
الديمقراطية والإعلام والأمن > كانون الثاني/يناير > 2008مارتين مونجانالجميع مشتبه بهم وحرّاس؟
من الممكن أننا نعيش أكثر فأكثر، من الآن وصاعداً، في "مجتمعات متيقّظة حذرة" أكثر منها مجتمعات مراقبة (ميشال فوكو) أو انضباط (حسب جيل دولوز) [1]. ففي فرنسا، جاء العمل بمخطّط "القرصان الحذر" vigipirate [2] ليرسّخ في الأذهان المعادلة التالية: "الحذر والتيقّظ = الأمن"، وجعل منها قضية الجميع. "إذ يطلب فيجيبرات من كل الفرنسيين، مهما كانت أنشطتهم أو مستوى مسؤولياتهم، المشاركة في هذا التيقّظ الكفيل بإعطاء ردٍّ جماعي وفعّال على تهديدات الأعمال الإرهابية" [3]. و في واقع الحال فإن التيقّظ يتميّز بشيءٍ فريد هو افتقاره للموضوع؛ لأنّ التهديد الإرهابي له خاصّة القدرة على الظهور من حيث لا أحد ينتظر. لكن هذا يعني قانونياً أيضاً، بأن التيقّظ يجب أن يشمل كل شيء. ففي حين تعمل المراقبة على هدفٍ محدّد (سجين، تلميذ، عنبر، "دولة مارقة" - ففعل "راقَبَ" هو فعل متعدٍ)، محصورٍ في الزمان والمكان، فإن التيقّظ هو تنبّهٌ دائمٌ من دون حدود أو فضاء. ذلك ان لا "تيقّظ" من دون تهديدٍ غير محدّد، ضبابيّ ومجرّد. ببساطة، يجب علينا البقاء متنبهين كلّ الوقت، في كلّ مناسبة، ليل نهار. "ويتيح مخطط فيجيبيرات استنهاض انتباه كلّ فردٍ دون التأثير غير المجدي على الأنشطة الإدارية، والاقتصادية والاجتماعية اليومية (...) [4]. ولما كانت عمليّة المراقبة نشاطٌ له بداية وله نهاية، على التيقّظ أن يصبح وضعيّة دائمة للفرد، علاقة جديدة مع العالم وإذا كان التهديد المُتوقّع غير أكيدٍ بطبيعته فهو موجودٌ بالتأكيد، ليس هذا فحسب بل ومُداهِمٌ في أيّ لحظة. ويمكن أن يبدو كلّ شيء، كلّ فرد، كلّ حدثٍ صغير، على أنّه يحمل التهديد المتفشي، على أنه إشارة إنذار. المجتمعات المتيقّظة الحذرة هي مجتمعات حذر واشتباه معمّم؛ فيها نكون جميعاً حراساً وإرهابيين في الوقت عينه. وفي الانتظار العالمي لهذا التهديد الذي لا يأتي، يتمّ القيام باكراً بمهاجمة كل الشحارير الصغيرة في غياب طيور السُمّن الدسمة.
* أستاذ في الفلسفة. عضو معهد التعطيل démobilisation (مدينة رين).
[1] Cf. Gilles Deleuze, “Post-scriptum sur les sociétés de contrôle”, in Pourparlers, Les éditions de minuit, Paris, 2003. [2] وُضِع رسمياً عام 1978 في عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان لمكافحة تهديد ضرب الاستقرار الداخلي من قِبل قوى أجنبية، وتمّ تطوير مخطّط فيجيبيرات ثلاث مرات، في تموز/يوليو 1995، حزيران/يونيو 2000 وآذار/مارس 2003. وقد تمّ إطلاقه للمرّة الأولى على كافة الأراضي الفرنسيّة عام 1991 أثناء حرب الخليج الأولى. [3] راجع: "تقديم المخطّط الحكومي الجديد للحذر والتيقّظ، الوقاية والحماية حيال تهديدات الأعمال الإرهابية: فيجيبيرات"، 26 آذار 2003، قسم الاستعلامات الحكومي (SIG)، باريس. [4] المرجع نفسه.
|