
اقتصاد و مجتمع > فبراير/ شباط > 2004جان بيار اوليفيه دو ساردانطب الجوار... وطب النوعية في افريقيا تشير المعطيات المتعلقة بانتشار الاوبئة في القارة الافريقية (الناقصة في واقع الحال والبعيدة عن الواقع) الى نسب وفيات تفوق النسب في سائر ارجاء العالم. والامر ليس وقفا على الامراض المحددة مثل الإيدز او الملاريا التي تركز عليها وسائل الاعلام بل تدل على ان الوضع الصحي بصورة عامة لا يزال في حدود الكارثة بالرغم من بعض التقدم المسجل في العقود المنصرمة. فالحصبة والولادة لا تزال تقتل سنويا مئات آلالاف من الاطفال والامهات الذين كان يقيض لهم البقاء على قيد الحياة دون مشكلة في بلدان الشمال. يعمد على وجه العموم الى تفسيرين، واحد اقتصادي والثاني ثقافي. فالمسؤولية عن كل تلك الوفيات التي يمكن تفاديها تقنيا في ظروف اقتصادية مختلفة، تقع على ضعف الرعاية الصحية في الارياف والنقص في الموارد البشرية والمالية والشح في الاعداد الصحي. أي بكلمة واحدة، تقع على "التخلف"، بمعنى النقص الفاضح في الوسائل والتمويل. من جهة اخرى، توجه اصابع الاتهام الى الثقافة المحلية بمعنى ان العادات والتقاليد والتصورات والممارسات السائدة في الاوساط الشعبية، لا بل "الجهل" المستشري، تحول دون وصول المرضى الى مؤسسات العناية في الوقت المطلوب بسبب اللجؤ المفرط الى العلاجات "التقليدية" او الى "المطببين". يضاف الى هذين العاملين المؤكدين عنصر ثالث لا يجاهر بالكلام عنه مع انه يتحمل مسؤولية جسيمة، الا وهو السلوك غير المناسب لقسم كبير من الجهاز الطبي البشري وعدم احترام آداب المهنة واحتقار المرضى(1). فالاذلال والاستغلال والاهمال والتنكر والعنف والتغيب وانعدام الدوافع وفلسفة "كل لنفسه"، جميع هذه الآفات المرتبطة بظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التدهور تلقى الاستنكار من المعنيين من المرضى ("حتى انهم ينظرون الينا" و"العاملون في مجال الصحة لا يفكرون الا بالمال) ومن بعض المحترفين الثاقبي النظر. هناك بالطبع مستوصفات ودور توليد يعمل فيها جهاز بشري مؤهل وصادق ومن اصحاب الضمير المحببين، لكنها مهمشة. فضمن هذه الظروف فإن الابتعاد عن مؤسسات الرعاية الصحية العامة والهروب المتكرر للمرضى وعدم احترام التعليمات الطبية، إن هذه كلها ترتبط بنوع الطبابة شبه البيطرية التي يؤمنها نظام الصحة العامة في نيامه كما في ابيدجان او في داكار وباماكو او كوناكري. مع ذلك فان السكان لا يرفضون الطبابة الحديثة في حد ذاتها. والدليل النجاح الذي حققته الصيدليات المفتوحة حيث الادوية الحديثة معروضة للبيع في الدكاكين او من قبل باعة متجولين (ولو ان هذه الادوية تأتي من التهريب او التزوير) اضافة الى الانتشار الواسع للعيادات الطبية الخاصة غير المرخص لها والتي يقوم عليها ممرض يعمل خارج دوامه او اثناءه او غيره من المحالين على التقاعد. كذلك تتكاثر في المدينة عمليات التوليد في المنازل بمساعدة قابلات قانونيات او حيث تعمل هؤلاء القابلات. وفي مختلف الاحوال فان تجاورا جسديا واجتماعيا ايضا هو المطلوب وهو الحاصل في الممارسة بين المرضى والذين يؤمّنون لهم العناية. فالبائع المتجول يبيع بالمفرق امام عتبة الباب ادوية من نوع "الباراسيتامول" او "النيفاكين" اللذين يوصفان من دون تردد في المستوصفات خلال معاينات متسرعة تؤدي الى هدر كبير للوقت. كما يؤدي البائع، وفي لغة يومية عادية، نصائح حول ما يجب عمله في حال الاسهال او وجع البطن او العجز... بالطبع ان هذا النوع من العناية القريبة المطلوبة بكثرة في الوسط المديني ليست طبابة ذات نوعية. فالادوية الفاسدة او غير الصالحة بين ايدي الباعة لا ينصح بها لمن بمقدوره دفع 1000 فرنك افريقي (15 يورو) في الصيدلية لشراء وصفة طبية. فبعض الوصفات او الحقن الشائعة الاستخدام والتي تنتظرك في خلفية منزل احد الممرضين المسنين الذين يحنون الى الوصفات الكولونيالية، لا تساوي بطبيعة الحال الاستشارة المكلفة لدى طبيب اختصاصي في عيادة خاصة معروفة. لكن على الاقل يحظى المرء هنا بالاهتمام من دون تكلفة عالية، يصغى اليه، يُردّ على اسئلته ويصار الى طمأنته بكلمات مألوفة ويعطى "دواء" رخيصا يأمل في ان يقدّم له الشفاء. لا شك ان المطلوب طبابة نوعية وقريبة اجتماعيا وجغرافيا في الوقت نفسه، ترتكز على المريض وتشفي المرض. وهذا ما لا يؤمّنه الجهاز شبه الطبي ولا المسعفون او بالحري العجائز من اصحاب الوصفات. فالمستقبل هو في نشر الاطباء العموميين في كل ارجاء البلاد اضافة الى اشكال تضامنية تسمح لاكبر عدد بالافادة. لكن الهدف ما زال بعيدا والاطباء الذين يوافقون على مغادرة المدينة او حتى على الاستقرار في بعض الضواحي او الاحياء الشعبية عددهم ضئيل جدا. كذلك فان الغياب شبه العام لكل اشكال الضمان الاجتماعي يشجع بشكل منهجي القطاع غير الرسمي الرخيص التكلفة والسيىء النوعية في وجه قطاع شرعي خاص او عام. كما ان استيفاء التكلفة الذي يفرضه دافعو الاموال للبنية الصحية العامة حولت مراكزها الى امكنة للعناية المدفوعة: لا دفع، لا عناية. المشكلة هي ان الصحة العامة ليست قادرة في اي من البلدان الافريقية وبالرغم من التصريحات الطنانة، على دفع الاصلاح الجذري الضروري الى الامام. ذلك انها لا تندرج في الواقع بين الاولويات الوطنية وتتميز بعدم التماسك والتنافر المشهود. فالنخب المحلية التي تلجأ من جهتها الى العيادات الخاصة او الى الخارج ترمي العبء على المنظمات الدولية واتفاقات التعاون الثنائية والمنظمات غير الحكومية او المؤسسات الخيرية او الطوائفية في الشمال. فالصحة العامة تعاني بشكل خاص من تهاوي الدول [1] التي ترزح تحت برامج اعادة الهيكلة البنيوية ضمن سياسات ليبيرالية. وتكتفي الوزارات في كل البلدان باتباع التعديلات المتلاحقة في التوجهات التي تفرضها المؤسسات الدولية المتكاثرة منذ 40 عاما واعادة تنظيم الدفق المالي المرافق لها: العناية الطبية الاولية في السبعينات، استيفاء تكلفة الطبابة في الثمانينات، اعادة ترتيب الهرم الصحي في التسعينات، اصلاحات استشفائية اليوم اضافة الى العمليات العمودية العديدة التي يدفع بها مانحو الاموال حول أمراض "شائعة" (ايام التلقيح الوطنية من تنظيم اليونيسف او النشاطات المختلفة ضد الإيدز من دون ذكر العديد من "اللوبيات" والمساعدات المرتبطة بهذا المرض او ذاك من الامراض غير المعروفة كالبلهاراسيا هنا او الدريبانوكيوز هناك او البرص في امكنة اخرى والنوما في هذه المنطقة والاونكوسركوز في تلك...) هكذا فان السياسات العامة لا تعير كبير اهتمام لاصلاح نوعي لعناية الجوار الطبية اي تلك القائمة على "خط الجبهة" في التفاعل اليومي بين المرضى وجهاز الصحة البشري. بالإضافة الى ذلك فإن غياب الخدمات الصحية العامة حيث هي مطلوبة، اي في ملتقى الجوار والنوعية، يتعارض مع افراط في هذه الخدمات حيث لا فعالية لها، اي في المنتديات والادارات والبيروقراطيات والحوارات والرسوم البيانية. وفي الواقع يستغل الاطباء الافارقة وجودهم في القطاع الصحي العام ليلتحقوا بـ"مشاريع تنمية" او بمنظمات دولية (مما يؤدي الى مضاعفة اجورهم ومكافآتهم خمس او عشر مرات) او في اسوأ الاحوال بإدارة الصحة العامة حيث يحولون الى موظفين اداريين يكتبون التقارير ويتقاضون "العمولات". من هذا الباب يغادر عدد لا بأس به من أفضل الاطباء العياديين الطب الاستشفائي اي حيث يؤدون الخدمة الكبرى ليلتحقوا باختصاص الصحة العامة اي ان يتكلموا بالاصلاحات من دون وضعها ابدا موضع التنفيذ. في هذين المجالين الاستراتيجيين اي طبابة الحي (او القرية) والتعاضد في مواجهة المخاطر، تبقى التجارب محصورة ونادرة لا تتجاوز اقامة بعض الاطباء الريفيين هنا او تأسيس صندوق تعاضدي هناك او الاشتراك في رسم مقطوع لعمليات الولادة [2] من دون الوصول الى صياغة برنامج ولو متوسط المدى (بعد انتهاء العمل بالبرنامج الخارجي الذي اعطى الدفع الاول للتجربة). ما زلنا بعيدين عن تعميم التجارب اي عن سياسة اصلاحية على الصعيد الوطني. اسباب تاريخية عدة تفسر هذا الغياب الدراماتيكي لطبابة الجوار الانساني والمكاني وطبابة النوعية التي لا تؤمّن فقط الفحوص المتسرعة والوصفات النمطية وهي الاكثر شيوعا اليوم. فالاولى من تركة الاستعمار وخصوصا الطب العسكري الذي كان يركز على الاوبئة الكبيرة (وكان فعالا في مكافحتها) ولا يقوم سوى بإعداد جهاز بشري غير مؤهل كفاية يمارس عمله بطريقة عجولة [3]. اما الثانية فترجع الى بدايات الاستقلالات حيث تم التركيز على مستشفيات العواصم بمعنى آخر على المنشآت البيروقراطية الثقيلة الوزن والكلفة في آن واحد مع انها غير مؤهلة على غرار نظيرتها الغربية بالوسائل التقنية والمهارات المطلوبة. وهناك في المحصلة غياب للأولوية الوطنية المعطاة للصحة وانتشار لانماط ادارة رسمية غير متماسكة وغير صارمة لا سيما في حقل الصحة مع تغيير مستمر في توجهات المانحين الماليين. شيدت الطبابة ما بعد الاستعمارية وفق نماذج مستوردة تقوم من جهة على جهاز تمريضي من الموظفين يلعبون دائما دور الاطباء (تشخيص الداء ووصف الدواء) وهو دور لم يتلقوا الاعداد له ولا يملكون الوسائل للقيام به، ومن جهة اخرى على مستشفيات المدن المزدحمة وغير الفعالة بسبب وجهائها الجدد المهتمين باوضاعهم اكثر من الاداء الخدماتي للمؤسسات. كل ذلك في اطار قطاع عام يتهاوى ويفقد قيمته، يعيش على حساب المواطن اكثر مما يقدم له الخدمات. بهذا المعنى، ان الغياب شبه التام لطبابة قريبة وانسانية وفي المتناول وذات نوعية، هو احد اخطر فضائح عصرنا وتحدٍّ رئيسي المطلوب مجابهته.
* مدير دروس في المعهد العالي للعلوم الاجتماعية ومدير ابحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية وفي IRD نيامه، نيجر.
[1] Jaffré & Olivier de Sardan, Une médecine inhospitalière. Les difficiles relations entre soignants et soignés dans cinq capitales d’Afrique de l’Ouest), Paris, Karthala, 2003. [2] Olivier de Sardan, "Dramatique déliquescence des Etats en Afrique", Le Monde Diplomatique, février 2000, pp. 12-13. [3] Bado, Médecine coloniale et grandes endémies en Afrique, 1900-1960. Lèpre, trypanosomiase humaine et onchocercose, Paris, Karthala, 1996.
|