
اقتصاد و مجتمع > فبراير/ شباط > 2004فيليب بوفيهموجات الحرارة ووسائل الاعلام والطاقة المتجددة يوم عصفت موجة الحر بفرنسا في صيف 2003 كان من شأن الحاجة الى التبريد أنها زادت الطلب على الكهرباء، وهذا ما صعب على شركة كهرباء فرنسا أن تلبيه لسببين، الأول أن خمسة عشر من مفاعلاتها النووية لم تكن عاملة لأسباب تتعلق بالصيانة، والثاني أن توليد الكهرباء بواسطة الطاقة المائية كان متراجعاً بقوة بسبب الجفاف المستمر [1]. ومن أجل تلبية الطلب عملت شركة كهرباء فرنسا على تشغيل شبكاتها من مراكز التوليد بواسطة الفحم والغاز بأقصى طاقتها من أجل تأمين الحاجات المحلية كما التزامات التصدير. وفي أواسط شهر آب/أغسطس كان بعض المفاعلات النووية يسجل درجات حرارة مرتفعة أكثر فأكثر. وقد تطلب الأمر رش أبراج التبريد فيها بالماء، على ندرته، كما سمح لشركة كهرباء فرنسا ببعض المخالفات لصرف ماء التبريد في السواقي والأنهار وقد بلغت حرارته أحياناً 30 درجة مئوية، مما أثار غضب جمعيات الدفاع عن البيئة. وهكذا تبين إذن أن انتاج الطاقة الكهربائية في فرنسا، والذي يقوم على مصدرين أساسيين، هما الطاقة النووية (بنسبة 78 في المئة) والطاقة المائية (12 في المئة)، يزيد من المخاطر المناخية الى حد بعيد [2]. وتتمتع شركة كهرباء فرنسا، التي تأسست في العام 1946 ، باحتكار شبه كامل لانتاج الطاقة الكهربائية في فرنسا وتوزيعها واستيرادها وتصديرها [3]. لكن ما هو معلوم الآن أن احراق البترول والفحم والغاز لانتاج الطاقة الكهربائية يولد اشكالاً من التلوث وغازات تتسبب بالاحتباس الحراري. ومن جهة أخرى فان هناك مخاطر هائلة ناتجة من استخدام الأورانيوم. ومنذ سبعينات القرن الماضي وموجة الاهتمام الأولى بأشكال الطاقة النظيفة، ساعدت بعض التطورات التكنولوجية المهمة في تطوير أشكال الطاقة المتجددة (EnR) من مثل تلك المنتجة هوائياً أو شمسياً أو بواسطة الحرارة الجوفية. وتوفر هذه الموارد، غير الملوثة وغير المستنفدة، منفعة مهمة كونها تقدم طاقة تنتج وتستخدم محلياً، في قلب وسط المدينة كما في عمق الأرياف. ويرى المتخصصون في مجال الطاقة أن هذا القطاع الأخير سوف يشهد تطوراً قوياً في كل مكان في العالم. وفي الواقع تلفت الشركة الأوروبية للصناعة الضوئية أن سعر الكيلوات/ساعة المنتج ضوئياً ينخفض منذ عشرين عاماً بنسبة 5 في المئة، وهو انخفاض شبيه بما حدث في مجال المعلوماتية وساعد في تعميم استخدام الكومبيوتر. ومن المتوقع أن يصبح سعر الكيلوات/ساعة من الآن وحتى العام 2010، وحتى في العام 2005، بسعر الكيلوات/ساعة المنتج بالطرائق المعتادة. وقد بات بعض جيراننا الاوروبيين يستثمرون بكثافة في التكنولوجيات المتجددة. ففي أواخر العام 2002 كان هناك 278 ميغاوات من منشآت كهرباء الحرارة الجوفية في ألمانيا مقابل أقل من 17 منها في فرنسا. وخلال العامين 2001 و2002 وزعت ألمانيا على مساحة 1.5 مليون متر مربع لواقط حرارية شمسية مقابل مساحة 0.1 مليون متر مربع في فرنسا. والمؤلم أيضاً هو التأخر الفرنسي في مجال الطاقة الهوائية، ففي أواخر العام 2002 بلغ انتاج جيراننا في رين من الطاقة الهوائية 12000 ميغاوات مقابل 150 ميغاوات فقط في فرنسا [4]. كما أن هناك في دول أخرى مثل النمسا أو الدانمارك أو حتى اسبانيا رغبة سياسية ملحوظة في اعتماد أشكال الطاقة غير المركزية. وفي مواجهة هذه التطورات برهنت وسائل الاعلام الفرنسية خلال موجة الحر عن قلة فضولها من أجل وضع تصور للخيارات في مجال الطاقة. فالسيد مارك جدليتشكا، مدير جمعية "هسبول" المتخصصة في تطوير الطاقة الجوفية أوضح ذلك قائلاً: "بالنسبة الى وسائل إعلامنا فان الطاقة الشمسية لا تزال من المحرمات. فهي تتكلم عن الأقمار الصناعية أو عن مقاطعات ما وراء البحار أو عن المستوصفات الافريقية. أي في الحقيقة عن كل ما لا يمت بصلة الى واقعنا اليومي." في 13 آب/أغسطس كانت السيدة ميشيل بابالاردو، مديرة وكالة البيئة والتحكم بالطاقة (Ademe)، من المدعوين الى برنامج Le téléphone sonne (الهاتف يرن)، على إذاعة "فرانس-انتر"، والذي خصص في ذلك اليوم لموضوع ارتفاع حرارة الأرض. وقد اوضحت أنه "يجب تأمين أشكال من الطاقة المتجددة التي لا تفرز غازاً كربونياً" وأن الأمر يعود "إذن الى القيام بأبحاث". فهل يجب فعلاً انتظار نتائج تلك الأبحاث المحتملة فيما الطاقة المتجددة أصبحت واقعاً يومياً عند جيراننا؟ ومن المشاركين في البرنامج أيضاً وزيرة البيئة والتنمية المستدامة السيدة روزلين باشلو، التي أقامت مقارنة بين الـ3600 ميغاوات التي ينتجها المفاعل النووي في شينون بما يماثلها من الطاقات المتحددة فقالت: "أنه للاستغناء عن مفاعل شينون يجب أن نبني 2000 مركز هوائي ينتج كل منها 2 ميغاوات، ثم أنها لا تعمل إلا لثلث الوقت. وإذا أردت اعتماد الحرارة الدوفية يجب أن تنشر الصحون الشمسية على مساحة 3600 هكتار بكلفة تسليم الطاقة أغلى بخمسة أضعاف (...). أضف الى ذلك أن الشبكة الشمسية تفرز بقايا سامة بدرجة كبيرة". إلا أن السيدة باشلو، وحفاظاً منها على نزاهتها السياسية البالغة أضافت: "في ما يخص أنواع الطاقة المتجددة يجب حتماً التشجيع عليها". ولم يذكر أحد في البرنامج أن إنشاء الطاقات المتجددة يتم بطريقة لامركزية، وان الطاقة الشمسية تنتج وتستهلك محلياً وأنه ينظر في الطاقة الهوائية في إطار اقليمي. ولا تتطلب هاتان الطاقتان أن تنقلا الى المستهلكين بواسطة شبكة وطنية واسعة من خطوط التوتر العالي. فقد بينت دراسة للجمعية الأوروبية لصناعة الطاقة الجوفية (EPIA) أنه بإدخال اللواقط الشمسية على أربعين في المئة من السطوح (وخصوصاً السطوح الأفقية الصناعية أو التجارية) وعلى 15 في المئة من واجهات الأبنية (بعض أقسام المباني الأماعية وناطحات السحاب) يمكن لبلد مثل ألمانيا أن ينتج 30 في المئة من طاقته الكهربائية [5]. كما أن أحداً لم يذكّر بأنه إذا كان التيار الشمسي لا يزال باهظ الكلفة فذاك لأن "الطاقة الكهربائية النووية تستأثر منذ ثلاثين عاماً بالقسم الأكبر من المساعدات الرسمية في مجال الأبحاث وتطوير الطاقة، فيما 2 في المئة فقط من الاعتمادات الرسمية تمنح لانواع الطاقة المتجددة وقد انخفضت بنسبة 40 في المئة في موازنة وكالة البيئة والتحكم بالطاقة في العام 2003"، بحسب وزير البيئة السابق إيف كوشيه [6]. وفي خصوص صدور نفايات سامة عن الطاقة الجوفية فان السيد أرنو مين، مدير شركة "أبكس بي.بي. سولار، وهي فرع من شركة نفط "بي.بي" في مجال الطاقة الشمسية، يشدد على أنه "في تصنيع لواقط الطاقة الجوفية يتم استخدام السيليسيوم كما أيضاً أنواع من الحوامض (الأسيد) ومن المواد المذوِّبة ومن مركبات غاز الفلور. وكل هذا يعاد استخدامه في وجهة أخرى ولا تفرز أي مواد سامة في البيئة. كما ان إجراءات تصنيعية مماثلة تتبع في المجال الكهربائي غير أن السيدة روزلين باشلو لا تشير مباشرة الى هذه الصناعة." فالتشكيك في الطاقة المتجددة من جانب عضو في الحكومة يناقض علناً تعهدات فرنسا على الصعيد الأوروبي إذ أن انتاجها الكهربائي الداخلي يجب أن يشمل، من الآن وحتى العام 2010، 21 في المئة من الطاقات المتجددة، والمائية منها ضمناً. ولا تزال الطاقة الشمسية في بدايات تطورها ولا يمكن بالتالي لأي دولة ادعاء امتلاك انتاج كبير منها. لكن ليس هذا سبباً للتقليل من أهمية هذه الطاقة التي على غرار غيرها من أشكال الطاقة المتجددة، يمكن تصورها متكاملة في ما بينها. فإذا كانت الطاقة الجوفية لا تنتج إلا نهاراً فإن هذا يجعلها أكثر ملاءمة إذ إن 61 في المئة من الطلب على الكهرباء يكون ما بين السابعة صباحاً والتاسعة مساء. أما الطاقة الشمسية الحرارية فانها تنتج ما بين 40 و70 في المئة من الحاجات الى المياه الساخنة للمسكن و100 في المئة في الأيام المشمسة أكثر. والمياه المسخنة بالطاقة الشمسية إذا ما أنتجت بكمية كافية يمكن تخزينها لأيام عدة. طبعا إن الطاقة الهوائية لا تنتج إلا إذا كان الهواء متحركاً، أي في ما يعادل ثلث العام. لكنه ينتج بنوع خاص في فصل الشتاء حيث تشتد الحاجة تحديداً. ويعرف إداريو الشبكات الهوائية أنه من أجل تغطية التناوب بين مختلف أشكال انتاج الطاقة يجب تأمين مختلف المواقع والعمل مع سائر المصادر النظيفة. اما طاقة الحرارة الجوفية والكتل الحيوية فانها من جهتها توفر الحرارة والكهرباء تحت الطلب. فعندما تخطط ألمانيا لانتاج 50 في المئة من طاقتها الكهربائية في العام 2050 بفضل الطاقة المتجددة فذاك لأنها تراهن تحديداً على مجمل هذه الأنواع التكاملية. إلا ان فكرة بداية تطور في انتاجنا الطاقة تبدو بعيدة جداً عن الاهتمامات ومن بينها اهتمام الصحافة الفرنسية. فالسيد ديديي لونوار، رئيس لجنة الارتباط بين منتجي الطاقة المتجددة (CLER)، يوضح ذلك قائلاً: "إن وسائل الاعلام غارقة في عقيدة مفهوم الطاقة المركزية السائدة في فرنسا منذ ما يزيد على خمسين عاماً. فشركة كهرباء فرنسا هي شارٍ مهم للمساحات الاعلانية، وهكذا نجد أن هذه الشركة كانت، في العامين 2001 و2002، بين العشرة الأوائل من المعلنين في إذاعة "راديو فرانس" [7]. أما في ما خص "فرانس انتر" فان كهرباء فرنسا كانت حتى المعلن الرابع فيها/ ما بين تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 وتشرين الأول/أكتوبر عام 2003، بموازنة بلغت 1.3 مليون يورو. وما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2001 وتشرين الأول/أكتوبر 2002، وتشرين الثاني/نوفمبر 2002 وتشرين الأول/أكتوبر 2003، زادت موازنة الاعلان لشركة كهرباء فرنسا في الصحف اليومية الوطنية بنسبة 73 في المئة مرتفعة من 2.6 الى 4.5 يورو. كما زاد عدد صفحتها الاعلانية بنسبة 91.4 في المئة [8]. ويعتبر مصنّعو الطاقة المتجددة، مع هيئات المجتمع المدني، بحسب ما تذكّر به السيدة هيلين غاسان المكلفة شؤون الطاقة في منظمة غرينبيس-فرنسا، أن "الصحافة الفرنسية في الغالبية العظمى منها تكرر الأفكار نفسها للرأي السائد وتتحدث باندفاع أكبر عن الطاقة الهوائية عندما يتعلق الموضوع بنزاع حول منشأة ما. وبالنسبة الى الكثير من الصحافيين فإن أشكال الطاقة المتجددة ليست جدية لأنها لا تجسد انتصار العلوم التقنية." وهي فعلاً بعكس ذلك إذ انها بسيطة لاستيعابها وبسيطة في تنفيذها. وبمعزل عن أشكال الطاقة المتجددة فان البحث في تبذير الطاقة غائب هو أيضاً. فمنذ العام 1974 وحتى العام 2000، تضاعف الاستهلاك الكهربائي في فرنسا أربع مرات. ويوضح السيد بينوا لوبو، رئيس شركة "نيغاوات" أنه "منذ ما يزيد على عشرين عاماً تمتدح الحملات الاعلانية الطاقة على أنها وفيرة غير مكلفة وغير ملوثة. ويستمر تطوير سياسة عرض متنامية باستمرار، بينما المطلوب هو الحد من الطلب، كما يحدث في موضوع التبغ أو الكحول." فإعادة النظر في سياستنا للطاقة يمكن أن تتم عبر العمل على ضبط الاستهلاك بانواعه، أي على الاعتدال والفعالية في مجال الطاقة. أما الاعتدال فهو عبارة عن مبادرات بسيطة، منها تجديد المسكن، بعزل الجدران الداخلية وتركيب زجاج مزدوج وتحسين التهوئة، ثم اقتناء البرادات الموفرة في استهلاك التيار، واللمبات ذات الاستهلاك الخفيف، وإلغاء السهرات على الأجهزة الكهربائية... أي مجموعة كاملة من الأعمال المحلية "بسيطة غالباً وحتى غير محسوسة، تعطي في الاجمال نتائج كبيرة". إن أعمال التوفير هذه ضخمة جداً وخصوصاً في المساكن (المنازل والمكاتب) التي تستأثر بـ46 في المئة من استهلاك الطاقة في فرنسا [9]. إن مجرد استبدال اللمبات الأكثر استعمالاً في كل مسكن بنماذج خفيفة الاستهلاك يعني توفير الانتاج السنوي لمفاعل نووي ونصف مفاعل [10]. إن دراسة حاجاتنا وإعادة النظر فيها وإرفاق ذلك باستخدام أشكال الطاقة المتجددة لهي طريقة للاحتراز بشكل فعال من أي أزمة طاقة جديدة محتملة. غير أن عالم السياسة الفرنسية ووسائل الاعلام تصم آذانها عن هذه الخيارات كما عن المشكلات البيئية الشاملة التي تتهددنا.
* صحافي
[1] بنسبة 28.8 في المئة في شهر آب/أغسطس عام 2003 نسبة الى آب/أغسطس عام 2002، والأرقام هي من: Wise-Paris, association d’information sur l’Energie et l’Environnement. [2] حوالى 10 في المئة من الكهرباء تنتج بواسطة مراكز توليد حرارية، إحراق الغاز والفحم. وأقل من واحد في المئة بواسطة الطاقة المتجددة. [3] منذ شباط/فبراير عام 1999، صدر قانون برفع القيود مما سمح للشركات الكبرى بشراء التيار من منتجين آخرين. وهذا ما سيتوافر للأفراد في العام 2007. [4] باروميتر اوبسرفور (Baromètre Eurobserver).كل الأرقام الفرنسية تشمل "الدوم-توم" وهو ما يجعل الأرقام المتعلقة بالمنشآت أقل بقليل في المدن الفرنسية الكبرى. [5] المصدر: “Potential for building integrated photovoltaics”, Association européenne de l?industrie photovoltaïque, Bruxelles, 2001. [6] اقرأ: Yves Cochet, Agnès Sinaï, Sauver la Terre, Ed Fayard, Paris 2003. [7] الدائرة الاعلانية في "راديو فرانس" [8] راجع: TNS Media Intelligence, lieu de pub., date [9] أرقام العام 2000. مجلة البيئة Environnement Magazine، كانون الأول/ديسمبر عام 2002. [10] راجع: Les cahiers de Global Chance
|