
افتتاحية سمير العيطة > كانون الثاني/يناير > 2008سمير العيطةحرب على الإرهاب... أم إرساء الدولة في أفغانستان وباكستان
"توجد حربٌ هنا، حربٌ ضد الإرهاب، حربٌ ضدّ التطرّف الديني، يجب ألاّ نخسرها" [1]. هذا ما صرّحه السيد نيكولا ساركوزي خلال زيارته الخاطفة إلى أفغانستان في فترة الأعياد، قبل الذهاب للاستجمام في منتجع شرم الشيخ برفقة صديقته الجديدة. حتماً كان أحد أهداف الزيارة هو رفع معنويات القوّات الفرنسيّة المرابطة هناك (وهذا ما فعله غيره من القادة الغربيين الذين تسارعوا إلى هناك، في الفترة الأخيرة)، وليشيد بالتدريبات التي تقوم بها هذه القوّات لأكثر من 40 ألفاً من الجنود والضباط الأفغان. ولكن ساركوزي تذمّر من عدم ترافق التدخّل الفرنسي بنجاحاتٍ كافية: "إذاً تجري الأمور على السرعة الأفغانية، ولكنّها تتقدّم في النهاية. وفي مجمل الأحوال، إذا كان لدى أحدكم استراتيجية أخرى، فيجب ألاّ ينزعج من إعطائنا إيّاها، أقصد ليس هنا بل في مكانٍ آخر...". وعد الرئيس ساركوزي بأنّ القوات الفرنسية لن تنسحب من أفغانستان، "لأنّ ذلك سيعطي إشارةً سيّئة"، بل "سيكون هناك خلال الأسابيع القادمة" قرارات جديدة تقوم على زيادة "وجودنا في أفغانستان". وهكذا بشطحة خطاب أتى ليمحي وعده الانتخابي في نيسان/إبريل الماضي حين قدّر أن "وجود القوّات الفرنسية على المدى الطويل في هذا المكان من العالم ليس حاسماً" [2]. وهذا الانعطاف كان متوقّعاً بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى واشنطن حيث صرّح في خطابه أمام الكونغرس أنّه "يجب على الولايات المتحدة وفرنسا أن تقوما معاً، متحدّتين بالحرب على الإرهاب"، و"أنّ فرنسا ستبقى ملتزمة بوجودها في أفغانستان لكلّ الوقت اللازم، لأنّ ما هو على المحكّ في هذا البلد هو مستقبل قيمنا ومستقبل التحالف الأطلسيّ". وعلى عادة هذا الرئيس، هناك بعض ومضات الوعي للواقع حين يصرّح أنّه لا يظُنّ أن "الحلّ (في أفغانستان) هو حلٌّ عسكريّ فقط"، وأنّ الحرب ليست فقط ضدّ طالبان والقاعدة بل أساساً ضدّ تجّار المخدّرات. ولكنّه ليس حقيقةً من الواضح ما تفعله قوّات حلف الأطلسي أو القوّات التي يقودها الجيش الأمريكي (والفرنسيون متواجدون في الاثنتين) في مكافحة المخدّرات، خاصّةً وأنّ زراعتها وتجارتها قد توسّعتا بشكلٍ كبير منذ الغزو في 2002 وأصبح اقتصادها عصباً حيويّاً "لإعادة الإعمار" الأفغاني سواءً لجهة حجم أرباح هذا الاقتصاد، الأوسع من مجمل المساعدات الغربيّة أو لجهة دور هذه المخدّرات في التحالفات السياسية القائمة بين "شبه" الدولة القائمة في كابول وزعماء القبائل والمناطق. الدولة الجديدة التي قامت في أفغانستان بعد الغزو، قد شجّعت هذا الاقتصاد غير النظامي، وأقامت سياساتها على أساسه [3] دون أن تستطيع إعادة بناء المؤسسات الحكومية وإعادة إعمار البنى التحتيّة والخدمات بشكلٍ يمكن أن يُضفي أيّ واقعية على إمكانية تحقيق "الديمقراطية" في المستقبل القريب أو البعيد. الأنكى من ذلك، أنّ طالبان وحلفاءها في أجهزة المخابرات الباكستانية قد أثبتوا قدرتهم على التحرّك بشكلٍ أكثر فعّاليةً، سواء على مستوى التحالفات السياسية في المناطق المختلفة أم على مستوى اقتصاد المخدّرات نفسه. هكذا مع هذا التدهور "للدولة" الأفغانية بعد الغزو، تبدو إمكانيات أيّ حلٍّ سياسيّ للأوضاع هناك بعيدة المنال، مهما ازداد عدد القوّات الغربيّة على الأرض. هذا مع كلّ ما يشاع اليوم عن حوارات بين أجهزة الأمن البريطانية وطالبان [4]. ذلك أنّ عدم التعامل منذ بدء الغزو مع إشكاليّة "بناء الدولة" في أفغانستان قد شجّع على تدهور الأوضاع في البلد الآخر الكبير ذي العلاقات المضطربة مع أفغانستان وطالبان والغرب والمخدّرات: أي باكستان. الغزو الغربي كان له إذاً تداعيات كبيرة على الأوضاع الباكستانية، بدأت بانسحاب الجيش من المناطق القبليّة [5]، وانتهت بكشف تداعي العلاقة بين مؤسّسات الدولة الكبرى "الجيش والأمن" وكافّة أطياف المجتمع الباكستاني، بل إلى بوادر ظهور انقسامات داخل المؤسسة العسكريّة والأمنيّة الباكستانية. السيّد ساركوزي ما زال يأمل في أن تثبت باكستان "التزامها في محاربة الإرهاب"، مع أنّه يعرف أنّ أحد مسبّبات الأزمة الباكستانية هو التزام الرئيس برويز مشرّف في حرب الرئيس جورج بوش ضد الإرهاب. فمع هذا الالتزام، لم يعُد كافياً للرئيس مشرّف أن "يشتري" جيشه عبر إفساده ومنحه أراضٍ ومنافع، بل عاد الأمر إلى نطاق السياسة والإيديولوجيا. فما كان حلفاً واقعياً ضدّ الغزو السوفيتي لأفغانستان قد ولّى، بل أخذ مكانه شعورٌ جامح في المنطقة ضدّ الولايات المتحدة والرئيس جورج بوش. وهذا الشعور الجامح قد يأخذ باكستان إلى المجهول، مع كلّ المحاولات المتأخّرة للإدارة الأمريكيّة لإعادة الحياة السياسية لهذا البلد. وها هو اغتيال السيدة بنظير بوتو يلقي الضوء على هذا المجهول المرتقب. ولكن إذا كانت الدول الغربية تحت قيادة السادة بوش وبلير (وقد حلّ السيّد ساركوزي محلّ هذا الأخير اليوم) عاجزة عن تصوّر إشكاليات بناء واستمراريّة الدولة في أفغانستان (كما كان الأمر في العراق) فما بالك إن تعلّق الأمر بدولة بحجم وأهميّة باكستان. هكذا عادت دائرة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر على من تهرّب أساساً من معالجة أسبابها، ألا وهي تلك العلاقة المضطربة بين أفغانستان وباكستان، وإشكاليات الدولة وإرساء مؤسساتها في كلا البلدين.
* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com
[1] صحيفة Le Journal du Dimanche 22/12/2007 وموقع رئاسة الجمهورية الفرنسية http://www.elysee.fr/documents/inde... [2] تصريح على القناة الثانية الفرنسية نقلته نفس الصحيفة في عدد 26/4/2007. [3] راجع تحقيق مراسل راديو فرنسا الدولية: "السلطات متورّطة في تجارة المخدّرات"، حيث يتّهم أخو الرئيس السيّد وليد كارزاي بممارسة هذه التجارة، http://www.rfi.fr/actufr/articles/0... [4] حوارات فضحتها صحيفة The Daily Telegraph في عدد 27/12/2007 أدّت إلى طرد موظفين دولين من أفغانستان أحدهم يعمل لحساب الأمم المتحدة والثاني للاتحاد الأوروبي. [5] راجع غراهام أوشر: "ليس الجهاد الاسلامي هو سبب الأزمة في باكستان، بل هو الجيش"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الأوّل/ديسمبر 2007، http://www.mondiploar.com/article.p...
|