
العالم العربي و الاسلامي > فبراير/ شباط > 2004موران رابابوراسرائيل وحريات المواطنين المهددة المحامي (العربي) مراد السنا، من بئر السبع، يعيش في حال من الخوف لأن قانوناً جديداً صدر يحظر عليه العيش مع عبير، زوجته الجديدة المحبوبة. ودان شيلون، مقدم البرامج الشهير (يهودي)، اضطر الى التخلي عن وظيفته في مكاتب الراديو تلفزيون الاسرائيلي لأنه لم يمرر الميكرو بالسرعة اللازمة الى أحد أقرب معاوني رئيس الوزراء أرييل شارون في أحد استوديوهات التلفزيون. أما السيدة فيكي كنافو، الأم المطلقة (يهودية) لطفلين، والمقيمة في ميتسبي رامون في اسرائيل، فقد خسرت 30 في المئة من مدخولها بفعل القرار المفاجئ للحكومة بسحب بعض المساعدات الاجتماعية [1]. الممثل والمخرج (العربي) الشعبي، محمد بكري لا يحق له أن يعرض فيلمه الوثائقي "جنين-جنين" في اسرائيل لأن المدعي العام يعتبر أنه يجرح مشاعر الجنود الذين شاركوا في المواجهات. وقد أصيب السيد جيل نعامتي، الجندي السابق (يهودي) بجرح بليغ بعدما كان هدفاً لرصاص قناص اسرائيلي خلال مشاركته في تظاهرة ضد تشييد الجدار في الضفة الغربية. أما السيد ناصر أبو القيان، وهو سائق (عربي) من بلدة عطير البدوية، فقد صرع برصاصة شرطي أطلقت على رأسه من قرب لأنه أبطأ لدى توقفه عند إشارة المرور في إنزال شباك سيارته. ميع هؤلاء الأشخاص غريب كلياً بعضهم عن الآخر. وما من عمل يقوم به أو قام به كل منهم في الحياة مرتبط بانشغالات الآخرين. فالسيدة كنافو لم تبدِ أبداً رغبة في مشاهدة فيلم "جنين-جنين"، وعلى الأرجح لم يسمع السيد أبو القيان أبداً بشيء عن دان شيلون. فهم كانوا يعيشون حيوات مختلفة في أماكن منفصلة داخل هذا المجتمع المنعزل اكثر فأكثر والذي تتحول إليه دولة اسرائيل. ومع ذلك فان عدداً من الاختصاصيين في العلوم الاجتماعية، بين مدرّسي الحقوق ومناضلين من أجل حقوق الانسان، يؤكدون أن هؤلاء ضحايا الظاهرة الواحدة، فاسرائيل "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" كما يقال، تفقد شيئاً فشيئاً ديموقراطيتها. هذا الواقع يعيشه 3.5 ملايين فلسطيني في الأراضي المحتلة، لكنه لا يوفر مواطني "اسرائيل القديمة" ما بين حدود ما قبل الـ1967. وعلى خلفية هذا الواقع هناك الانتفاضة الدامية وعملية قمعها وقد كلفتا منذ ثلاث سنوات حياة 900 اسرائيلي و2500 فلسطيني. وقد امتهنت بقسوة بعض الحقوق المدنية غير المتصلة مباشرة بالنزاع. وهذا ما يوضحه الاستاذ يارون هيسراحي، من قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية، والشخصية البارزة في الدراسات المتعلقة بحقوق الانسان، فيقول: "لقد انحاز الجمهور الاسرائيلي الى النظرة اليمينية القائلة بأننا في حالة حرب. والارهاب الفلسطيني يلحق الضرر بحضارة حقوق الانسان. ويطلب الى المواطنين التخلي عن العديد من الحقوق وأصبح الجهاز الأمني الكهنوت الجديد. وفي الجامعة العبرية فان الحراس المكلفين الأمن هم الذين يقررون من هم الطلاب الذين يسمح لهم بدخول المكتبة." والحادث الخطير الأخير الذي هز العديد من الاسرائيليين من دون أن يلفت انتباه الخارج كثيراً، وقع في 26 كانون الأول/ديسمبر عام 2003. فالسيد جيل نعماتي، من سكان كيبوتز رعيم، والبالغ من العمر 21 عاماً، وقد أنهى خدمته العسكرية، كان يشارك في مبادرة مع الثائرين ضد الجدار. وقد تجمع هؤلاء في مسقى، وهي بلدة فلسطينية جنوب قلقيلية على بعد حوالى 7 كيلومترات من "الخط الأخضر [2]" ومفصولة عن أراضيها الزراعية بسبب "الجدار الأمني" المشيد مؤخراً. وإلى جانب الـ200 فلسطيني توجه 50 اسرائيلياً، ومنهم نعماتي الى بوابة أعدت في الجدار للسماح نظرياً للمزارعين الفلسطينيين بالوصول الى أراضيهم، إلا انها تبقى موصدة معظم الأحيان تقريباً. ولدى اقترابهما انفصلت المجموعتان إذ روى السيد إيلي كوهين، وهو أحد السينمائيين الاسرائيليين وصاحب الفيلم الشهير، "على بعد خطوتين من صيدا" والذي أعده بناء على طلب الجيش والذي يصور حالياً فيلماً وثائقياً عن الجدار:"كنا قد اتفقنا على أن يقترب الاسرائيليون فقط من السياج، إذ كان الكل يفترض أن الجنود سوف يتحلون بضبط النفس في مواجهة المتظاهرين الاسرائيليين وأنهم لن يطلقوا النار." لكن الحسابات أخطأت، فما ان بدأ المتظاهرون الاسرائيليون يهزون الباب حتى راحت فرقة من الجنود من على بعد عشرين متراً تطلق النار فوق رؤوسهم. ويروي السينمائي: "وعندها جعل المتظاهرون يصرخون: "لا تطلقوا النار، نحن اسرائيليون، نحن اخوة ونعيش معكم. وما لا يمكنني تصديقه هو ان الجنود لم يفهموا أن اولئك الذين كانوا يصرخون هكذا بعدم اطلاق النار كانوا يتكلمون العبرية وبلكنة اسرائيلية." لكن الرصاص القاتل استمر. ويروي السيد تل كوهين، المصور لدى صحيفة "يديعوت أحرونوت" والذي كان واقفاً بالقرب من الجنود أنه نبه أحدهم الى أنهم في مواجهة أناس اسرائيليين. ومع ذلك طلب هذا العسكري من قائده الاذن باطلاق النار وقد سمح له بذلك. فسدد أحد القناصة وأطلق رصاصتين على ساق السيد نعماتي مصيباً شرياناً حيوياً. وراح الجريح ينزف وإزاء رفض الجنود فتح البوابة تطلب الأمر نقله عبر طرق جانبية طالت كثيراً بسبب وضعيتها السيئة. فانتهى به الأمر الى مفارقة الحياة عند وصوله الى المستشفى. وقد علم في ما بعد أن قائد الوحدة يقيم في الكانا وهي مستوطنة يهودية تقع على بعد مئات الأمتار من المكان. اما بالنسبة الى القناص الماهر فانه يتحدر من أسرة متدينة وقد تلقى دروسه في "يشيفا" (مدرسة دينية قومية أرثوذكسية). وبحسب ما ورد في التحقيق الداخلي فان الجنود تصرفوا "وفق الأصول"، إذ كانوا متيقنين من أنهم في مواجهة متظاهرين فلسطينيين يهددون باجتياز الجدار وبمهاجمتهم. وعلى هذا يعلق والد الجريح السيد يوري نعماتي، الناشط منذ زمن طويل في حزب العمال والمسؤول عن أحد المجالس القروية في النقب:"يجب ان يكون المرء مخموراً" لكي يصدق رواية الجنود. ومن جهته فان السيد إيلي كوهين يجهد كيلا يتسرع في الحكم، فيقر: لا تهمني استنتاجاتي الخاصة، فقد آمنت طيلة حياتي بأن هذا جيشي وبأنه يحميني". ومع ذلك فانه هو بدوره لا يبدو مقتنعاً، ومما يقوله: "كان الجنود في منتهى الهدوء ولم ينتج اطلاق النار من تدهور الوضع إنما بناء على قرار اتخذ بكل برودة. فكأنما أراد الجنود أن يقولوا للمتظاهرين: أنتم تساعدون الطرف الآخر وتظنون انكم ستنجون بكل بساطة. عليكم أن تدفعوا ثمن فعلتكم". ولا يبدو الاستاذ هاتسراحي اقل صراحة: "إنها المرة الأولى يطلق فيها الجيش النار على اليسار. كان يوجه اللوم الى "الريفوزنيك" من رافضي الخدمة العسكرية لاستغلالهم جيش الدفاع الاسرائيلي لخدمة أهدافهم السياسية. لكن في هذه الحال فان اليمين هو الذي تنكر في ثياب الجيش. حتى وإن امتنعت الصحف عن القول بأن الجنود كانوا من مؤيدي اليمين وقد أطلقوا النار على المتظاهرين اليساريين، في حين أن كل هذا يذكّر بكل وضوح بسلوك الكتائب [3]." ومن جهتها تعتبر السيدة دانا ألكسندر، المسؤولة عن القسم القضائي في جمعية حقوق الانسان الشهيرة أن "قضية نعماتي تدفعنا خطوة الى الأمام، لكن الأمر لم يفاجئني. إنه النتيجة الطبيعية لموقف بالغ العنف تجاه المتظاهرين اليساريين ولنزع الشرعية عن اليسار وعن رجال السياسة العرب في اسرائيل." وتتذكر هذه المناضلة كيف أنه في نيسان/أبريل عام 2002، تظاهرت مجموعة صغيرة من عرب اسرائيل سلمياً في مدينة اللد المختلطة، ضد إعادة الاحتلال العسكري لجميع مدن الضفة الغربية. ومع أن القانون لا يفرض موافقة مسبقة لمبادرة من هذا النوع، فقد تم توقيف أحد عشر من الذين شاركوا فيها وظلوا قيد التوقيف الى أن جرت محاكمتهم بتهمة تشكيل "منظمة غير شرعية" و"التحريض على التمرد". وفي النهاية أطلق سراحهم سراً بعد أن اكتشفت المحكمة أن وجه الاتهام بالتحريض على التمرد استند الى ترجمة خاطئة لإحدى اللافتات التي رفعها المتظاهرون... وفي بعض القضايا الأخرى لا ينحصر الأمر في التوقيفات والاعتقالات التعسفية، وقد انتهى بعضها بمصرع بعض الأبرياء. فمركز "مساواة" في حيفا، والذي يجهد في حماية حقوق المواطنين العرب في اسرائيل، أحصى في ثلاثة أعوام 15 حالة اغتيال على الأقل في حق مواطنين عرب على يد الشرطة أو حرس الحدود، تضاف الى الضحايا الثلاثة عشر الذين سقطوا أثناء قمع مظاهرات تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 في بداية الانتفاضة الثانية. ويؤكد السيد جعفر فرح، المدير العام لمركز "مساواة" أنه "في تشرين الأول/أكتوبر عام 2000 اتخذت الحكومة وجهاز الأمن الداخلي (شاباك) على أعلى المستويات، قراراً بالعمل على إعادة العرب من حيث أتوا لأنهم رأوا في فورتهم نوعاً من حرب على مجمل شعب اسرائيل وارضها. ونحن الآن في أجواء هي أقرب الى الترحيل [4] الى درجة أننا بتنا نسمع دائماً "الموت للعرب" وفي طبيعة الحال أن هذا الجو يؤثر على الشرطة..." ويقر السيد فرح طوعاً كما جميع الذين تحدثوا في هذا التحقيق، أن هذا الجو ناتج من حال الحرب السائدة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، وقبل كل شيء بسبب العمليات الانتحارية ضد المدنيين في اسرائيل. غير أن معظم الحالات التي أحصاها مركز مساواة ليس لها أي علاقة بالانتحاريين ولا، في شكل اوسع، بالمسائل الامنية. فأي من العرب الخمسة عشر الذين قتلوا على يد الشرطة منذ ثلاثة أعوام لم يكن متورطاً في النشاطات الارهابية، وقسم صغير منهم كان موضع شبهة في بعض المخالفات الجزائية. فهم في غالبيتهم كانوا أشخاصاً أبرياء كلياً ليس لهم أي ارتباط بالجريمة او بالارهاب. وهل من حاجة الى التأكيد أن أي مواطن اسرائيلي منحرف، وموضع شبهة في بعض المخالفات الجزائية أو غيرها لم يتعرض للاغتيال خلال المرحلة نفسها؟ ومما توصلت اليه لجنة أور التي شكلتها الكنيست للتحقيق في الجرائم المرتكبة في حق المواطنين العرب خلال اضطرابات تشرين الأول/أكتوبر عام 2000، أن الشرطة قد أطلقت الرصاص الحي على متظاهرين عرب بدون أي تبرير وخلافاً لكل القوانين.لكن بعد عشرة أيام فقط على نشر هذه النتائج، في أيلول/سبتمبر عام 2003، فتحت الشرطة النار في كفرقاسم على مواطنين عرب أرادت توقيفهم، فجرحت أحد عشر من المتظاهرين الأبرياء، إذ إن أياً منهم لم يكن موضوع ملاحقة قضائية. وقبل شهرين من ذلك كانت قد وقعت حادثة فاضحة من العنف البوليسي. فالسيد ناصر أبو القيان، البالغ الثالثة والعشرين من العمر، كان يقود شاحنته الصغيرة على طريق بئر السبع. وخلال توقفه عند الاشارة الضوئية، اشتبه بعض حرس الحدود في أنه ينقل عمالاً فلسطينيين في وضع غير شرعي. وإذ اعتبر أحد رجال الشرطة أن أبو القيان تباطأ في الرد عليه، عمد الى كسر شباك شاحنته بمسدسه وأطلق النار على رأسه عن قرب. وفي بادئ الأمر أكدت الشرطة أن الرجل حاول الفرار. لكن إزاء الشهادات المتعددة ومنها شهادات بعض السائقين الاسرائيليين، وُجهت الى المجرم تهمة القتل. ويؤكد السيد فرح أن أياً من حالات القتل الأربع عشرة الأخرى لم تكن موضوع تجريم. فهل لأنه لم يكن هناك أي شاهد يهودي ربما؟ وهذه الموجة العميقة تطغى أيضاً على المستوى الأعلى. وهكذا نجد أنه في سياق الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير عام 2003، اتخذت لجنة برلمانية قراراً بمنع نائبين عربيين من الترشيح (هما السيدان عزمي بشارة وأحمد الطيبي) وحزب عربي (البلد برئاسة السيد بشارة) من تقديم مرشحيه. وقد تطلب الأمر أن تعمد المحكمة العليا الى إلغاء هذا القرار، وهكذا استعاد السيد بشارة، وهو النائب الاسرائيلي الأول الذي يلاحق قضائياً بسبب تصريح [5] حصانته النيابية. وقد خضع معظم النواب التسعة العرب لتحقيقات بوليسية... لم تفضِ الى أي شيء. وقد سجل مركز مساواة 25 حالة اعتداء على نواب عرب من جانب الشرطة. وإذا كان قد أصبح من السخيف في اسرائيل اتهام النواب العرب بالتحريض على التمرد فان البعض لا يرون في هذا التنديد إلا محاولة متعمدة لنزع الشرعية عن الزعماء العرب. وتعتبر السيدة ألكسندر أن "مثل هذه المحاولات جرت في السابق إنما ليس على هذا المستوى ولا بهذه الدرجة من الدعم داخل الكنيست". ضف الى ذلك أن حال الترهيب من "الخطر الديموغرافي" الذي عاد الى إثارته مؤخراً وزير الخزانة بنيامين نتنياهو، قد أفضت الى إقرار قانون في آب/أغسطس عام 2003 يبدو واضحاً ما فيه من تمييز وعنصرية، وهو القانون المتعلق بالمواطنية وبالدخول الى اسرائيل. وتنظر الكنيست حالياً في مشروع قانون آخر يرمي الى أن يفرض على المنظمات غير الحكومية أن تخضع جميع الهبات التي تحصل عليها من الخارج لكشف السلطة الحكومية التي سيكون لها حق منع تمويل المنظمات التي "تسعى الى التأثير في موقف ما أو على الرأي العام في المجتمع الاسرائيلي". وإذا ما تم إقراره فان هذا القانون سيؤثر حكماً على المنظمات غير الحكومية العربية التي تحصل على معظم اموالها من الاتحاد الأوروبي أو من الدول الأوروبية. ومن الاعتداءات الأخرى على الحريات أن الحكومة قد صادقت في نيسان/أبريل عام 2003 على خطة تهدف الى إجلاء 000 70 بدوي من الأماكن التي يعيشون فيها منذ 50 عاماً والى إكراههم على الحياة الحضرية في المدن. وقد صرح السيد فرح: "لا أعتقد أنهم سينجحون في طرد مجمل هؤلاء البدو من القرى غير المعترف بها، غير أن عدداً كبيراً منهم سوف يتم ترحيله. وفي كل الأحوال إنها المرة الأولى يقر فيها مشروع بهذه الدقة". وعلى كل حال، تندرج هذه الاجراءات في سياق أجواء "الترانسفير"، وهو ما أجمع عليه محدثونا. "إن مدينة بئر السبع قد سقطت في أيدي الزمر الاجرامية البدوية". هذا ما صرح به وزير الأمن الداخلي تساهي هانغبي الى صحيفة "معاريف" في أثناء زيارة له الى المدينة في آب/أغسطس الماضي. وأضاف: "وأنا أقول لكم أيها الشباب انتفضوا بالآلاف وتسلحوا بالهراوات واطردوا هؤلاء المجرمين البدو." وللأسف لقيت هذه التصريحات صدى مؤيداً في العديد من وسائل الاعلام، التي التزمت في الواقع "المعركة على الارهاب"، أي عملياً على عرب اسرائيل. والأمثلة على عملية التجييش هذه عديدة. فقد عنونت صحيفة "يديعوت أحرونوت: "انتفاضة في كفرقاسم" عند نقلها خبر حادث سقط فيه أحد عشر جريحاً من الابرياء في هذه المدينة. "لقد نجحت الحكومة في فرض وجهة نظرها على القسم الأكبر من وسائل الاعلام"، هذا ما أكده الاستاذ موردخاي كريمنتزر في الجامعة العبرية والرئيس المنتهية ولايته لمجلس الصحافيين، المؤسسة المجانية الأكثر شهرة بين وسائل الاعلام الاسرائيلية. ويذكي هذا الموقف البروفسور حاتسراهي الذي يجهد داخل الكنيست للدفاع عن استقلال الصحافة، إذ يقول: "هناك آلية تقوم على اعتماد الرواية الرسمية. وقد بات من المستحيل التمييز بين ناطق رسمي وصحافي." ولا تنحصر هذه الظاهرة في الرقابة الذاتية المعروفة في زمن الحرب، فبحسب البروفسور كريمنتزر وعدد كبير من المحترفين فإن الحكومة تمارس ضغطاً متزايداً على وسائل الاعلام الى درجة أننا نشهد حالة انقراض في حرية التعبير. وهذا ما يشهد عليه صحافي مهم من راديو تلفزيون اسرائيل، وهو يشرف على القناة التلفزيونية الأولى وعلى إذاعة "كل اسرائيل" الأكثر شعبية فيقول: "منذ حوالى العام باتت الحكومة تتدخل بشكل فاضح. كانت الضغوط تمارس من قبل ولكن ليس بهذه القوة. فأنت تستمع الى الأخبار وتقول في نفسك أنك تعرف ما يريد قوله المحرر أو مقدم البرنامج. ويجري التنكر كلياً للحقيقة." ويضيف من جهة أخرى: "إن رئيس مجلس الادارة عضو ناشط في حزب ليكود وهو يمرر الملاحظات محدداً من الذي يمكن إجراء مقابلة معه او لا." ويتابع هذا الصحافي: "اما المدير العام فهو أسوأ أيضاً. فقبل الانتخابات العامة الأخيرة رفض ان يعطي موافقته على مقابلة مع أمرام متسناح. وقد تطلب الأمر مناقشات مضنية للحصول على السماح باجراء هذه المقابلة مع رئيس أكبر حزب معارض والذي كان مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء، والتي يفترض أن تكون بديهية في الحالات الطبيعية." ما يوري دان فهو أحد الأصدقاء المقربين جداً من السيد أرييل شارون، ويقدم برنامجاً إذاعياً مدته ساعتان يخصصه كلياً لامتداح أعمال رئيس الوزراء السامية وللتنديد القاسي بالمشنعين عليه. وقد انضم مؤخراً الى الأعضاء الدائمين في العينة المختارة التي تقوم بالمداخلات في النشرة الاخبارية المتلفزة المميزة التي تعرض مساء يوم الجمعة. ويقدم هذه النشرة دان شيلون، أحد الآباء المؤسسين للتلفزيون الاسرائيلي، الى أن فوجئ يوماً وهو يقرأ في الصحف أنه قد فقد وظيفته. اما سبب ذلك فهو أنه، بالرغم من الدعوات الملحة من غرفة الرقابة، لم يعطِ الميكروفون بالسرعة اللازمة ليوري دان. ويرى البروفسور كريمنتزر أن "الحكومة قد أحكمت السيطرة على دائرة الراديو تلفزيون، ونحن نعود الى زمن ديفيد بن غوريون عندما لم تكن هذه المؤسسة قد أصبحت جهازاً مستقلاً محمياً بقانون خاص، إنما مجرد مكتب مرتبط بمكتب رئيس الوزراء." والمشكلة اوسع من ذلك. فمحمد بكري، أحد أكثر الممثلين شعبية في اسرائيل، أخرج فيلماً وثائقياً أثار جدلاً حول المواجهات التي وقعت في نيسان/أبريل عام 2002 في مخيم جنين للاجئين. وقد قررت لجنة تقييم أهداف الأفلام والمسرحيات، وهي نوع من جهاز رقابي بائد عملياً، أن تمنع عرض الفيلم بذريعة أنه يصدم مشاعر الجنود الذين شاركوا في العملية. وقد ساند المدعي العام هذا القرار النادر والمستغرب، إلى أن سمحت المحكمة العليا بعرضه. غير ان المدعي العام استأنف قرار المحكمة وحتى الآن لم يعرض الفيلم في اسرائيل، علماً أنه قُدِّم في العديد من المهرجانات السينمائية في الخارج. ويؤكد البروفسور كريمنتزر: "هذا ما لم يكن موضوع تفكير منذ ثلاث سنوات"، ثم يتحدث عن قرار المكتب الوطني للصحافة بعدم تسليم البطاقة الصحافية إلا الى الصحافيين الذين تعتبرهم الـ"شاباك" "نظيفين"، ولم يُعَد النظر أخيراً في هذا الاجراء الا تحت ضغط الصحافة الأجنبية والاسرائيلية معاً. وعلى كل حال، وبحسب دراسة حديثة للمؤسسة الاسرائيلية للديموقراطية، فقد تراجعت اسرائيل الى المركز 31 بين الدول الديموقراطية الـ36 التي شملها الاحصاء. وهذا ما يأسف له البروفسور كريمنتزر: " نلنا العلامة الأدنى بين مجمل الصحافة الحرة. ويكفي أن ننزل قليلاً بعد لكي نصنَّف كدولة "نصف ديموقراطية"." هذا الانزلاق التراجعي لا يتناول فقط المتظاهرين اليساريين وعرب اسرائيل وأعضاء الكنيست أو العاملين في وسائل الاعلام. بل هو يصيب أسس المجتمع الاسرائيلي نفسه. ففي العام الماضي قاد السيد نتنياهو حملة شرسة ضد الأعمال القانونية الاجتماعية بشكل عام ومن النقابات العمالية بنوع خاص، وبرطانة لغة الانتفاضة النموذجية. وقد تميزت هذه الحملة بزلة لسان شهيرة. فقد صرح قائلاً: "نحن لن نستسلم أمام الأعداء"، مستخدماً الكلمة العبرية "أوفيل" (تعني العدو) محل كلمة "أوفديم" (تعني العمال). ويحلل كلامه السيد يوفال الباشان، المحامي مدير "العيادة القضائية" في الجامعة العبرية، فيرى أن "كل خطابهموجهالىأعداء، ولم تكن زلة لسانه صدفة." ويضيف أن المسألة على كل حال هي الرغبة في منع محاكم العمل وهي المعقل الأخير للنقابات. وهناك لجنة خاصة تبحث حالياً في مستقبل هذه التشريعات ويقول السيد الباشان انه متأكد من انها سوف تلغى: "وعندما لا يتبقى عندك أي نظام قضائي فان المجتمع بأكمله سوف ينهار." ومؤخراً عقد وزير الخزانة اتفاقاً لا سابق له مع الشرطة. فهو يمنحها مزيداً من الاعتمادات مقابل أن تشكل هي وحدة خاصة مهمتها إيجاد الأشخاص الذين يجنون مساعدات اجتماعية بطرق غير مشروعة. والمال الذي تسترجعه "شرطة المعونات الاجتماعية هذه" سيساعد الدولة في التوفير، ويبقى ...للشرطة. هذا التطلع يجعل بدن البروفسور حاتسراهي يقشعر: "إنه وزير المال الأكثر إجراماً في تاريخ اسرائيل. فهو بكل لامبالاة وبكل مكيافيلية ينوي تدمير جميع المؤسسات الاجتماعية. فقد تغلب داعي الأمن على كل ما عداه. فالارهاب قد ترك اثره في الحركة السياسية لحقوق الانسان وباتت الطريق مفتوحة امام انتهاكات اخرى للحقوق المدنية." في اوائل كانون الثاني/يناير، حققت جمعية الحقوق المدنية انتصاراً بسيطاً على السيد نتنياهو. فقد ربحت الجمعية الدعوى في المحكمة العليا، التي استنتجت أن القرار الصادر في العام 2003 بخفض المساعدات المخصصة للعاطلين عن العمل لمدة طويلة وخصوصاً للأمهات العازبات، قد ينتهك الحق الانساني الجوهري في حياة كريمة. وخلال المرافعات بدا أن وزير الخزانة لم يحسن تقدير الحاجات الدنيا المفروضة للعيش بكرامة. وقد طلبت المحكمة الى الحكومة القيام بواجبها مما أثار هجوماً عنيفاً عليها في الكنيست. "فقد تغاضى وزير الخزانة عن الأمر وخرق القانون" بحسب ما اكد البروفسور أهارون زامير، القاضي السابق في المحكمة العليا واحد اكثر الرجال رزانة في كل الجهاز القضائي الاسرائيلي. فهل هي الحرب بين المحكمة العليا والكنيست؟ ام هي أزمة الديموقراطية؟ ويخلص السيد الباشان الى أنه "عندما تتسلل سياسة انتهاك حقوق الانسان الى مجتمع ما فإنها تفتك بكيانه كله."
* صحافي اسرائيلي، حائز جائزة نابولي للصحافة، صرف من صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعد أن عنون مقالاً حول أعمال رئيس الوزراء: "شارون لم يقل الحقيقة".
[1] اقرأ: Joseph Algazy, “Ces Israéliens qui ont faim“, Le Monde diplomatique, octobre 2003 [2] حدود العام 1967. [3] ميليشيا مسيحية متطرفة في لبنان مسؤولة عن مجازر صبرا وشاتيلا. [4] اقرأ: Amira Hass, “Ces Israéliens qui rêvent de transfert“, Le Monde diplomatique, février 2003 [5] كان في خطاب له في سوريا قد دعا الى "المقاومة".
|