
جغرافية سياسية > كانون الثاني/يناير > 2004فيكان شيتيريانجنوب القوقاز: جيل سياسي جديد في الحكم ما هي ردة فعلك عندما تصوت ولا يؤخذ صوتك في الاعتبار؟ أربع عمليات انتخابية هذا العام، اثنتان رئاسيتان واثنتان تشريعيتان، هزت الجمهوريات القوقازية الثلاث، أرمينيا وأذربيجيان وجورجيا [1]. وقد أكد قسم كبير من الشعب كما أحزاب المعارضة والمراقبون الدوليون أن هذه الانتخابات شابتها بعض أعمال التزوير، مشككة بالتالي في نتائجها. لكن قلة منهم قد تنبهت الى أن الجيل الذي تولى السلطة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، سواء أكان المثقفون الوطنيون منهم (كما في أرمينيا) ام الطغمة التي تشكلت في العصر السوفياتي (كما في جورجيا وأذربيجيان)، قد أخلى الساحة امام جيل جديد، هو جيل الخصخصة. في الانتخابات التشريعية الجورجية التي جرت في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، دفع التزوير، بحجمه الكبير، المعارضة الى رفض النتائج الرسمية، بعدما جاء فيها حزب السيد ادوارد شيفاردنادزه في الطليعة، يليه حزب التجديد برئاسة حليفه السيد أصلان أباشيدزي، وإلى تنظيم المظاهرات اليومية. وبقدر ما كان يقترب موعد افتتاح الدورة الأولى للبرلمان الجديد كان المقربون من شيفاردنادزه يغيّرون مواقفهم، مثل مدير التلفزيون والاذاعة الرسمية، مفاقمين بذلك من عزلة الرئيس. في هذه الأثناء كانت المعارضة التي توطدت قد حركت الجماهير في جورجيا الغربية وحرضتها على السير الى تبيليسي. وقد سادت الخشية من أن تغرق البلاد مرة في الحرب الأهلية. لكن عندما دخل المتظاهرون بالقوة الى البرلمان خلال الجلسة الافتتاحية لم يبدِ المئات من رجال الشرطة المتمركزين هناك أدنى مقاومة. وقد أبعد السيد شيفاردنادزه حتى قبل أن يتمكن من إنهاء خطابه. فإذا هذا الذي هيمن على سياسة جورجيا على مدى ثلاثين عاماً، والذي حقق مجده الدولي كوزير للخارجية في عهد السيد ميخائيل غورباتشيف، يجد نفسه خارج السلطة وهو في الخامسة والسبعين من العمر. لكنه خلف وراءه إرثاً على شيء من التناقض. فعودته الى تبيليسي في ربيع العام 1992، بعد حرب أهلية دامية، أحيت الآمال في جورجيا. لكن سرعان ما غرقت البلاد في حرب جديدة مدمرة. فالجورجيون الذين دخلوا أبخازيا منوا بهزيمة واضطروا الى الانسحاب معيدين معهم الـ250000 جورجي المقيمين في ابخازيا. وعندها نجح السيد شيفاردنادزه في إقصاء المجموعات المسلحة التي كانت تعيث فساداً في جورجيا وفي اعتقال زعمائها من أمراء الحرب مثل السيدين تنجيز كيتوفاني وجابا يوسلياني. كما أنه عزز قوى الشرطة جاعلاً منها العمود الفقري للدولة. لكن فيما كانت البلاد تشهد بعض الاستقرار وفيما الاقتصاد بدأ انطلاقته في النهاية برزت المشكلات مجدداً. فمحاولتا الاغتيال اللتان تعرض لهما الرئيس شيفاردنادزه (في العامين 1996 و1998) على يد عناصر من الجيش الجورجي يشتبه في أنهما نفذتا بإيعاز من موسكو، إضافة الى الأزمة الاقتصادية التي أعقبت انهيار الروبل الروسي، كل هذا وجه ضربة قاسية الى حالة الاستقرار الجورجية. في أوائل تسعينات القرن الماضي شهد استقلال جورجيا بدايات صعبة. فالحكومة لم تتوصل الى إقامة بنية مركزية. وقد اضطر السيد شيفاردنادزه الى الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف التيارات السياسية كما مع بعض العناصر الاجرامية المسيطرة على بعض مناطق الدولة ومختلف قطاعاتها. إلا أن هذا التوازن أفلت من يديه في السنتين الأخيرتين مما أوقع البلاد في حالة شلل. فـ"الإصلاحيون الشباب" في فريقه الذين سيصبحون زعماء المعارضة، وهم انفسهم الذين أطاحوه، مثل الناطق السابق باسم البرلمان زوراب زافينيا ووزير العدل السابق ميخائيل ساكاشفيلي، تخلوا عن وظائفهم الحكومية احتجاجاً على دعم السيد شيفاردنادزه بعض الموظفين الفاسدين. وسرعان ما انضمت اليهم السيدة نينو بورجانادزي، الناطقة باسم البرلمان منذ اواخر العام 2001 والرئيسة الموقتة لجورجيا منذ 22 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وإزاء التظاهرات الضخمة التي جرت في تشرين الأول/اكتوبر عام 2001 نتيجة محاولة الشرطة إقفال محطة التلفزيون الشعبية "روستافي- 2"، صرف السيد شيفاردنادزه كل طاقم حكومته، وبينهم وزير الداخلية، السيد كاخا تارغامادزي. ومذاك فقد وزير الداخلية المستضعف كل فعالية. وبالرغم من التفكك التدريجي في الدولة الجورجية أصر الرئيس على التمسك بالسلطة. وحول هذا يوضح المحلل السياسي غيا نوديا قائلاً : "إن شيفاردنادزه، على غرار غورباتشيوف وعلييف، هو مناور بارع. لكنه لا يأخذ في الاعتبار انعكاسات تصرفاته على المدى الطويل." والمعارضة التي اطاحت السيد شيفاردنادزه تمثل الفريق المستغرب من المجتمع الجورجي. والسيد ساكاشفيلي، رأس الحربة فيه، ومرشح المعارضة السابقة للانتخابات الرئاسية، هو محامٍ في الخامسة والثلاثين درس في الولايات المتحدة. ويجسد في المجتمع المدني الجورجي اولئك الذين يريدون التخلص من البيروقراطية وحالة الجمود الموروثة من العهد السوفياتي، ويطمحون الى إدخال جورجيا الى الأسرة الأوروبية. وقد استفادت الانتفاضة من دعم الحكومة الأميركية، ثم من دعم الاتحاد الأوروبي، لكن سيكون عليها مواجهة العديد من العقبات، إذ يجب عليها أن تعمل على تحسين العلاقات مع الجار الشمالي، وأن تتعامل بلباقة مع النزعات الاستقلالية الاقليمية القديمة المتجددة. ففي ما مضى مزجت تبيليسي في علاقاتها مع أبخازيا وجنوب اوسيتيا، ما بين المفاوضات والتهديد بالاجتياح، من دون التوصل لا الى تطبيع العلاقات ولا الى عمل عسكري جدي. ومن شأن وصول المعارضة الى السلطة ان يوتر العلاقات مع أدجاريا التي تتصرف منذ اوائل التسعينات ككيان نصف مستقل. غير أن التحدي الرئيسي للحكومة الجديدة هو في اقناع غالبية الجورجيين بصوابية مفاهيمها الغربية وإلا، فان انقسامات جديدة قد تظهر داخل المجتمع الجورجي. والأمر نفسه حدث في أرمينيا. ففي السنة التي سبقت الانتخابات سحبت رخصة البث من محطتي "نوجيان تابان" و"أ-1 بلوس"، المحطتين التلفزيونيتين الوحيدتين اللتين لا تخضعان لرقابة الدولة. وقد ركز الرئيس المرشح روبير كوتشاريان في حملته الانتخابية على إعادة إعمار البلاد والحفاظ على الاستقرار. وقد حظي بتأييد الجيش (مدير حملته الانتخابية كان وزير الدفاع السيد سيرج سركيسيان) وبتأييد الادارة ومديري الاقتصاد الأرميني الجدد الذين يسمون عادة "الأوليغارشيين". إلا ان السيد كوتشاريان، وتلك كانت المفاجأة الوحيدة في هذه الانتخابات، لم ينل نسبة الـ 50 في المئة اللازمة لاعادة انتخابه من الدورة الأولى واضطر في الدورة الثانية الى مواجهة ممثل اتحاد المعارضة السيد ستيبان ديميرشان ابن زعيم أرمينيا السوفياتية في عصر بريجنيف. وقد تميزت الانتخابات ببعض المخالفات وبتظاهرات المعارضة وبتوقيف بعض المعارضين، كما بانحياز وسائل الاعلام الى مرشح السلطة وباستياء المنظمات الدولية. ففي تقريرها خلصت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي قامت بدور المراقب، الى أنه كان هناك "بعد" شاسع عن الانتخابات وفق المعايير الديموقراطية. كما انتقدت انعدام الرغبة السياسية التي من شأنها ان تساعد في وضع نظام انتخابي [2]. والسيد كوتشاريان، الزعيم السابق لجمهورية جبال كاراباخ -غير المعترف بها- قد سلك طريقاً سياسياً طويلاًً. ففي 27 تشرين الأول/أكتوبر عام 1999 واجهت حكومته محنتها الأكثر خطورة، حين اقتحم خمسة مسلحين مقر الجمعية الوطنية الأرمنية وقتلوا ثمانية أشخاص بينهم رئيس الوزراء فاسكين سركيسيان والناطق باسم البرلمان كارن ديمرشان، قبل أن يستسلموا. وقد أثارت هذه المجزرة أزمة سياسية كبيرة في بلاد كانت، بعد عشر سنين من التراجع وبعد الزلزال المدمر في العام 1988 وبعد الحرب مع جارتها أبخازيا، تعد بشكل خجول بشيء من الاستقرار. فعندها دخلت أرمينيا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي هذه المرة. غير أن السيد كوتشاريان كان بارعاً في الايقاع بين معارضيه حتى نجح في إعادة سيطرته على البلاد. فخلال الانتخابات كان "الاستقرار" شعار المرشح الحاكم لكن الذي يقول بالاستقرار قد يقصد الاستمرار. والحال أن للاستقرار الموعود ثمناً. ففي حين ان حكومة الرئيس السابق ليفون تر بتروسيان اعتمدت على متطرفي حركة كاراباخ، فان حكومة السيد كوتشاريان اعتمدت على الجيش وعلى "الأوليغارشيين" الجدد. وبحسب بعض التقديرات فان ربع المقاعد في البرلمان الجديد المنتخب في أيار/مايو عام 2003 تعود لكبار زعماء الاقتصاد الأرميني الجديد [3]. وللغرابة فإن الحزب الشيوعي الأرميني(PCA) والحركة الوطنية الأرمينية (MNA)، أو المجموعات المنشقة التي نشأت بعد انفصالها عنها، لم تكن ممثلة في البرلمان. إذاً، حتى هؤلاء الذين حكموا أرمينيا في الأمس لم يعودوا يلعبون دوراً مهماً في الحياة السياسية في البلاد ولم يعد لهم حتى وجود في البرلمان. وكما كانت الحال في النظام السوفياتي فان السلطة السياسية تمسك بكل مفاتيح الموارد العسكرية والاقتصادية. وهكذا بمجرد ان يكون الحزب الشيوعي الأرميني أو الحركة الوطنية الأرمينية قد فقدا السلطة، فقد استبعدا في المناسبة من كل حق في توزيع الموارد الاقتصادية. وبناءً عليه لم يعد، لا الشيوعيون ولا الحركة الوطنية، قادرين على إعادة تحديد دورهم، فقد حرموا كل امكان لإعادة تشكلهم على الصعيد السياسي. وقد بدا أن البلاد شهدت حالة الاستقرار التي طالما وعد بها الرئيس. إلا أن وراء الظواهر، جرت بعض التغييرات. ففي هذه السنة أعلنت السلطة الأرمينية عن نمو اقتصادي تجاوز العشرة في المئة. لكن في كل الأحوال يبدو أن الجميع لا يستفيدون من الانفجار الاقتصادي. فإذا كان وسط يريفان يعج بالمطاعم أو بالمخازن الفخمة، وشوارعها بالسيارات المستوردة، فعند زيارة الضواحي، لا بل الأسوأ، عند زيارة المناطق الجبلية، يتولد شعور بالعودة في الزمن الى الوراء حتى لكأنك في عصر آخر. أما في أذربيجيان فيبدو أن انتخاب الهام علييف الظافر قد نظمه والده بكل عناية. فمنذ كانون الثاني/يناير عام 1999، وعندما بدأت صحة حيدر علييف بالتدهور، راح يعدّ ابنه لخلافته. فإذا هو يعين بسرعة "رئيس اللجنة الأولمبية" ورئيس وفد أذربيجيان البرلماني الى المجلس الأوروبي ونائب رئيس الـ"ييني" الأذربيجياني، أي الحزب الحاكم. ومع ذلك فان الأب والابن ترشحا كلاهما للانتخابات الرئاسية في 15 تشرين الأول/أكتوبر. ويبدو أن السيد حيدر علييف البالغ من العمر 80 عاماً والذي يحكم البلاد منذ العام 1969، راغب في التمسك بالسلطة الى أن يصبح عاجزاً عن ذلك جسدياً. ففي نيسان/أبريل عام 2003، وفيما هو يلقي خطاباً أمام أغرار الجيش، تعرض لذبحة وانهار ثم نهض ليتابع خطابه، قبل أن يتعرض لذبحة ثانية. فأخرج في النهاية لينقل الى مستشفى في شيفلاند في الولايات المتحدة. ثم عين السيد الهام علييف رئيساً للوزراء في 4 آب/أغسطس بمرسوم وقّعه والده في سريره في المستشفى فاتحاً بذلك الطريق لتسليمه السلطة. وسيرة حياة السيد الهام علييف نموذجية بما هي حياة ابن سياسي سوفياتي حاكم. فقد درس في "مجيمو"(MGIMO)، المدرسة الفضلى في العلاقات الدولية في موسكو قبل أن يعلم فيها. وما بين العامين 1991 و1993 أصبح "رجل أعمال" في اسطنبول حيث اشتهر بكونه مقامراً وزير نساء. وبعودة والده الى باكو تولى منصب نائب رئيس شركة "سوكار" وهي من احتكارات الدولة التي تؤمّن انتاج البترول، وحيث أشرف على العقود الأجنبية المربحة. ويوحي السيد علييف الابن بأنه رجل هادئ غير معدّ للمعارك القاسية في الحياة السياسية القوقازية. وهو في الواقع لم يخض اي تحد قبل الرئاسة مما حمل المراقبين على التساؤل هل سيحكم فعلاً أذربيجيان وهل سيكون المقربون من والده هم القادة الفعليين. وقد جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في 15 تشرين الأول/أكتوبر لتعطي 80 في المئة من الأصوات للسيد الهام علييف و12 في المئة لزعيم المعارضة السيد إيزا غامبار. اما الاحصاءات عند مداخل أقلام الاقتراع فقد أعطت من جهتها 46 في المئة من الأصوات للسيد غامبار و24 في المئة للسيد علييف. وقد أشارت التقارير الى عمليات تزوير كبيرة. وفي تلك الليلة هوجمت مكاتب حزب "المساواة" المعارض وقمعت الشرطة بشكل وحشي تظاهرة صغيرة ضمت ما بين 3000 و10000 شخص متسببة بمقتل أربعة من المتظاهرين. وقد اوقف سبعة من قادة المعارضة و200 من المناضلين [4]. وقد جاء موقف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي معتدلاً نسبياً حيث تكرر كلمة بكلمة تقريباً تقويمها للدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في شباط/فبراير [5]". والحقيقة أن الديبلوماسية الدولية مهتمة بإقامة بعض التوازن بين أذربيجيان وخصمها المجاور أرمينيا بغية تسهيل المداولات المرتقبة حول كاراباخ، أكثر منه بإقامة الديموقراطية في البلاد. وبالرغم من سخط مناضلي حقوق الانسان فان العواصم الغربية مثل واشنطن أو باريس قد انضمت الى موسكو في تهنئة السيد الهام علييف. ويرى إيفليان هاندرافا، المحلل السياسي الجورجي من الدرجة الأولى والمراقب في باكو، أنه يمكن تفهم موقف الغرب الذي يضع مبادئه جانباً لمغازلة قادة البلاد التي تمسك بالبترول في بحر قزوين، "لكن ما لا يمكن تفهمه هو ألا يبذل أي جهد لحماية أولئك الذين يناضلون من أجل الديموقراطية ومن أجل انتخابات عادلة". ثم يبدي خشيته من أن تسعى السلطة الجديدة في أذربيجيان الى القضاء على حزب المساواة. ففي الواقع أن الانتخابات قد عدلت في المشهد السياسي. فجهاز السلطة يتوطد حول شخص السيد علييف بدون ترك مجال لحركة احتجاج داخلية على سلطته. والعنف الذي تعرضت له المعارضة يمثل فعل ولاء للزعيم الجديد ويفضي عملياً الى التضحية بحزب المساواة. لكن لا توطيد سلطة علييف الشاب ولا وضع المعارضة هما أمران نهائيان. إذ يجب أيضاً انتظار اول أزمة سياسية لمعرفة هل ستصمد شرعية جهاز الدولة بعد وفاة علييف الأب، وهل سيبدي أحد الأقوياء في "معسكر ناخيتشيفان" بعض الطموحات الشخصية. أضف الى ذلك أنه حتى إذا انكفأ حزب المساواة بعد قمعه الى دور هامشي، فان المنشقين عنه سيلجأون الى العمل السري. ففي أذربيجيان كما في معظم الدول السوفياتية السابقة، يبدو أن للانشقاق مبرراته. فهنا أيضاً لا يستفيد من أموال البترول إلا الذين هم على علاقة بالمركز في باكو فيما سائر المدن تعيش من دون ماء ولا تدفئة. وإذا وجد الديموقراطيون الوطنيون انفسهم مستبعدين عن الساحة السياسية فان "نموذجاً" جديداً من الاسلام الراديكالي سوف يردم هذه الهوة. ويعبر السيد عريف يونوسوف، صاحب إحدى الدراسات الحديثة العهد عن الاسلام في أذربيجيان، عن مخاوفه: "قبل العام 1999 كانت الاصولية الاسلامية محصورة بالأقليات الاتنية في شمال القوقاز" المؤلفة بشكل أساسي من السنة، "وبعدها توسع الاسلام الراديكالي الى مجمل البلاد. فقد أصبح هناك 260 جامعاً يشرف عليها دعاة أصوليون". وفي خطبهم يتهم الاسلاميون الشركات النفطية بإفساد المجتمع. كما أنهم يستنكرون تأثير الغرب معتبرين أنه لا يشكل الدعم الأساسي وحسب للنظام الحالي، بل أنه السبب الرئيسي للانحطاط الأخلاقي في المجتمع. وبالرغم من نمو مداخيل الدولة بفضل صادرات البترول، يبدو أن ليس كل شيء يستخدم لتحسين وضع هذه الدولة الواقعة على بحر قزوين. ففي حزيران/يونيو عام 2002 قام سكان بلدة نارداران، المعروفة بذخائرها المقدسة وبتقواها، بحركة احتجاج على تردي وضعها الاجتماعي. فالبلدة لا يصلها الغاز ويبقى تزويدها التيار الكهربائي متقطعاً. وقد ردت السلطة بعملية قمع قتلت فيها أحد المتظاهرين وجرحت العشرات منهم، كما جرت أعمال توقيف عديدة ومذاك تقوم مراكز عسكرية بحراسة البلدة. وتتهم السلطة دولاً خارجية والأصوليين الاسلاميين أو حتى تنظيم "القاعدة" بأنهم المحرضون على هذه الاضطرابات. وكذلك في أيلول/سبتمبر عام 2002، تظاهر 2000 طالب في الأكاديمية العسكرية العليا احتجاجاً على ظروف عيشهم البائسة وعلى الفساد داخل المدرسة منذ أن انتقلت إدارتها من أيدي الأتراك الى الضباط الأذريين. وقد كشفت هذه الحركة حالة التوتر وانعدام الانضباط والجو المهلك السائد داخل هذه المؤسسة. وكما لاحظ بعض المراقبين فان هذه الحادث يؤكد أن عملية إصلاح البنى العسكرية في أذربيجيان بعد حرب كاراباخ قد "باءت بالفشل" بالرغم من دعوات زعماء البلاد الملحة، والذين يرون أنه يجب عدم استبعاد احتمال العودة الى الأعمال العسكرية لحل النزاع في جبال كاراباخ. بعد مضي شهر على الانتخابات وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر، طرد حزب المساواة من مقره العام وهو قصر كان استأجره في وسط باكو. وغداة ذلك أفرجت المحكمة العليا عن السيد أليكرام؟؟؟ علييف، الزعيم المعروف للحزب الاسلامي والذي اعتقل إثر أحداث نارداران وحكم عليه بعقوبة السجن لمدة طويلة. فهل أن السلطة ستلين موقفها تجاه المعارضة الاسلامية بينما هي تسحق المعارضة الوطنية؟ منذ عشر سنين كانت النزاعات الاتنية والاقليمية العنيفة تعصف بالمشهد السياسي في القوقاز. ومع ذلك فإن قضيتي كاراباخ او أبخازيا لم تحركا الناخبين في الانتخابات الأخيرة. أما الذي سيطر هذه المرة في الحملات الانتخابية فكان فساد الزعماء ورغبة المواطنين في التغيير. لكن منذ الاستقلالات لم تتغير السلطة في القوقاز عبر صناديق الاقتراع وهذا ما تأكد مؤخراً في تبيليسي، حيث أعمال التزوير هي التي تسببت بـ"الثورة السلمية" الجورجية. وكما حدث في جورجيا في الأمس، وعلى الأرجح في المستقبل، فان الرؤساء في كل مكان ينزعون الى التشبث بالسلطة مستخدمين مختلف الوسائل الادارية التي يمتلكونها، من اشراف العسكر على الانتخابات الى تحويل وسائل الاعلام الرسمية أداة دعائية الى "تصويب" النتائج. وبالتأكيد أن المجتمع الدولي ينتقد أعمال التزوير الكثيفة في الانتخابات لكنه ينتهي باستئناف العلاقات الطبيعية مع السلطات القائمة. اما المواطنون فإنهم لا يتمتعون لا بحقوق سياسية فعلية ولا بوسائل الضغط الضرورية للحصول على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. فبعد مضي عقد من الزمن على سقوط النظام السوفياتي لا تزال السياسة مملكة يرتع فيها قلة من أصحاب الامتيازات.
* صحافي، جنيف
[1] جرت الانتخابات الرئاسية الأولى في أرمينيا في 15 شباط/فبراير عام 2003. ثم أجريت دورة ثانية في 2 آذار/مارس تبعتها الانتخابات التشريعية في 25 أيار/مايو. أما في أذربيجيان فان الانتخابات الرئاسية جرت في 15 تشرين الأول/أكتوبر، وفي جورجيا أجريت الانتخابات التشريعية في 2 تشرين الثاني/نوفمبر. [2] بالنسبة الى تقرير منظمة الأمن والتعاون الأوروبي راجع: http://www.osce.org/odihr/documents... [3] اقرأ: Richard Grigorian, “Whose Interests do Armenian Oligarchs Serve?”, RFE/RL, Prague, 20 octobre 2003. [4] محطة ANS TV التلفزيونية، باكو، في 19/10/2003 [5] RFE/RL, Newsline، براغ، في 17،10،2003 وهذا ما حمل 188 مراقباً من "مؤسسة الديموقراطية في شرق اوروبا" the Institute for Democracy in Eastern Europe، أي ثلث أعضائها على تمييز موقفهم عن مواقف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في إعلان صدر في 18/10/2003.
|