العام 1918 يقدم إلينا على أنه في آنٍ معاً "رمز عظمة الأمبراطورية النمساوية" و "موقع فاتن لأنس الحياة العائلية". وقد تعاقب عليه، في غرفه الـ1440 وروضته الباروكية الفسيحة، من جوزف الأول الى شارل الأول، مروراً بماري تيريز وجوزف الثاني وفرانسوا-جوزف (حكم 68 عاماً)، سلالات من الطغاة [3] لا يذكر عنهم سوى تعلقهم بالفنون واهتمامهم بالحدائق وشغفهم بالأعياد العائلية أو بالتأمل الهادئ.

اما بوتسدام، عاصمة ملوك بروسيا، فقد بنيت بشكل مصطنع في القرن السابع عشر على أراضي الصيد الخاصة بآل هوهنزولرن عائلة النهابين المرعبة، من فريديريك الاول، الملك الرقيب، الى غليوم الثاني، الجزار ما بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة من عمره. هنا يستثار إعجابنا بمدينة "جمّلها" "الملك الكبير" فريديريك الثاني "حامي الفنون والآداب" وحيث شيد قصر(Sans-Souci) "طرفة الزخرفة الألمانية" ليستقبل فيه "أصدقاءه الفلاسفة والعلماء". هكذا تطمس صورة الأمير المزاجي، الاحترابي العديم الرحمة الذي أدمى شعبه بتجنيده بالقوة في حروب النهب.

*****

وللمفارقة فان الملكيات الاسكندينافية تبدو أكثر صراحة حول الماضي الملكي للجمهوريات الجرمانية.

فمن المعروف أن "الدين يعني الحرب"، كحرب الثلاثين عاماً التي مزقت أوروبا ما بين 1618 و1648 وبلغت فيه أشكال الحقد والمجازر الذروة مرفوعة "لمجد الله الأعظم". وأحد جزاري تلك الحقبة ملك السويد البروتستانتي غوستاف أدولف الذي في حربه ضد نسيبه الكاثوليكي سيجيسموند ملك بولونيا، باسم الايمان الالهي لكن في خدمة الطموحات الدنيوية طبعاً، بنى على جناح السرعة سفينة حربية ضخمة أسماها "فازا"، ارادها ان تكون أفضل ما ضم أسطوله. وقد بالغ من حوله من الممالقين في علوها وفي تزويدها بالمدافع لدرجة أنها غرقت بما عليها منذ إبحارها الأول في 16 آب/أغسطس عام 1628 بمجرد ان سارت حوالى مائة متر.

وفي بلد حيث الانجذاب الى البحر وعلومه اعتبر منذ أيام الفايكنغز طبيعة ثانية، لم تكن المرحلة مجيدة جداً. والكثيرون يجهدون لتناسيها، أما السويديون فلا، وقد كلفتهم هذه النزوة ثروة، كما كلفتهم ثروة أخرى لانتشالها من وحول القعر بعد 333 عاماً لتأهيلها ومحاولة إعادتها الى وضعها الأساسي في متحف ستوكهولم الذي يحمل اسمها. وليس ذلك فقط من أجل التدليل على المآثر التقنية لدى الذين عملوا على انتشالها ولا لأثارة الفضول حول روعة سفينة فريدة من نوعها. بل أن الفرصة هذه انتهزت لرواية وقائع تلك الحقبة، من مسؤولية الملك وحاشيته العديمة الكفاءة، الى ظروف حياة البحارة بالمقارنة مع رؤسائهم الى العقوبات البربرية التي يكابدونها الى أضرار الحرب حين يعلم أن ثلثي المقاتلين ما كانوا يعودون الى ديارهم وأن الثلث كان يموت في ساحة المعركة وثلث آخر من الاصابة أو المرض، ثم الاستعانة بالمرتزقة الذين لا إيمان ولا قانون لديهم من فرنسيين واسكوتلنديين وألمان، الى إصلاحيات الأولاد، وأخيراً الى الفارين من البحارة الأحداث الذين كانوا يساقون الى الأشغال الشاقة على جزيرة "ريدارهولمن"...

*****

الزمن: 24 تموز/يوليو عام 1943: قائد سلاح الجو مارشال هاريس، القائد الأعلى للـ"بومبر كوماند" التابعة لسلاح الجو الملكي، الملقب بـ"بومير هاريس"، وهو المحمي من ونستون تشرشل، يطلق على هامبورغ، المدينة الثانية والمرفأ الأول في ألمانيا، أول عمليات القصف المرعب المنظم. وقد دامت العملية "غومورهي" (أي عمورة باسم المدينة التوراتية التي أحرقها الله بالكبريت) عشرة أيام وسقط فيها 55000 قتيل مدني تم إحصاؤهم ودمر نصف المدينة. وكانت تلقى فيها، بواسطة دفعات متتالية من القاذفات البالغ عددها ما بين 300 و1000، أميركية نهاراً وبريطانية ليلاً، آلاف الأطنان من القذائف الفوسفورية المحرقة، أسلحة الدمار الشامل في ذاك العصر، مولدة رياحاً تصل سرعتها الى 300 كيلومتر في الساعة، وتبلغ الحرارة بعدها 1000 درجة. فكانت عاصفة من نار، شكلت سابقة في الحرب، تشعل إسفلت الشوارع وتقذف السيارات والأشجار المقتلعة في الهواء الملتهب، وتخترق الأرض الى الملاجئ لتحرق، وهم احياء، من التجأوا اليها وتجعل مياه قنوات المدينة البالغ طولها كيلومترات تغلي بمن اعتقدوا أنهم وجدوا فيها الخلاص.

فتحطيم معنويات ونفوس مقاومة المدنيين الألمان عبر عمليات قصف مكثفة، عشوائية، في 60 منطقة مدينية رئيسية، كان هو الهدف المعلن من جانب "الارهابيين" الحلفاء وكان يفترض أن يضع بسرعة حداً للحرب. وبالرغم من الفشل الواضح في هذه الاستراتيجية التي ولدت ردة فعل معاكسة، فقد تواصلت بشراسة حتى النهاية وبدون أن يحاسب عليها أبداً القائمون بها الذين عوملوا كأبطال. وعشية الاستسلام الألماني، ليل 13-14 شباط/فبراير عام 1945، كانت درسدن بكنوزها الثقافية التاريخية آخر المدن الناجية من القصف والتي لا أهمية عسكرية لها وقد اكتظت بعشرات الآلاف من اللاجئين، فتم محوها تحت وابل من القنابل وأعاصير اللهب التي أودت بما يزيد عن مائة ألف ضحية.

ما من نصب تذكاري لشهداء سكان همبورغ، اللهم تمثال القديس نيقولا، الذي يتجاهله الدليل السياحي، محشوراً في أسفل جدران أنقاض الكاتدرائية، حيث تذكر المأساة دونما كبير اهتمام. ونبدي استغرابنا لحارس المكان حول استمرار هذه رقابة الذاتية في ألمانيا بعد ستين عاماً على ضحاياها هي في الحرب. فإذا الرجل العجوز الذي شاهد وهو ولد احتراق المدينة على بعد كيلومترات حيث قضى بعض أفراد عائلته، يبوح قائلاً: "أنتم ترون أيها السادة، نحن لا نستطيع ذلك. فنحن مسؤولون جماعياً عن موت 25 مليون سوفياتي وخمس الشعب البولوني وستة ملايين يهودي، لذلك لا يحق لنا الكلام على مآسينا، فهذا سيكون... من نوع الوقاحة.".

هذا هو الموقف الذي يستشعر أساساً في برلين حيث ما يلفت في المتحف المؤثر الذي يروي تاريخها، منذ تأسيسه في العام 1237 الى يومنا هذا، هو التكتم على أعمال القصف المدمرة على يد الحلفاء واحتلال السوفيات المدينة تحت وابل من النيران التي اودت بحياة عشرات الآلاف من القتلى المدنيين دفناً تحت الأنقاض. ويبدو أنها ذاكرة انتقائية إذ ان بعض الأماكن في العاصمة تشهد على رغبة الألمان في عدم التهرب من ماضيهم النازي، من النصب التذكاري المرتقب لضحايا الابادة الى نصب معسكر الاعتقال الذي افتتح في العام 1961، في ساخشنهواسن في أوراننبورغ حيث قضى حوالى مائة ألف من المعتقلين مروراً بالنصب الخاص بالمقصلة، تذكاراً لتلك الليلة من عام 1933 حيث أحرق 20000 كتاب في ساحة "ببلبلاتز"، الى نصب الاضطهادات في "فانزي" في المكان نفسه الذي عقد فيه مؤتمر كانون الثاني/يناير عام 1942 وفيه تم وضع خطة "الحل النهائي" أو أيضاً المتحف اليهودي المؤثر الذي افتتح مؤخراً وحتى العرض الدائم حول "الغستابو" الذي سيحول لاحقاً الى متحف-مركز للمعلومات حول أعمال القمع النازية.

فهل سيأتي يوم نشهد فيه في الدول الأوروبية المسؤولة عن إبادة الهنود في القارة الأميركية، وعن الاتجار بسود افريقيا واستعبادهم، وعن أشكال الاضطهاد الاستعماري، أي الكل تقريباً، نشهد رفع النصب التذكارية للـ"رعب الأبيض"؟

*****

في كراكوفيا، في ساحة السوق، جو من البهجة الطفولية على وجوه الناس على طرفي سوق القماش، جالسين حول الطاولات في مقاهي الأرصفة أو متجولين عائلات عائلات حاملين الأعلام الصغيرة بأيديهم يتابعون العرض الغريب الفوضوي والبائد قليلاً يعبر المكان تتقدمه الأبواق. إنه يوم عيد وطني، عيد "الدستور"، لا الدستور الحالي بل دستور 3 أيار/مايو عام 1791، الاول في أوربا على الاطلاق، رمز الشرعية منتصرة على الاعتباطية. فأن تعيد دولة انتصار القانون بدلاً من انتصار جيوشها على جيرانها يشكل أساساً مفاجأة. أما أن تكون هذه الدولة بولنيا فهذا يكتسب دلالة أخرى. فهي بعد أربع سنوات على قيام الدستور فقدت استقلالها فقسمت مجدداً قبل أن يتقاسمها جيرانها الأقوياء، أي النمسا وبروسيا وروسيا. ولكي تستعيد هذا الاستقلال، وبغض النظر عن مرحلة 1918-1939، لزمها قرنان من الثورات والكفاح المسلح ومقاومة المحتلين، سلمياً وعسكرياً، مما كلفها ملايين الضحايا (6 ملايين قتيل في الحرب العالمية الثانية). قبل أن تنضم، دونما حماس، الى الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن لشعب صمد في وجه كل محاولات الغائه الا أن يكون على الرحب والسعة.

*****

إن الصالة المستديرة الكبيرة الفخمة المفتوحة في الـ"مويزي" مقر المجلس الاستشاري لحكومة مقاطعة لينبورغ، حيث وقعت في 7 شباط/فبراير عام 1992 معاهدة ماستريخت، لا تجتذب الحشود. تتجول في المكان وحيداً وبحرية بدون أي معلومات سوى ما يعطى لك عن طيبة خاطر تماماً... حول طريقة عمل الحكومة المحلية. أما المعاهدة؟ وأي معاهدة؟ هي واحدة من المراحل التي أثارت جدلاً حول البناء الأوروبي ولم تترك أي أثر ثابت في ذاكرة المقيمين في المكان. وسط المدينة الساكن المتجدد بعد ترميمه، المجهز بالأبنية المجددة وبالحدائق المنسقة جيداً المليء بالحوانيت الفاخرة ينتظر زواراً من نوع آخر. وذلك دون الالتفات الى ماضيه المثقل بالأحداث. وعلى كل فان الحقيقة هي أن الفرنسيين بعد الاسبان لم يتركوا فيها ذكريات طيبة. فبعد أن احتلتها في العام 1673 جيوش لويس الرابع عشر والكابيتان الغاسكوني "دارتاغان" الذي قضى فيها، سقطت المدينة مجدداً في قبضة جيوش لويس الخامس عشر في العام 1748 بعد معركة سقط فيها 8000 قتيل لتلحق بالمملكة وتضم في النهاية الى الجمهورية، ثم الى الامبراطورية في العام 1815. ثم جاءت زيارة الرئيس فرانسوا ميتران والمفاوضات الشاقة حول المعاهدة.

*****

لقد بنت اوروبا، ما بين القرنين الثامن عشر والعشرين قوتها الصناعية على الفحم الحجري، المصدر الأساسي للطاقة قبل أن يحتل النفط مكانه ويتوقف استغلال معظم مناجم الفحم الحجري التي بدأ اقدمها قبل ثمانية قرون. إنها حالة منجم بلينيي في بلجيكا قرب لياج والذي اغلق في العام 1981 ليحول الى متحف أثري صناعي حيث قدامى عمال المناجم يقومون بدور الدليل السياحي للزوار. فهنا كما في كل مكان آخر لم يكن الفحم هو مادة الاستغلال الوحيدة. بل أولاً وبنوع خاص "الوجوه السوداء" تلك الصور التاريخية عن ظروف حياة العمال. استغلال وحشي يشبه الاستعباد في عمل قاس الى درجة لا يمكن تصورها على عمق عشرات بل مئات الأمتار تحت الأرض في الظلمة الضاغطة وسط الغبار الذي لا يمكن تنشقه والحرارة أو الرطوبة وضجيج العربات المرعب ومعاول الحفر والحفارات أو والكومبرسورات وضيق الأنفاق التي يتم العمل فيها والخطر الدائم بالتعرض للانهيارات أو الغرق أو الاختناق أو انفجار الغازات وشبه تأكد من الموت البطيء بالتعرض لداء التصون الرئوي قبل الخمسين من العمر.

كان العمل يستمر ليلاً نهاراً مقسماً على مجموعات تعمل ثماني ساعات، بأجور زهيدة، على الطن المستخرج، لحساب أرباب عمل ما همهم أبداً الا زيادة معدل الانتاج ويرفضون احتياطات السلامة المسبقة تفادياً لأي حادث او كارثة. وقبل أن تعدل التطورات الآلية المؤخرة من ظروف حياتها تعاقبت أجيال من عمال المناجم على هذا العمل اللانساني تقريباً دون التمتع بأي كرامة أللهم هذا التضامن الذي لا مثيل له يوطدونه فيما بينهم. ويتبين أن هذا كان مصير الأضعف بدءاً بالأولاد القاصرين الذين طالما فضلوا على غيرهم بسبب حجمهم الذي يساعد على الانسلال سواء في أنفاق القطع أم في الدهاليز الضيقة مقابل أجور على حجمهم البسيط.

وفي بلينيي لم يتوقف استخدام الأولاد بسن العاشرة الا في العام 1940 بعد أن حدد العمر وقتها بأربعة عشر عاماً... كما تم اللجوء الى العمال المهاجرين غير القادرين على الدفاع عن مصالحهم، أولاً من البولونيين في اوائل القرن التاسع عشر ثم من الاسبان والأتراك والمجريين واليونان... وأخيراً الايطاليين بعد العام 1945. خمسة وأربعون ألفاً منهم باعتهم حكوماتهم بكل وقاحة من الدولة البلجيكية بعد الحرب بموجب اتفاق مقايضة "الفحم مقابل اللحم البشري"، فمقابل مد بلاده بالفحم الحجري كان على المهاجر التركي أن يوقع عقد عمل إلزامي لمدة خمس سنوات في أحد المناجم البلجيكية، مقابل أجر زهيد جداً، إنما يؤمن له الغذاء والمسكن، وذلك في المخيمات القذرة التي غادرها السجناء الالمان. وقبل بناء أوروبا بلا حدود كان العمال المهاجرون يتجولون بسهولة أكبر من الرساميل، أما بعد ذلك فقد انقلب الوضع.

*****

هل نتصور متحفاً للطبقة العمالية؟ وهل ان من غرائب التاريخ القول بأن البروليتارية قد زالت قبل البورجوازية بدون أن يتم التنبه الى ذلك؟ هذه صدمة قاسية لمعنويات الثوريين. ولا بد من القيام بالزيارة، ذلك في كوبنهاغن، ولا يمكن أن تكون الا في الدولة الأكثر تطوراً اجتماعياً. لينين، تمثال عند الباب يرشد الفضوليين القلائل بيده الممدودة في اتجاه المدخل، يلي ذلك جولة تربوية براغماتية تتبع تطور ظروف حياة العمال الدانماركيين منذ البدايات حتى اليوم. وفيها يجري الاطلاع على كل شيء وصولاً الى التحسن التدريجي في المساكن التي أعيد بناؤها بحجمها الطبيعي. يجري الاطلاع على الكثير من الأمور من الهجرة الريفية الى البؤس الجسدي للعمال القتيان الذين كانت تتم معالجتهم حتى العام 1940 من مرض السل وضيق المفاصل، الى النضالات النقابية الى الجدل العاكس للخصومات بين الاصلاحيين والثوريين الى انجازات الحزب الاشتراكي الديموقراطي الحاكم منذ العام 1924.

تركيز لافت على تطور حقوق المرأة وعلى شغل عمال المرافئ الذين استخدموا في عشرينات القرن الماضي مقسمين على فرق من سبعة وكانوا يحاسبون على الطن (300 كيس بوزن مائة كيلوغرام الواحد يومياً على مسيرة خمسين كيلومتراً). يلي ذلك مقاومة اعتماد الأجر عل القطعة في صناعة خمسينات القرن الماضي وتزايد حوادث العمل التي رافقت التسابق على الانتاج ورفض الشبيبة العمالية في ستينات القرن الماضي النموذج الأميركي للانتاج "دائماً الأفضل وبسرعة أكبر"، ثم نقل المعامل مؤخراً والاستعانة بالمهاجرين اليوغوسلافيين والأتراك والباكستانيين من أجل التملص من المستويات العالية في الأجور وفي نظم الحماية الاجتماعية.

والنتيجة أنه إذا كان أرباب العمل يستقدمون البروليتاريين من امكنة أخرى أو ينتقلون لاستغلالهم في مواطنهم فلن يبقى أي دانماركي. ربما ولكن الى كم من الوقت؟ فالمتحف قد يعفو عليه الزمن قبل أت يفتتح ذاك الخاص بالبورجوازية الرأسمالية.

*****

كريستوف بلانتان، الكالفاني من مدينة تور الفرنسية فرّ من الاضطهادات الدينية ليستقر في أنفير في العام 1550 وينطلق في إحدى أكبر مغامرات عصره، الطباعة. فأسس داراً تحت اسم "كومبا دور"، مستعيناً بمهارة افضل الفنانين، ومشغل لصب السبائك والأحرف وقوالب النقش وقطع تنضيد الحروف لعمال الصف، وصالة لضغط القوالب ولعمال المطرحات (المطرحة لوحة لصف الحروف) وغرفة للمصححين وصالة عرض كتب حيث تعلق لائحة بالكتب المدرسية وقائمة بالمؤلفات المحظرة. وقد حقق هذا المطبعي نجاحات كثيرة في مجال الاصدارات منها كتاب التوراة بخمس لغات مما أمن له ثروة وشهرة في مجمل أوروبا. وإذ انفتح علىالفكر التجديدي لعصر النهضة فقد وزع نشاطه ما بين المؤلفات الدينية (بحسب مقتضيات العصر) والعلمية (علم النبات والفلك والطب...) والأدبية (ومنها لأورلاندو فوريوزو وداريوست) وكتب النوتات الموسيقية.

في أواخر حياته سقط عليه حرم ملك اسبانيا فيليب الثاني الكاثوليكي المتزمت، الذي اوكل الى دوق ألبي الجزار المختل عقلياً معاقبة المدينة لتماديها في التغاضي قبل أن يفرض رقابة صارمة منعت طباعة أي كتاب الا كتب التقوى. وبشيء من المواربة ومع إعطاء الضمانات للظلامية المسيطرة تمكنت دار بلانتان من الافلات من التدمير قبل أن يستلمها صهره "بالتازار موريتوس، الذي جهد كي يستعيد مشعل المعرفة مطوراً في الكثير من المجالات ومنها طباعة الخرائط ومستعيناً بموهبة صديقه روبنس كرسام كتب.

استمرت المغامرة على مدى ثلاثة قرون. وإذ بقيت دار النشر سليمة فانها تحوي اليوم متحفاً يستعيد المغامرة المدهشة لأصحابها "بلانتان-موريتوس". إنها الشهادة على أوروبا الثقافة والفن والعلم التي لم ترغب في الحدود السلطوية أو القومية أو الدينية، وتذكرنا بأن الرهبان المتنورين والمهندسين البناة والرسامين والموسيقيين والأدباء والفلاسفة والعلماء كانوا يجوبون القارة منذ القرون الوسطى.

فالسعي إذن الى الاطلاع على الذاكرة المشتركة لشعوب أوروبا يجب ألا يتم في أماكن تأليه الذين قمعوها، بل في الأماكن التي تروي تاريخ حياتهم الاجتماعية ومعاناتهم المعتّم عليها ونضالاتهم من أجل الحرية والعدالة. فهل من باب الصدف أن تكون الأماكن الأولى أكثر بكثير من الأماكن الثانية؟


[1] ميونيخ سالزبورغ فيينا براتيسلافا كراكوفيا براغ برلين كوبنهاغن ستوكهولم أوسلو غوتبورغ همبورغ ماستريخت لياج أنفير.

[2] ومها ما لا يمحي من الذاكرة مثل متحف بيناكوتيك في ميونيخ ومتحف كونستيستوريتشز وليوبولد في فيينا ومعرض غيمالد والوطني في برلين وستاتنز ميوزيوم فور كونست في كوبنهاغن ومونتش موزييت في اوسلو والمتحف الملكي للفنون في أنفير إضافة الى الكثير غيرها.

[3] ومنهم نابوليون الذي نزل فيه في العامين 1805 و1809.

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان