
العالم العربي و الاسلامي > فبراير/ شباط > 2004موران رابابورالحب والامن والديموغرافيا مراد السنا فلسطيني مولود في اسرائيل، في لاسكيا وهي مدينة يقطنها البدو بالقرب من بئر السبع. لم تكن لديه اي فكرة سياسية مسبقة يوم التقى بعبير، الفلسطينية المولودة في بيت لحم. كانا يدرسان في جامعة “ماك غيل” الكندية في اطار برنامج خاص بعنوان "بناء السلام" في الشرق الاوسط. وهناك تحابّا. لكن لم يخطر في بال اي منهما ان هذا الغرام سيكون عائقا امام سعادتهما. يقول مراد: "كنت اعرف ان عبير ليست مجرمة وانا كذلك لست مجرما. لم أفكر في كونها فلسطينية وانا اسرائيلي. كنت احبها، هذا كل ما في الامر". بعد مرور ثلاث سنوات على لقائهما وراء الاطلسي، تزوج مراد الذي اصبح محاميا وعبير، المدرسة في الجامعة، في القدس خلال شهر شباط/فبراير من العام 2003. لكن في 12 ايار/مايو من العام نفسه، قررت الحكومة الاسرائيلية التوقف عن السماح للفلسطينيين او الفلسطينيات المتزوجين، من رجال او نساء من عرب اسرائيل، بالاقامة في الدولة العبرية. وبعد شهرين ونصف شهر حوّل الكنيست هذا القرار الى قانون. فصارت اقامة عبير مع زوجها في بئر السبع اقامة غير شرعية. يقول مراد: "كانت تلك اصعب لحظات حياتنا حيث احتمال الاعتقال كان مسلطا كالسيف فوق رأسينا. لم تعد عبير قادرة على الذهاب الى الجامعة في القدس ولا تلقي العلاج الصحي بشكل عادي. فلتحاشي الوصول الينا لم نعد نعطي عنواننا الى اي كان". القانون الذي حول حياة عائلة السنا جحيما، يحمل اسم "قانون المواطنة والدخول الى اسرائيل". وقد اعتبره المجتمع الدولي بما في ذلك الاتحاد الاوروبي قانونا عنصريا تمييزيا يناقض احد الحقوق الاساسية لكل كائن بشري: الحق في الحب وتأسيس عائلة. تجيب حكومة اسرائيل انها تجاوزت هذا الحق المقدس لاسباب أمنية. قلة توافق على هذا التبرير في الخارج وفي اسرائيل نفسها هناك الكثيرون ممن لا يوافقون على القانون. ما هي القضية في الواقع؟ الزيجات بين فلسطينيين او فلسطينيات من اسرائيل ومن الضفة وغزة امر شائع منذ سنوات، اذ ينتسبون الى الشعب نفسه ويتقاسمون الثقافة نفسها، وفي العديد من الحالات لهم الاصول العائلية نفسها مما يشكل امتيازا اضافيا لا سيما ان التقليد الفلسطيني يحبذ الزيجات داخل العشيرة. حتى اليوم كان الزواج بين الفلسطينيين والاسرائيليين يخضع لسلسلة من المعاملات الادارية أطول من اي زواج من جنسيات اخرى بغية الحصول على اذن بالاقامة الدائمة او بالحصول على الجنسية الاسرائيلية. بين 1993 و2001 سجلت وزارة الداخلية الاسرائيلية 22414 طلبا لجمع شمل العائلات منها 16007 حصلت على الموافقة. وفي غياب الاحصاءات حول عدد الاولاد المعنيين يمكن التقدير بانه سمح لمئة الف فلسطيني بالاقامة في اسرائيل وهو رقم مرتفع نظرا لكون عدد السكان في اسرائيل يبلغ الستة ملايين تقريبا. يشكل القانون الجديد منعطفا مفاجئا. "لن يمنح وزير الداخلية الجنسية الى المقيمين في المناطق" التي تعرف على انها يهودا والسامرة اي الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن "المقيمين في تجمعات اسرائيلية" اي المستوطنين لا يعتبرون "مقيمين في المناطق"! تسري هذه التعريفات بالنسبة لوزارة الداخلية كما بالنسبة لقيادات المناطق العسكرية الذين لن يمنحوا "أذن اقامة" لـ"المقيمين في المناطق". عمليا، لا أمل بتحقيق لمّ شمل عائلي شرعي بالنسبة لعبير السنا وعشرات الآلاف من الفلسطينيين غيرها. لا يرفع الحظر الا في حالتين: للاشخاص القادمين للعمل او الطبابة في اسرائيل او "للمقيمين الذين تقتنع وزارة الداخلية بتماهيهم مع دولة اسرائيل واهدافها(...) وانجزوا عملا مهما لتحسين الوضع الامني" اي المتعاونين الاسرائيليين الذين قد يمنحون الجنسية الاسرائيلية. في التبرير الرسمي ينطلق القانون من دواع أمنية. وتقول الشروح المرافقة له انه سجل "التزام متزايد في النزاع" من فلسطينيين حصلوا على جنسية اسرائيلية بفضل لمّ شمل العائلات وانه يجب بالتالي ومن اجل أمن اسرائيل وقف هذه الطريقة للدخول الى الدولة العبرية. في جوابها عن سؤال من "ادالا" وهو مركز شرعي لحقوق الاقلية العربية في اسرائيل، اشارت الحكومة الى ست حالات شارك فيها فلسطينيون مجنسون بعمليات ارهابية. وحكي لاحقا عن 21 حالة. فأشار مركز "أدالا" الى ان النسبة لا تمثل سوى 0،02 بالمئة من الفلسطينيين المعنيين. وهو أقل من المتعاونين الفلسطينيين المتورطين في عمليات ارهابية، فالرجل الذي قاد مثلا الانتحاري الى مطعم مكسيم في حيفا [1] هو نجل احد هؤلاء المتعاونين... في الواقع ان لهذا القانون مبررات اخرى واولها "التهديد الديموغرافي" كما اعترف به صراحة وقبل التصويت السيد جدعون عزرا، المدير السابق المساعد لجهاز الامن الداخلي (شاباك) والوزير من دون حقيبة في الحكومة. "لا تريد دولة اسرائيل منح حق العودة زحفا، لا احد يريد ان تفقد دولتنا طابعها اليهودي". لهذه الاسباب تعيد اسرائيل النظر في هذا الحق الاساسي اي الحق في الحب وتأسيس العائلة. ويعاني الرجال والنساء من النتائج. طوال عامين لم يغادر السيد محمود سلوى قريته ام الغاني قرب العفولة الا مرتين حيث يخشى الاعتقال والانفصال عن زوجته واولاده الاربعة. وتروي المحامية يوهانا ليرمان التي تتابع هذه المسائل ان احدى موكلاتها اجهضت خوفا على طفلها من ان لا يتمتع بالحقوق الشرعية. "لا يمكنني تخيل ماذا سيحدث اذا لم يصر الى تعديل هذا القانون،" تقول مارال السنا التي تعمل هي ايضا في مركز "ادالا"، مضيفة: "ستكون هناك كارثة". "أدالا" وغيرها من الجمعيات تقدمت بالتماس من المحكمة العليا للمطالبة بإبطال القانون المناهض لحقوق الانسان. وقد قررت المحكمة التداول في المسألة بأغلبية 13 قاضيا مما يدل على ان الموضوع جوهري في نظرها. تؤكد "ادالا" في ندائها: "الحب لا يعرف الحدود، فهو يحتقرها. لذلك لن ينجح هذا القانون(...) لان الرجال والنساء سيستمرون في تبادل مشاعر الحب والزواج لتأسيس العائلات". يحق لاسرائيل ان تطلب من مواطنيها عدم ممارسة الحرب لكن هل يمكنها منعهم من الحب؟
* صحافي اسرائيلي، حائز جائزة نابولي للصحافة، صرف من صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعد أن عنون مقالاً حول أعمال رئيس الوزراء: "شارون لم يقل الحقيقة".
[1] اعتداء وقع في 4/10/2003 وسقط بنتيجته 23 قتيلا.
|